دبلوماسية أميركا من دون دبلوماسيين

مايك بومبيو (يمين) زار كوريا الشمالية قبل اعتماد تعيينه وزيرا للخارجية الأميركية (رويترز)
مايك بومبيو (يمين) زار كوريا الشمالية قبل اعتماد تعيينه وزيرا للخارجية الأميركية (رويترز)

يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يعد بحاجة إلى وزارة الخارجية لرسم سياسة البلاد الخارجية. بعبارة أخرى لم تعد الدبلوماسية الأميركية هي المحرك في التصدي للقضايا الدولية، أو هكذا يرى خبراء عملوا ضمن فرق أُنيطت بها مهام سياسية في عدد من البؤر الساخنة في العالم.

فعندما يمم مايك بومبيو شطر كوريا الشمالية مؤخرا لإجراء مباحثات مع زعيمها كيم جونغ أون، لم يرافقه أحد من وزارة الخارجية. وللمفارقة فإن الرجل كان حينها لا يزال يشغل منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أي)، أي قبل موافقة مجلس الشيوخ على تعيينه وزيرا للخارجية.

وعلى الرغم من الطابع السياسي للرحلة، فإن واشنطن نعتتها سراً بالزيارة "غير الدبلوماسية".

ومن عجب فإنه لا يوجد سفير لإدارة ترمب في كوريا الشمالية، بل ولا حتى مساعد دائم لوزير الخارجية لشؤون شرق آسيا والمحيط الهادي، كما لم يكن في عهود الرؤساء السابقين ثمة ما يمثل وحدة للدبلوماسيين منوطاً بها رعاية وقيادة المفاوضات مع تلك الدولة الواقعة في شرق آسيا، بحسب صحيفة ذي أتلانتيك.

ومع ذلك فإن الصحيفة الأميركية ترى أن إمكانية عقد صفقة من نوع ما مع كوريا الشمالية تظل قائمة حتى من دون انخراط السلك الدبلوماسي المحترف فيها.

وفي القلب من مشكلة الإدارة الأميركية مع الدبلوماسية علاقة "غير متوازنة" بين الأطراف الرئيسية التي تشكل مصدر قوة الولايات المتحدة ألا وهي المؤسسة العسكرية وأجهزة المخابرات والدبلوماسيون المدنيون بوزارة الخارجية.

ونقلت الصحيفة عن رونان فارو -وهو كاتب حائز على جائزة بوليتزر الصحفية العالمية- أن ثمة سببا "يجعلنا نشكل حكوماتنا وفق آلية الضوابط والتوازنات، ونبني أجهزتنا المختلفة على أسس قائمة على مصالح ومجالات خبرة مختلفة".

يقول فارو في كتابه تحت عنوان "الحرب على السلام.. نهاية الدبلوماسية وانحسار النفوذ الأميركي"، "عندما تعمل تلك الأجهزة في تناغم فإنها تفرز عملية سياسية فعالة. أما اليوم، فعندما يُترك كل شيء في يد المؤسسة العسكرية وأجهزة المخابرات لتديره فإن الناتج سيكون خسران شيء ما".   

ويرى فارو- الذي قضى بواكير حياته العملية بوصفه أحد الدبلوماسيين المتمرسين الذين لم تعد إدارة ترمب تعيرهم أهمية- أن رحلة بومبيو إلى بيونغ يانغ خير دليل وتَجَلٍّ لتلك المشكلة.

ويمضي إلى القول إن العسكريين ومسولي الاستخبارات هم من قادوا الولايات المتحدة المرة تلو الأخرى إلى إبرام صفقات "تكتيكية" مع حكومات أجنبية "بغيضة" أو أطراف أخرى محلية ساهمت لاحقاً في الإضرار بالمصالح الأميركية.

أداء الحكومات يكون سيئاً عندما يوكل الأمر برمته إلى نزوات قادتها. ولعل أحد الأمثلة على ذلك "الصفعة الدبلوماسية" التي شملت الاتفاق النووي مع إيران. أما المثال الآخر فهو اللبس الذي أحدثته واشنطن بدخولها في اتفاق باريس للمناخ ثم الخروج منه بعد ذلك

إن صورة السياسة الخارجية الأميركية الناجمة عن ذلك تبدو أشد إحباطا وأحيانا أكثر مدعاة للتفاؤل. فهي أشد إحباطا لأن تراجع الدبلوماسية الأميركية سبق كثيرا إدارة ترمب، وكونها مدعاة للتفاؤل لأنها تكشف إلى أي مدى تصرف الرؤساء السابقون لكبح جماح ذلك التراجع.

وذكرت ذي أتلانتيك أن أوضح مثال على سياسة خارجية تفتقر إلى العمق الدبلوماسي الحربُ في أفغانستان حيث آثرت الولايات المتحدة الاعتماد على شركاء محليين -معظمهم أمراء حرب- لتولي أغلب مهام القتال. وضربت الصحيفة مثلا بعبد الرشيد دوستم نائب الرئيس الأفغاني الحالي والذي قالت إنه اعترف بارتكابه جرائم حرب بقتله سجناء في أعقاب الغزو الأميركي لبلاده.

وهناك علاقة أميركا بباكستان المنطوية على مشاكل معقدة مماثلة. فالمؤسسة العسكرية وأجهزة المخابرات قد تعقد صفقت مع قادة باكستانيين في السر، لكن كل طرف من الأطراف يدرك أن الآخر سيقول شيئا مخالفاً في العلن.

وأشارت الصحيفة إلى أن مثل هذا التعامل أفضى إلى أن تسعى الولايات المتحدة إلى إبرام اتفاقيات "تكتيكية" على حساب مصالحها القائمة على احترام الحقوق واستقرار الحكومة الباكستانية.

وفيما يتعلق بإيران، تبنت إدارة الرئيس باراك أوباما إستراتيجية تجنبت فيها الاعتماد على الجنرالات، وتجلت فيها الدبلوماسية في أبهى صورها، حسب رأي الصحيفة.

وخلصت ذي أتلانتيك إلى أن أداء الحكومات يكون سيئاً عندما يوكل الأمر برمته إلى نزوات قادتها. ولعل أحد الأمثلة على ذلك "الصفعة الدبلوماسية" التي شملت الاتفاق النووي مع إيران. أما المثال الآخر فهو اللبس الذي أحدثته واشنطن بدخولها في اتفاق باريس للمناخ ثم الخروج منه بعد ذلك.

وأوضحت الصحيفة أن الإدارة الأميركية تخلو من الدبلوماسيين المتمرسين، ذلك أن كبار موظفي الخارجية لم يعودوا يعملون لمدد طويلة كما كان الشأن مع من سبقوهم، وحل محلهم صغار الموظفين الذين باتوا يشغلون مواقع كانت في السابق حكرا على من هم أكثر خبرة وتمرسا.

ولا يقتصر ذلك على رئاسة ترمب وحدها التي لم ترشح حتى الآن سفراء لشغل عشرات الوظائف، بل كانت تلك هي الحال قبلها. فقد وجد ترمب صرح الدبلوماسية يتهاوى، وبدلاً من أن يعيد بناءه ركل الركائز التي كان يقوم عليها فأسقطها، على حد تعبير ذي أتلانتيك.

المصدر : الصحافة الأميركية