باجة الحاتي.. أكلة عراقية بنكهة ملكية

هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

باجة الحاتي.. أكلة عراقية بنكهة ملكية

إعداد طبق الباجة في أحد مطاعم الحاتي ببغداد (الجزيرة)
إعداد طبق الباجة في أحد مطاعم الحاتي ببغداد (الجزيرة)

وليد المصلح-بغداد

83 عاما من التفرد والعراقة, بين أسماء كثيرة تألقت ثم أفل نجمها, عقود متعاقبة وهي تتصدر قوائم الأكلات الشعبية, وتهفو إليها قلوب محبيها في الصبيحة والمساء في عشق لا يهرم أو يشيخ, إنها "باجة الحاتي" العراقية.

الباجة -باللهجة العراقية- هي رأس الخروف أو العجل بعد ذبحه, ينظف جيدا بإزالة الشعر عن الجلد بالماء الحار, ثم يقطع إلى نصفين أو أكثر بـ"الساطور" ويجهز لعملية الطهي بعد ذلك.

من الحاتي؟
تعود أصول الاسم إلى مؤسس مطعم "باجة الحاتي" إبراهيم الحاتي البغدادي العامري عام 1935، كأول مطعم تخصص بهذه الأكلة اللذيذة في العاصمة بغداد.

افتتح المطعم في شارع الشيخ عمر بمنطقة النهضة وسط بغداد بالقرب من مجمع لبيع الفواكه والخضار، ولعل الحاتي أراد أن يهيئ لمرتاديه من الفلاحين وقتذاك طعاما دسما زهيد الثمن.

كانت الكراسي والمناضد تنتشر على الرصيف المحاذي للمطعم بعد إغلاق المحال التجارية المجاورة نهاية اليوم, حيث إن شارع الشيخ عمر شارع صناعي وتجاري حتى يومنا هذا.

كانت التحضيرات تبدأ خلال الليل بإيقاد النار تحت القدور الكبيرة وفيها الماء وأجزاء الرأس المقطع ونوع خاص من البهار، لتتحول في النهاية إلى طعم فريد لا يقاوَم ورائحة زكية تُسيل اللعاب، بانتظار الزبائن الذين اعتادوا تناولها باكرا كأنهم في سباق محموم مع انبلاج الفجر.

توسع المطعم بافتتاح ستة فروع توزعت في مناطق مختلفة من العاصمة بغداد، كالباب الشرقي والكرادة والمنصور وحي الجامعة.

ليث أبو محمد يقول إن رواد الحاتي فسيفساء من المشاهير والشباب (الجزيرة)

المرتادون المشاهير
ليث أبومحمد ( 70 عاما) ما أنفك  يدير الفرع الرئيسي بشارع الشيخ عمر -الذي ورثه عن أبيه- بهمة لا تلين. يعود بذاكرته موغلا في الماضي ليخبرنا عن رواد مطعم الحاتي في الستينيات والسبعينيات.

وتابع أبو محمد قائلا -في حديث خص به الجزيرة نت- " إن رواد الحاتي كانوا فسيفساء مصغرة، فمنهم الفنانون كيوسف عمر قارئ المقام الشهير والمطربة زهور حسين ولميعة توفيق، ومنهم الممثلون سليم البصري وسامي قفطان"، إضافة إلى قراء القرآن أمثال عبد الستار الطيار وسامي الأعظمي والأدباء والشعراء والمثقفين وحتى الزعماء والسياسيين، أمثال نوري السعيد وعبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، وغيرهم كثيرون.

وقد عبر الحاتي بثقة الحدود إلى رواد جدد في الجوار، سوريا والأردن, حيث يلتئم الشمل مع المغتربين العراقيين على طبق الباجة هناك, ويضاف لهم جمهور عربي جديد لا يقل عنهم ولعا بالأكلة العراقية الذائعة الصيت، وسط أجواء من الحنين إلى الوطن واستحضار للذكريات، الجميلة منها والمرة معا.

صورة نادرة لمطعم الحاتي عام 1961 (الجزيرة)

رواد شباب
يصف علي الحاتي -مؤسس فرع حي الجامعة ببغداد- الباجة بأنها "ليست كباقي الوجبات التي تقدم في كل حين، إذ لها توقيتاتها الخاصة, فغالبا ما تعد وتقدم إما في الصباح الباكر أو عند المساء".

ويضيف أن "أغلب الذين يفدون إلينا صباحا هم من الكادحين المنخرطين في أعمال البناء والمهن الشاقَة، لذلك فإنهم بحاجة إلى وجبة غنية السعرات تمدهم بالطاقة"، أما زبائن المساء فجلهم  من الشباب ومتوسطي الأعمار.

خالد علي (48 عاما) من محبي هذه الأكلة, وهو يواظب على القدوم باستمرار إلى الحاتي للتمتع بوجبته المميزة رغم سكنه في محافظة الأنبار (غربي العراق)، ويصف للجزيرة نت شغفه المفرط بالباجة قائلا "لا أستطيع التأخر كثيرا دون المرور بباجة الحاتي، فهي أكلتي المفضلة خصوصا عند اشتداد برودة الجو في فصل الشتاء".

وقد عدت وزارة الثقافة العراقية مطعم "باجة الحاتي" من المواقع التراثية في بغداد، وفق المادة الرابعة من قانون الآثار والتراث رقم 55 لسنة 2002، باعتباره إرثا حضاريا يفتخر به وانعكاسا لنشاط الإنسان في الرقي والإبداع وصنع الحضارات.

وتبقى "باجة الحاتي" علامة فارقة واسما لامعا في ذاكرة الكثيرين, لاختزالها حقبا زمنية من تاريخ العراق مؤرخة لأحداث وشخصيات طواها الماضي لكنها خلقت أثرا ما زال باقيا إلى الآن. 

باجة الحاتي  تختزل حقبا زمنية بتاريخ العراق (الجزيرة)
أحد الفروع الجديدة لباجة الحاتي ببغداد (الجزيرة)
المصدر : الجزيرة