الأتراك لا يعتبرون قبرص عقبة لكنهم لا يأمنون الأوروبيين

الأتراك لا يستبعدون أن يخدعهم الأوروبيون مرة أخرى كما فعلوا بمباحثات كوبنهاغن (رويترز)

رانيا الزعبي

رغم الاتفاق التاريخي الذي أبرمته تركيا أمس مع الاتحاد الأوروبي لبدء محادثات انضمامها إليه، فإن سعادة الأتراك بهذا الإنجاز الذي سعوا إليه منذ 40 عاما لم تكتمل، وذلك ليس بسبب التنازلات التي قدموها لغاية الآن فحسب، وإنما لأن كل هذه التنازلات قد لا تؤدي بتركيا وفي نهاية مفاوضات قد تمتد لـ 15 عاما للحصول على عضوية كاملة بالمنظمة الأوروبية.

ورغم محاولة المسؤولين الأتراك التقليل من أهمية حجم التنازلات التي قدموها للحصول على الدعوة الأوروبية لبدء مفاوضات الانضمام، فإنهم لا يستطيعون أن ينكروا بأنهم قدموا تنازلات، وهذا ما ألمح إليه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان عندما أكد أن أنقرة نجحت بمباحثات بروكسل لكنها لم تحقق انتصارا.

ويرى الباحث والدبلوماسي التركي الدكتور جنكيز كتنة أن الاعتراف التركي بقبرص هو تنازل لا يستهان به حتى لو كان مجرد اعتراف ضمني، كما أكد أن موافقة تركيا على الشرط الأوروبي بتقييد حرية حركة العمال الأتراك داخل الحدود الأوروبية في حالة حصول الانضمام هو تنازل كبير أيضا، وهو الشرط الذي وضعته الدول الأوروبية بسبب تخوفها من زيادة المسلمين في أوساطها.

وأشار كتنة في مقابلة هاتفية مع الجزيرة نت إلى أن قبول تركيا أن تكون المفاوضات بشأن انضمامها مفتوحة وليست مضمونة النتائج، أو أن يترك حسم هذه القضية للشعوب الأوروبية من خلال الاستفتاءات العامة، أو أن ترفض العضوية لمجرد رفض أي من دول الاتحاد الـ 25 قبول تركيا، هو تنازل "خطير جدا".

القبارصة اليونانيون هم الذين أفشلوا جهود أنان (رويترز-أرشيف)
ليست قبرص
ويؤكد المراقبون أن أغلبية الأتراك يريدون الانضمام للاتحاد الأوروبي، نظرا للفوائد الاقتصادية والسياسية الجمة التي سينالونها، لكن الأغلبية الساحقة من الشعب التركي تعتقد أن الاتحاد الأوروبي لن يوافق بالنهاية على حصول تركيا على العضوية الكاملة مهما بذلت من جهود أو قدمت من تنازلات.

ويشير المراقبون في هذا الصدد إلى تأكيد القادة الأوروبيين أمس أنه في حالة عدم حصول تركيا على هذه العضوية فإنهم سيقيمون معها شكلا جيدا ووثيقا من العلاقات.

ومع أن الأتراك يؤكدون أنهم لم يعترفوا رسميا بقبرص لغاية الآن، إلا أنهم يؤكدون أنهم على استعداد للاعتراف بها سياسيا مستقبلا، مقابل حصولهم على العضوية، وشريطة أن لا يكون هناك إجحاف بحق أنقرة أو حقوق القبارصة الأتراك وذلك وفقا لتأكيدات أردوغان أمس.

ولا يستبعد المحللون أن تجد المسألة القبرصية طريقها للحل السياسي في أقرب وقت، وفي هذا الصدد يؤكد المحلل كمال بياتلي أن وجود الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان بقمة بروكسل لم يكن من قبيل الصدفة، خاصة أنه أبدى استعداده لإعادة بذل الجهود من أجل حل هذه القضية، التي نفض عنها يده بعد رفض أطراف النزاع لتسوية تقدم بها الصيف الماضي.

ويتفق بياتلي مع الكتنة على أن الاتحاد الأوروبي سوف يضغط هذه المرة على القبارصة من أجل قبول التوصل إلى تسوية مع الشطر التركي من الجزيرة، خاصة أن دول الاتحاد حملت القبارصة اليونانيين مسؤولية فشل جهود أنان في المرة الأولى.

ومع أن المراقبين يرون أن قبرص لن تكون عقبة في وجه انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، بالأخذ في الاعتبار نية أنقرة لتقديم تنازل في هذه القضية "الوطنية"، فإنهم يؤكدون أن إنهاء المسألة القبرصية لن يكون جواز السفر لعبور تركيا للاتحاد، فالدول الأوروبية لن تعدم عقبات جديدة لوضعها في طريق العربة التركية، ولعل هذا يتفق مع تأكيدات أردوغان بأن الأوروبيين زادوا شروطا لم تكن موجودة في معايير كوبنهاغن التي وضعت عام 2002 والتي التزمت بها تركيا بالكامل.

المسألة الكردية إحدى أهم العقبات التي تواجه الحلم التركي (الفرنسية-أرشيف)
شروط تعجيزية 
يرى البياتلي أن العقبات الأوروبية بدأت توضع من الآن بوجه تركيا، ويلخص هذه العقبات بمطالبة تركيا الاعتراف بما يسمى بالمذابح الأرمنية، بحجة "إنعاش ذاكرة الشعوب، والتصالح مع التاريخ".

لكن تركيا ترفض هذا الطلب بشكل كامل، ومع أنها لا تنفي حدوث انتهاكات وقعت بحق الأرمن بداية القرن الماضي، فإنها تشكك بأرقام القتلى الأرمن، وتؤكد أن هذه الانتهاكات جاءت ردا على تعاون الأرمن مع الروس ضد الأتراك خلال الحرب العالمية الأولى، وارتكابهم مجازر بحق آلاف الأتراك.

وبدلا من الاعتراف بالمجازر تطالب تركيا بتشكيل لجنة تحقيق دولية تتكون من مؤرخين ومستشرقين للتأكد من حقيقة ما جرى أولا، لكن الأرمن يرفضون هذا الطرح.

كما أن تركيا ترفض الطلب الأوروبي المدعوم أميركيا بإعطاء صفة العالمية للبطريركية الأرثوذكسية الموجودة في إسطنبول، ويقول كتنة إن هذا يتعارض مع اتفاقية لوزان التي أسست عليها الجمهورية التركية.

ويوضح البياتلي للجزيرة نت أن عدد الروم الأرثوذكس الموجودين حاليا في إسطنبول لا يزيد عن 2500 شخص، في حين أن 80% من الأرثوذكس بالعالم موجودون في روسيا، معتبرا أن أميركا وأوروبا تريدان إسقاط صفة العالمية عن البطريركية الرومانية في روسيا لأسباب سياسية، وإلصاقها بالبطريركية الموجودة في إسطنبول، ليجعلوا منها "فاتيكان أخرى" لطوائف الأرثوذكسية، الأمر الذي سيجلب مشاكل سياسية كبرى لتركيا.

وإضافة إلى ذلك لا يستبعد المراقبون أن يجعل الأوروبيون من قضية الأكراد مدخلا آخر لإعاقة انضمام تركيا للاتحاد، رغم كل الحقوق الثقافية والسياسية التي منحتها تركيا للأكراد مؤخرا، ويتوقع بعض المراقبين أن تطالب أوروبا بمنح حكم ذاتي للأكراد كشرط تعجيزي أمام دخولها التكتل الأوروبي.
__________________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة