"يا ورد من يشتريك؟".. صرخة باعة الزهور بشارع بورقيبة بتونس

باعة الورد في تونس العاصمة يؤكدون أن حركة البيع موسمية ومرتبطة بالمناسبات (الجزيرة)
باعة الورد في تونس العاصمة يؤكدون أن حركة البيع موسمية ومرتبطة بالمناسبات (الجزيرة)

آمال الهلالي-تونس

منهمكا في تنظيف الورد وتخليصه من الشوائب والغصون التالفة يستحضر العم لطفي لحمر بتنهيدة عميقة خمسين سنة قضاها دون كلل ولا ملل في مهنة بيع الورد التي توارثتها عائلته أبا عن جد في محله بآخر شارع الحبيب بورقيبة في تونس العاصمة.

ويبث العم لطفي بنبرة حزينة للجزيرة نت شكواه التي يتقاسمها مع رفاقه في المهنة، بعد أن هجر التونسيون محلات الورد المنتشرة على جنبات شارع بورقيبة ليقتصر الأمر على بعض المناسبات والأعياد، متسائلا "يا ورد من يشتريك؟".

زمان الورود
ويستحضر الرجل بمسحة حنين إلى الماضي البعيد كيف كان دكان والده يعج خلال حقبة الاستعمار بالزبائن من الفرنسيين والإيطاليين، حيث لا يكاد يمر يوم دون أن يبيع عشرات الباقات من الورود بمناسبة أو غير مناسبة.

ويتابع الرجل حديثه معنا دون أن يتوقف عن تنظيف الورد، مؤكدا أن الأحداث التي شهدتها البلاد خلال الثورة أسهمت مباشرة في تقليص حركة البيع والشراء بسبب انهيار القدرة الشرائية للمواطن من جهة، وتغيير مكان محلات الورد إلى آخر شارع الحبيب بورقيبة بعد أن كانت قبالة المسرح البلدي من جهة أخرى.  

ويضيف "المواطن التونسي بات حائرا بعد الثورة في كيفية تأمين حاجياته من الخبز والحليب والسكر والزيت في ظل لهيب الأسعار، فلا غرابة أن يهجر الورد ويكتفي بمشاهدته من بعيد".

‪لطفي الأحمر صاحب محل لبيع الورد منهمك في تنظيفه وتجهيزه للزبائن‬ (الجزيرة)

مهنة تحتضر
تراجع الإقبال على شراء الورد بعد الثورة دفع كثيرا من الباعة لإغلاق محلاتهم وهجر هذه المهنة نهائيا نحو قطاعات أخرى تدر أموالا، كما يقول ثابت الغرياني للجزيرة نت، وهو الذي قضى أكثر من 35 سنة في بيع الورد.

ويضيف "لولا شغفي بهذه المهنة التي بدأتها في سن 14 عاما والتي تتطلب نفسا طويلا وقدرة على استمالة الزبون لما استطعت أنا وزملائي مقاومة المصاعب التي تحيط بهذه المهنة المهددة بالاندثار".

ولا يخفي الرجل حزنه بعد أن أغلقت كثير من مشاتل الزهور في محافظات تونس الكبرى أبوابها بسبب ارتفاع تكلفة زراعة وإنتاج الورد، حيث أصبح جميع باعة الورد في شارع الحبيب بورقيبة يعتمدون على مزود وحيد له بمحافظة سوسة في الوسط الشرقي لتونس.

سعر الوردة
ويتراوح سعر الوردة الواحدة بين دينار ودينار وخمسمئة مليم تونسي (نحو 0.34 دولار)، ويعتبر هذا السعر -كما يقول ثابت- زهيدا ولا يلبي مصاريف البائع الباهظة من أجرة للمحل وأجر للعمال، لكنه كما يقول مجبر على هذه التسعيرة في ظل ركود حركة البيع.

‪ثابت الغرياني يجهز بعناية فائقة باقة زهور لأحد الزبائن‬ (الجزيرة)

تجارة "مناسبتية"
تركنا ثابت يحضر إحدى باقات الورد لزبون سيحتفل قريبا بعيد زواجه، وتوجهنا إلى محل العم أحمد لحمر الذي تربطه صلة قرابة بزميله في المهنة لطفي، حيث لم تمنعه إعاقته الجسدية من بيع الورد على كرسي متحرك.

ويؤكد محدثنا أن عمر الورد قصير جدا، حيث يتراوح بين أربعة أيام في فصل الشتاء ويوم واحد بفصل الصيف، وهو ما يمثل خسارة كبيرة للباعة في حال لم يقدروا على بيعه بشكل سريع ليكون مصيره الذبول ثم الرمي في مكب النفايات.

وعلى الرغم من الحيرة البادية على محيا الرجل بشأن مستقبل هذه المهنة وعلى مورد رزقه الوحيد فإنه لا يتوانى عن التغزل بورده.

‪أحمد لحمر يكافح في مهنة بيع الورد التي ورثها عن والده على الرغم من إعاقته‬ (الجزيرة)

ويقول مبتسما "الأحمر يرمز للحب والزهري للصداقة والبرتقالي للغيرة، أما الأزرق والأبيض والبنفسجي فعادة ما نجهزه للزبائن الذين يستعدون لزيارة المرضى في المستشفيات أو خلال مناسبات رسمية".

ويأمل أحمد أن يتحسن البيع والشراء مع أعياد السنة الميلادية، وأن يقبل التونسيون على شراء الورد لأحبابهم وأصدقائهم.

موجه للتصدير
وبشأن واقع قطاع إنتاج الورد في تونس يجمع الكثير من الباعة ممن تحدثنا معهم على أن هذا القطاع شبه مهمش من وزارة الفلاحة ومن الدولة التونسية باستثناء مبادرات فردية من أصحاب المهنة الذين يستهويهم هذا النوع من الزراعة على الرغم من الآفاق الواعدة لهذا القطاع، وما تزخر به تونس من مناخ جغرافي ملائم.

ويجمع باعة الورد على أن السلطات قد ساهمت في كساد تجارتهم بعد أن أجبرتهم منذ سنوات على ترك محلاتهم التي كانت منتصبة وسط شارع الحبيب بورقيبة والانتقال إلى آخر الشارع بسبب أعمال التوسعة.

ألف طن ورد
وحاولت الجزيرة نت التواصل مع مصدر في وزارة الفلاحة لمعرفة واقع وآفاق قطاع إنتاج الورود غير أننا لم نجد أي رد أو تفاعل إيجابي.

وتقدر حصة تونس العالمية من إنتاج الورد بنحو ألف طن بحسب آخر إحصائية رسمية نشرتها صحف محلية سنة 2016، ويوفر القطاع عائدات سنوية بقيمة سبعمئة مليون دينار.

وتشير الدراسة ذاتها إلى أن الجزء الأكبر من إنتاج الورود والمقدر بنسبة 60% يوجه أساسا للتصدير إلى السوق الأوروبية، في حين يخصص الجزء المتبقي لتزويد حاجة السوق الداخلية.

‪باعة الورد في شارع الحبيب بورقيبة يخشون على مهنتهم من الاندثار‬ (الجزيرة)

مهرجان وملكة للورد
ويقام في تونس مهرجان سنوي للورد بمحافظة أريانة شمالا وهذه هي دورته الـ22 لهذا العام، حيث تشتهر هذه المدينة بزراعة الورد، ويتم خلال المناسبة عرض أنواع شتى من الورود والمشاتل واختيار ملكة جمال الورد.

ويتم استغلال الورد للتهادي أو لديكور المنازل والفضاءات العامة، لكن أيضا يتم استغلال جزء منه في عملية "التقطير" إما بطريقة بدائية في المنازل أو من خلال الشركات المتخصصة ليتم بعدها بيع رحيقه إلى الشركات المنتجة للعطورات خارج تونس.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أخذت الشابة مريم غانم زمام المبادرة في تصميم الديكور المنزلي. الذي يعود لزمن السبعينيات. تشد نظرك قطع الأثاث المزخرفة بالخط العربي، وصور لفنانين كفيروز وعبدالوهاب صممت ببصمات خاصة.

10/12/2018
المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة