مقاهي بغداد.. ملاذ الشباب الباحثين عن أمل
عـاجـل: الحوثيون يعلنون استهداف تجمعات للجيش السعودي قبالة نجران بصاروخ باليستي

مقاهي بغداد.. ملاذ الشباب الباحثين عن أمل

إحدى المقاهي الشعبية في بغداد في ساعة متأخرة من الليل (الجزيرة)
إحدى المقاهي الشعبية في بغداد في ساعة متأخرة من الليل (الجزيرة)

مروان الجبوري-بغداد

رغم برودة الشتاء ولياليه الخالية من المارة، فإن مقاهي بغداد تستمر باستقبال زبائنها الذين يقصدونها لقضاء أمسيات سمر تمتد حتى ساعات الصباح الأولى أحيانا.

شباب وشيوخ يتجمعون للعب الورق والدومينو والطاولة، تدور فوق رؤوسهم أقداح الشاي ويتطاير حولهم دخان الأراجيل، في أجواء تبدو معزولة تماما عن الأزمات التي تحيط بهم.

في إحدى المقاهي الشعبية يجلس مؤيد خالد الشاب الثلاثيني الذي تخرج من كلية الهندسة بجامعة بغداد قبل بضعة أعوام، إلا أنه يئس من الحصول على وظيفة حكومية أو أهلية مرموقة، فقرر أن يتجه للعمل في بيع الملابس.

الشهادة معلقة
يقول للجزيرة نت إنه لم يستفد من دراسته شيئا سوى تلك الشهادة المعلقة في صالة الاستقبال بالبيت، وها هو يقضي ليله حتى الثالثة فجرا مع أصدقائه يحاولون قتل الوقت الذي يمر بطيئا، دون بارقة أمل بتغيير يذكر.

ويشاطره الرأي محمد حسن الذي يخوض معه نزالا مشتركا في لعبة الدومينو يتعالى معها ضجيج الحاضرين، ويشير إلى أنه قد تخرج من كلية الإعلام بالجامعة العراقية على أمل أن يعمل في إحدى القنوات التلفزيونية، إلا أنه لم يستطع لأنه لا يمتلك واسطة مؤثرة، على حد قوله.

 تستقبل هذه المقاهي فئات عمرية مختلفة من شباب وشيوخ (الجزيرة)

ساعات في المقهى
أما عمر ضياء (25 عاما) فيقول إنه يقضي يوميا ما بين ثلاث إلى أربع ساعات في إحدى المقاهي الراقية، حيث يلتقي بأصدقائه، معتبرا إياها وسيلة للتواصل مع الآخرين، ومكانا يمكن استثماره حتى في العمل، عبر التعرف على المزيد من المعارف والأشخاص، الذين يمكن ترتيب عمل معهم، وفق ما يرى.

وظائف وقروض
وساعد استتاب الوضع الأمني نسبيا في تزايد أعداد الذين يقصدون هذه المقاهي، لقضاء ساعات طويلة بعيدا عن صخب الحياة أو هربا من عجزهم عن إيجاد وظائف تناسبهم.

ووفقا للجهاز المركزي للإحصاء، فإن نسبة البطالة بين الشباب للفئة العمرية بين 15 إلى 29 سنة بلغت 22.6% لعام 2018، أما نسبة مشاركة الشباب في القوى العاملة فقد بلغت 36.1%.

باتت المقاهي في العراق تستقبل الزبائن حتى ساعات متأخرة من الليل (الجزيرة)

عاطلون عن العمل
ويقول مدير الإعلام بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية نجم العقابي إن أعداد المسجلين من العاطلين عن العمل منذ 2003 لدى الوزارة بلغت أكثر من 500 ألف شخص، وخاصة من الخريجين الراغبين بالحصول على فرصة عمل أو قرض.

وأضاف للجزيرة نت أن الوزارة تمنح كثيرا من الشباب العاطلين عن العمل قروضا صغيرة تتراوح بين 8 إلى 20 مليون دينار عراقي (ما بين 6660 إلى 16660 دولارا تقريبا) بنسبة فائدة لا تتجاوز 2%، وتسدد على مدى ثماني سنوات.

كما أن الوزارة أطلقت حملة تفتيشية على الشركات الأجنبية العاملة في العراق لفرض النسبة القانونية التي تحتم وجود 50% من العراقيين ضمن عامليها على الأقل، وشمولهم بالضمان الاجتماعي.

 العقابي: أعداد المسجلين لدى الوزارة من العاطلين عن العمل بلغت أكثر من 500 ألف شخص (الجزيرة)

الحماية الاجتماعية
وبحسب العقابي فإن 83 ألف أسرة تستلم رواتب من الوزارة، تتراوح بين 100 و345 ألف دينار شهريا (بين 80 إلى 290 دولار تقريبا)، بالإضافة إلى أن قانون الحماية الاجتماعية الجديد يخص جميع حالات الفقر بغض النظر عن العمر والفئة الاجتماعية، مما يعني شمول أعداد أكبر من الشباب المستفيدين به.

غير أن كثيرا من العراقيين يؤكدون أن الحصول على هذه القروض هو أمر صعب للغاية، ويحتاج إلى أشخاص متنفذين وشبكة علاقات داخل الوزارة، مما يجعلها عاجزة عن تلبية حاجة الملايين من الشباب العاطلين عن العمل.

البطالة مزدهرة
وتشير الأرقام الحكومية إلى أن عدد الذين يتخرجون من الجامعات العراقية كل عام يبلغ نحو 40 ألف شخص، يعاني معظمهم من صعوبات في الحصول على فرص عمل تتوافق مع تخصصاتهم.

كما أن الوظائف الحكومية لا تتسع لهم جميعا بسبب ترهل جسد الدولة العراقية بكثرة الموظفين، أما القطاع الخاص فما زال يعاني من ضعف القوانين والتشريعات التي تحمي حقوق العاملين فيه، مما يجعل سوق البطالة مزدهرة.

وترى الباحثة الاجتماعية نجلاء محمد أن اتجاه الشباب بهذه الأعداد الكبيرة إلى المقاهي يمثل حالة من اليأس والهرب من الواقع، بسبب حجم الإحباط الذي يتعرضون له باستمرار.

عراقيون يلعبون الدومينو ويدخنون الأرجيلة في أحد المقاهي (الجزيرة)

طاقات مهدرة
وتضيف أن هذه الطاقات المهدرة لساعات طويلة كان يمكن أن توظف في مشاريع ناجحة يستفيد منها العراقيون جميعا، إلا أن تحكم الفساد في مفاصل الدولة والمحاصصة الحزبية يحولان دون نجاحها.

وتلفت الباحثة إلى أن العراق يعاني من انعدام شبه كامل للمراكز الشبابية والرياضية، التي كان يمكن أن تكون الوجهة الأفضل لهؤلاء الشباب، بدلا من الجلوس في المقاهي والتدخين لساعات طويلة.

ممارسات خاطئة
ويقوم بعض أصحاب هذه المقاهي بعرض مباريات الفرق الأوربية للحاضرين، مما يشجع الكثيرين على التجمع لمشاهدتها مع أصدقائهم، ويكون ذلك عادة مصحوبا بممارسات ضارة كالتدخين والشجارات المستمرة.

وحذر باحثون اجتماعيون مؤخرا من تفشي ظاهرة تعاطي المخدرات في بعض المقاهي، وهذه الحالات ما زالت محدودة، خاصة في بغداد، التي تحتضن العدد الأكبر من هذه التجمعات.

المصدر : الجزيرة