مقهى السنترال في العاصمة الأردنية.. وجه عمّان الذي لا يغيب

الصباح في مقهى "السنترال" وإطلالة على "وسط البلد" في وسط العاصمة الأردنية عمان (الجزيرة)
الصباح في مقهى "السنترال" وإطلالة على "وسط البلد" في وسط العاصمة الأردنية عمان (الجزيرة)

همام العسعس-عمان


"عمّان في القلب، أنت الجمر والجاه" على وقع هذه الكلمات يبدأ الصباح في مقهى "السنترال"، كل شيء هنا يذكرنا بعمّان التي غنت لها فيروز "عمّان في القلب"، حيث النوافذ والشرفات القديمة المطلة على "وسط البلد" في وسط العاصمة الأردنية عمان.

إرث "السنترال"
وللمفارقة، فإن هذا المكان الذي يعود إلى العام 1930 يديره شاب يدعى سيف زكي عبد منعم، مواليد العام 1997، بدأ بإدارته بعد وفاة والده زكي منعم، بسبب تعرضه لجلطة مفاجئة أنهت حياته وأدخلت ابنه الأصغر سيف في تحديات الحياة عند ربيعه الـ16 ليتوقف عن الدراسة ويتجه للمحافظة على إرث عائلته "السنترال".

مقهى السنترال في عمّان يستقطب جيلي الخمسينيات والتسعينيات ومعظمهم من المثقفين والأدباء (الجزيرة)
جيلا الخمسينيات والتسعينيات
يحدثنا سيف عن علاقته بوالده، فلم يصدق نفسه بأنه سيكون وحده بين أروقة المقهى، وفي الوقت نفسه شكلت حادثة وفاة والده حافزا له لإبقاء المقهى مفتوحا، مما اضطره للتوقف عن الدراسة والتفرغ بشكل كامل لإدارة المقهى وإعالة عائلته.

وبين جيلي الخمسينيات والتسعينيات يحاول سيف أن يستقطب روادا جددا، لكن بنفس نوعية الزبائن القدماء الذين هم من طبقة المثقفين والأدباء مع محافظته على رواده القدامى الذين تقدم بهم العمر، ليحمي المقهى من الاندثار ويحافظ على رمزيته باعتباره أحد معالم عمان القديمة.

ويذكر سيف في حديثه للجزيرة نت أن أغلب زبائن السنترال هم "عائلته"، فعلى غرار باقي مقاهي عمّان فإن رواد مقهى السنترال من طبقتي الشباب وكبار السن يكوّنون صداقة تتحول مع الزمن إلى أجواء عائلية وتشاركية مع جميع الرواد، ويعود ذلك بحسبه إلى "شغف الشباب لسماع ذكريات الزمن القديم من خلال كبار السن".

ملتقى الضفتين
يروي سيف في حديثه للجزيرة نت عن جده بأن الفلسطينيين كانوا يأتون من الضفة الغربية في فلسطين إلى عمان التي كانت تعرف وقتها بالضفة الشرقية، لانتظار أقربائهم ومعارفهم في مقهى السنترال، إذ لم تكن تنتشر الهواتف الأرضية وقتها.

وكان البعض يمكث في "السنترال" لمدة تزيد على العشرة أيام، لأنهم كانوا متيقنين بقصد أحبائهم للمقهى والتقائهم فيه خلال هذه المدة.

من مشروع "المقاهي والناس" الفنان التشكيلي الأردني محمد أبو عزيز الذي وثق بعض رواد مقهى السنترال (الجزيرة)
 قيمة المقهى التاريخية
تأسس مقهى السنترال عام 1930 على يد حسن البواب المعروف لدى رواد المقهى بـ"أبو علي"، إضافة إلى جد سيف الأكبر "عبد منعم"، فبحسب سيف الابن، وبعد أن جاء أجداده من مدينة يافا الفلسطينية أثناء الانتداب البريطاني لم تكن لديهم حرفة ليمارسوها، ففكروا بافتتاح ثاني مقهى في عمان، فقد كان قبله مقهى يدعى "الجامعة"، وسمي بهذا الاسم نظرا لارتياد طلبة الجامعة له في ذلك الوقت.

ويقول سيف للجزيرة نت إن عائلته رغبت بإغلاق المقهى عندما توفي جده العام 1994، لكن والده زكي منعم رفض ذلك بسبب الارتباط التاريخي لهذا المكان بعمان، وعلى الرغم من أن والده لم يكن في حاجة المال لكونه سمسارا في البورصة، إضافة إلى امتلاكه سيارة أجرة فإنه أراد المحافظة على قيمة المقهى ورمزيته التاريخية، ولذلك فإن سيف الابن يعمل جاهدا لإكمال مسيرة والده.

الوحدة الطلابية
يحدثنا سيف عن أحد المواقف التي ما زالت محفورة في ذاكرته والتي جرت أثناء طفولته، ويقول "عندما كان شباب الوحدة الطلابية يقصدون المقهى لمتابعة أنشطتهم الطلابية والسياسية بسبب توفير والدي الحماية لهم حاولت إحدى الدوريات التابعة للأجهزة الأمنية الدخول للمقهى واعتقال نشطاء الحركة إلا أن والدي وقف لمنعها ولم يسمح لها بالدخول ومر ذلك اليوم بسلام".

ملتقى الفصائل الفلسطينية
ويتحدث المحامي غسان بسطامي (75عاما) عن الأثر السياسي لمقاهي عمان، حيث شكلت هذه المقاهي القديمة منذ تأسيسها متنفسا سياسيا للكتاب والمبدعين الأردنيين، ومن أبرز المقاهي التي لعبت دورا في هذا الإطار مقهى الجامعة العربية، إذ كان ملتقى البعثيين، ويقابله مقهى ما يعرف حاليا بـ"السودانيين" الذي كان ملتقى حركة القوميين العرب، ومن بعدها حركة الشيوعيين.

وكان مقهى "السنترال" ملتقى لكتاب الفصائل الفلسطينية: فتح، الجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، وكان يعد ملتقى اليساريين وبعض الكتاب الذين عرفوا في ذلك العصر بـ"الديمقراطيين"، ومن أشهرهم ياسر عبد ربه الذي أصبح فيما بعد من قيادات منظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك ارتاده بعض الشيوعيين.

المحامي غسان بسطامي (75 عاما) تحدث عن الأثر السياسي لمقاهي عمان (الجزيرة)

ويضيف بسطامي -وهو أحد رواد المقهى القدامى- "لم يعد المقهى كما كان مكانا للندوات السياسية والثقافية أو انطلاق المسيرات والتظاهرات، فتلك الوظيفة الاجتماعية والسياسية انتهت بانتهاء أيام المقاهي القديمة التي اندثرت، وغاب حضور الجيل الذي عاصرها سنوات الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي".

ويذكر بسطامي أن اغلب أصدقائه الذين كانوا يشاركونه الجلوس في مقهى السنترال انتهى بهم الحال إلى الهجرة خارج البلاد، والبعض الآخر فارق الحياة بعد تقدم العمر بهم.

ملتقى النخب العراقية
الباحث في الشأن العراقي يحيى الكبيسي ذكر للجزيرة نت أن "السنترال" كان المقهى الرئيسي للطبقة المثقفة العراقية التي جاءت إلى عمان بداية العام 1992، واستمر ذلك إلى حرب العراق عام 2003.

وبحسب الكبيسي، كان العراقيون يأتون الى عمان بسبب الحصار المفروض على العراق وقتها، وكانت الحالة الاقتصادية لمعظم العراقيين محدودة جدا، فكان مقهى السنترال ووسط البلد مقرا للعراقيين كمنطقة شعبية وتاريخية في وسط العاصمة عمان يتباحثون فيه الشؤون السياسية والعراقية لساعات طويلة.

ويذكر الكبيسي -الذي كان من أحد مرتادي مقهى السنترال- أن الفئات التي كانت تقصده من النخب والفنانين التشكيليين والشعراء والروائيين، كالروائي الراحل عبد الستار ناصر، والقاص علي السوداني، والشعراء عدنان الصائغ، ورعد كريم، والرسام ثائر الآغا، والفوتوغرافي عقيل الهاجر، والباحث رسول محمد رسول، والقائمة تطول.

ويضيف الكبيسي أنه وبعد العام 2003 تغيرت طبيعة الطبقات التي كانت تأتي للأردن، وتحول العراقيون إلى الجلوس في مقاهي عمان الغربية، فمعظم الذين جاؤوا لعمان بعد الحرب كانوا من رجال الأعمال والسياسيين، وبذلك هجر هؤلاء منطقة وسط البلد ومقهى "السنترال" وانطقلوا إلى مناطق أخرى.

 المقاهي والناس
محمد أبو عزيز الفنان التشكيلي الأردني (47 عاما) التقيناه في إحدى زوايا المقهى، حيث يحب أن يجلس بعيدا عن النوافذ والشرفة، ليبتعد عن ضوضاء المركبات في الخارج، يحتسي قهوته، وبجانبه أقلام التخطيط خاصته، ذكر للجزيرة نت أنه عمل على توثيق بعض الوجوه التي ترتاد مقهى السنترال خلال مشروعه "المقاهي والناس" كالفنان العراقي محمد مهر الدين الذي كان يجلس معه في شرفة مقهى السنترال، إضافة إلى رسام الكاريكاتير محمد أبو عفيفة وأمجد رسمي والعديد من رواد المقاهي من فنانين وكتّاب.
الفنان التشكيلي محمد أبو عزيز (الجزيرة)

ألق "الحكواتي"
ويضيف أبو عزيز أن مقهى السنترال الذي كان من أكثر المقاهي ارتفاعا للأسعار في الحقبة القديمة أصبح اليوم يمتاز بأسعاره الرمزية، الأمر الذي أبقى على ارتياد الطبقة الوسطى له.

ويختم أبو عزيز حديثه للجزيرة نت بأن أنشطة المقهى الحديثة التي تتجلى بقصد العديد من "الحكواتيين" له لرواية الحكايات على أسماع الجالسين أعادت له ألقه القديم الذي لا تجده في أي من المقاهي الحديثة.

تغير مفهوم المقهى
وبحسب أستاذ علم الاجتماع المتخصص الدكتور محمد الجربيع، فإن الأماكن التي كان يرتادها الشباب قديما على مستوى المراكز الثقافية والروابط والهيئات كانت محدودة، وهو ما يفسر ارتياد الشباب هذه المقاهي قديما لممارسة الأنشطة السياسية والثقافية المختلفة.

والأمر الآخر -بحسب الجربيع الذي لا يزال يرتاد هذه المقاهي لإجراء دراسات وأبحاث علمية- أن مفهوم المقهى قديما على خلاف اليوم، يتعدى مفهوم "القهوة ولعب الشدة" إلى الملتقى الفكري والثقافي.

ويذكر الجربيع للجزيرة نت أن المقاهي في ذلك الزمن كانت لتبادل النشرات السرية والروايات الممنوعة، لما توفره هذه الأماكن من هامش الحريات بعيدا عن أعين الرقابة الأمنية، حيث إن معظم التنظيمات العربية أسست وتبلورت أفكارها داخل هذه المقاهي.

ويفسر الجربيع تراجع ارتياد الشباب في عصرنا الحالي هذه المقاهي إلى تطور التكنولوجيا، وتضاؤل اهتمام الشباب بالأمور الفكرية والثقافية، وانصرافهم إلى التكنولوجيا وتوابعها، وبالتالي تغير مفهوم المقهى لديهم ليصبح مكانا للعب "الشدة" وتدخين النارجيلة.

المصدر : الجزيرة