سيارة "الكيا".. برلمان مصغر للعراقيين

سيارة "الكيا".. برلمان مصغر للعراقيين

شذى علوان-بغداد

التحليلات السياسية والقضايا الاجتماعية والمشكلات الاقتصادية والمناسبات الدينية تعد مادة صباحية دسمة لمن يستقل الباص العمومي الأشهر في بغداد والمعروف بـ "الكيا"، لما له من خصوصية عند العراقيين لكونه أداة النقل الأكثر استخداما.

وليس مصادفة إطلاق مصطلح "برلمان الكيا" على ما يدور في هذه السيارة من جلسات صباحية ومسائية شبه يومية، جامعة بين شرائح المجتمع، تناقش فيها القضايا المختلفة وتطرح الآراء، وقد تصل إلى حلول ومعالجات حقيقية لا يستطيع البرلمان نفسه تحقيقها.

محسن الجنابي هو صاحب إحدى سيارات النقل العام ولديه باع طويل في العمل بهذا المجال منذ أكثر من عشرة أعوام، يتحدث عن تجربته في نقل الركاب كل يوم، وكيف تتعالى الصيحات والنقاشات في الصفوف الأمامية ومداخلات من المقاعد الخلفية "بأعصاب محترقة"، من نقمة على الوضع العام وانتقاد للظواهر السلبية.

وما إن تحركت السيارة حتى استهل النقاش اثنان من الركاب الكبار، وهما يتحدثان بحرقة عن الوضع العام، لتتحول السيارة إلى برلمان صغير.

وتتوالى سلسلة الحديث تباعا لتبدأ رحلة طويلة من الانفعالات وإفراغ الشحنات العصبية على الأوضاع المأساوية، وما آلت إليه أمور البلاد من ترد وفوضى أحرقت الأخضر واليابس.

ويبدي الجنابي تفاؤله الكبير لما يحمله عقل المواطن العراقي من طريقة تفكير ودراية حقيقية بالأحداث، فعندما يتحدث أحدهم يبدو كأنه اختصر ما لا يستطيع السياسي أن يقوله منذ سنوات، معربا عن اندهاشه من المعلومات التي يمتلكها الركاب في هذه الرحلة وبينهم عمال بسطاء.

ويضيف أن من بين هؤلاء الركاب أيضا من حملة الشهادات الذين لم يحصلوا على فرص في العمل والتعيين، وغيبوا وهمشوا ولم تمنحهم حكومات الأحزاب والمحاصصة السياسية أبسط حقوقهم.

نقاشات داخل إحدى سيارات النقل كيا في العاصمة بغداد (الجزيرة)

منتدى شعبي
أبو أسامة أحد أبطال هذه الحكاية، يعمل في القطاع الخاص ويتحدث عن تجربته باعتباره مواظبا على التنقل في الكيا يوميا منذ ما يقارب 20 عاما، ويصفها بالمنتدى الشعبي المتنقل الحامل لتوجهات متنوعة ومستقلة، متمنيا أن يكون هناك تفعيل حقيقي لمثل هذه المنتديات على أرض الواقع، بحيث يمكن للمواطن أن يمارس فيها حرية التعبير والفكر.

ويجري أبو أسامة مقارنة عملية بين برلمان الكيا ومجلس النواب العراقي، فهنا تجد حرصا كبيرا وخوفا ومحبة عميقة واهتماما وقلقا وترقبا، على عكس ما يدور داخل أروقة البرلمان الكبير من صفقات وسرقات ونقاشات طائفية ضيقة واهتمام بالمصالح والامتيازات الشخصية على حساب المصالح العامة، وفق تعبيره.

لكنه يستدرك قائلا إنه قد تحصل خلافات وتقاطعات بعض الأحيان بين الركاب، لكن ما يجمعهم هو حب البلاد وشعبها، ومن المستحيل أن تتحول خلافاتهم الى عمليات انتقامية تستهدف أرواح الأبرياء من أجل الضغط على الخصوم لتحقيق مآربهم.

وفي برلمان الكيا هذا ثمة ركاب طالبوا السياسيين بالنزول إلى قلب المدينة من خلال تجربة صعود باص عمومي والاستماع إلى مشاكل الناس عن كثب، لعلها تكون حافزا للتغيير والعمل.

فضيلة جواد وهي معلمة، قالت إن ما يدور داخل هذه الحافلة المتنقلة يقدم دروسا عميقة بالوطنية فعلا لا مجرد كلمات.

فرغم ما تشهده البلاد من ترد عام في مختلف المجالات فإنها باتت تتفاءل كثيرا بعدما شاهدت حجم المسؤولية التي يحملها الكثير من العراقيين، ومدى قابليتهم واستعدادهم للتضحية والتفاني، وخاصة من الكفاءات.

وتضيف أنها اكتشفت أنهم يمتلكون ما لا يمتلكه السياسيون في قبة البرلمان من مؤهلات وثقافات متنوعة، تمارس قسم منها داخل بضعة أمتار قليلة، على حد وصفها.

الكيا الباص العمومي الأشهر في بغداد (الجزيرة)


مصدر إلهام
أما دعاء آزاد وهي صحفية شابة تعمل في بغداد، فتعتقد أن برلمان الكيا مكان غزير بالأفكار والآراء التي تساعدها في اختيار موضوعاتها التي تعمل عليها يوميا، لكونها تعبر عن نبض الشارع وتمس شرائح واسعة من المجتمع، لذلك فهي أكثر غزارة في المعلومات.

وتتحدث آزاد عن الكيا باعتبارها مكانا "للإلهام وتوارد الخواطر"، والتعرف على جزء كبير من طريقة تفكير الشارع وما يريد، ومكامن القوة ونقاط الضعف وغيرها.

وهي تكاد تشعر بانعزال تام فيما لو استقلت سيارتها الخاصة، لذلك فهي تجد أنها أنجزت الجزء الأكبر من عملها بمجرد اللقاء بالطبقة الكادحة والعاملة وفئة الطلبة والكوادر التدريسية نساء ورجالا، فتشعر أنك في عراق مصغر بلوحة مكتملة "لا تعادلها أجمل لوحة فنية في العالم".

وفي مقاعد مدفوعة الثمن مسبقا يسعى الكادحون للوصول لأماكن عملهم، ورغم الزحام المروري الخانق في شوارع العاصمة فإن موضوعات السياسة والمنافسات الرياضية ومسابقات البرامج المنوعة اختصرت الساعات إلى دقائق معدودة، في صباح بغدادي بامتياز، ينتهي بالنكتة والتعارف وتبادل التحايا والسلام.

المصدر : الجزيرة