المهاجرون شمالي اليونان..ولعبة القط والفأر

مهاجرون في سالونيك ينتظرون فرصة العبور إلى الشمال بواسطة المهربين (دويتشه)
مهاجرون في سالونيك ينتظرون فرصة العبور إلى الشمال بواسطة المهربين (دويتشه)


أمام محل لبيع وجبات الكباب السريعة بالقرب من محطة القطار الرئيسية في مدينة سالونيك الواقعة شمالي اليونان، تجمع حشد من اللاجئين لتعبئة بطاريات هواتفهم النقالة، وشرب الشاي. كلهم يعرفون هذا المحل الذي تطور في السنتين الأخيرتين ليصبح نقطة لقاء للاجئين الذين يعتزمون مواصلة رحلتهم إلى شمال أوروبا وعبور ما يسمى طريق البلقان.

تقدم صاحبة المحل إفانغيليا كرانيكولاس للذين يبيتون في المنازل المجاورة المهجورة، والذين ينامون في ساحة محطة القطار، إمكانية تعبئة هواتفهم النقالة مجانا. كما أنها تقدم وجبات مجانية للمحتاجين، ومكان دافئا لبعض العائلات لاسيما في الليالي الباردة، لذا فقد باتت معروفة بلقب "مامي".

عايشت إفانغيليا ظروفا متقلبة خلال السنتين الأخيرتين. فقد شهدت منتصف عام 2015 فتح الحدود الشمالية ثم إغلاقها بداية العام الجاري. وحتى لو أن عدد الوافدين تراجع مقارنة مع صيف 2015، إلا أن العدد ما يزال مرتفعا.

تقول "كيفما كان الوضع، فإن اللاجئين سيجدون دوما منفذا لمواصلة طريقهم". بعض المهاجرين المتجمعين أمام محل الوجبات السريعة يؤكدون هذا الكلام، مشيرين إلى أنهم يخططون لمغادرة اليونان انطلاقا من حدودها الشمالية للوصول إلى أوروبا الوسطى.

هندام مرتب
ومن يقضي اليوم هناك يمكنه مراقب الحركة والذهاب والإياب إلى محل الأكلات السريعة، حيث لا يمكن مشاهدة مجموعات اللاجئين فقط، بل أيضا رجال يثيرون الانتباه بسبب هندامهم المرتب. أحدهم يقدم نفسه كسائح. وبلكنته اللندنية القوية يؤكد أنه جاء إلى محل الأكلات السريعة لمقابلة بعض الأفغان. بعد ساعات قليلة نشاهده فجأة بالقرب من بناية مهجورة يتحدث إلى عائلة أفغانية نصبت خيمتها للمبيت هناك. ويقول لاجئون آخرون إن العائلة حاولت قبل أيام عبور الحدود، غير أن الشرطة ضبطتها وأعادتها.

محل شاورما إفانغيليا كرانيكولاس حيث الاعتناء باللاجئين (دويتشه)

يصف شرطي يوناني من وحدة مكافحة تهريب البشر في سالونيك الوضع قائلا "أعتقد أن تهريب البشر يزداد" ويؤكد أن الحدود اليونانية شهدت بعض الهدوء بعد إغلاقها، ما أتاح للمهربين ترقب تطور الأوضاع، مضيفا أنه في الأسابيع الأخيرة زاد ت نسبة الاعتقالات بسبب تهريب البشر. ويزيد "هناك منظمات ناشطة وهناك أشخاص يريدون عبور الحدود. إنها ببساطة قضية عرض وطلب".

ولا يُعرف العدد الحقيقي للأشخاص الذين يتم تهريبهم عبر الحدود اليونانية. وقد نقل مقال لصحيفة وول ستريت جورنال عن موظفين تابعين لإدارة الهجرة الأوروبية أن نحو 13000 لاجئ ومهاجر مسجل في اليونان لكنهم مجهولو الإقامة. وذكر موظفون رسميون يونانيون وأوروبيون للصحيفة أيضا أن نحو خمسمئة شخص يُهربون أسبوعيا عبر الحدود الشمالية. لكن خبراء يؤكدون أن هذه الأعداد تعكس أرقاما تقديرية فقط.

وتفيد الشرطة بأن المهربين يطلبون ما بين ثمانمئة و1300 يورو لنقل مهاجر من سالونيك إلى العاصمة الصربية بلغراد. ومن أجل الانتقال من هناك إلى ألمانيا يجب دفع 1500 يورو إضافية. وفي غالب الحالات لا يتم دفع الأموال مباشرة من قبل المهاجرين، بل من قبل عائلاتهم التي تعيش في الغالب مشتتة في العديد من البلدان.

المهربون يستفيدون
هذه الأسعار لا تعكس الطلب القوي على المهربين فقط، بل تعكس أيضا صعوبة عبور الحدود. فالأسعار ارتفعت بعد إغلاق الحدود. والمهربون يستفيدون من الإغلاق. وقال الشرطي اليوناني "إنهم احتفلوا على كل حال بذلك، وعلمنا من مخبرين أن الكثيرين منهم سرهم إغلاق الحدود".

وتقول الشرطة إن عصابات التهريب هي عبارة عن شبكات إجرامية. وفي حال ما تعرضت لضربة من الشرطة، فإنها تتراجع لبعض الوقت لتستأنف نشاطها، فهي لا تتوقف أبدا عن العمل.

هذا ما أكدته أيضا خبيرة شؤون الهجرة أنجيليكي دميتريادي من العاصمة أثينا قائلة إنه سيوجد دوما طريق نحو أوروبا، وإنه لا يمكن تشييد "حصن أوروبا" بشكل لا يمكن دخوله بصفة غير قانونية.

وأشارت دميتريادي إلى أن السبيل الوحيد لمعالجة مشكلة تهريب البشر هو البحث عن ممرات قانونية لعبور الحدود، لكي لا يكون اللاجئون مجبرين على تكليف مهربين بتنظيم مهمة العبور.

وعلى الجانب السياسي، ليست هناك مؤشرات في الأفق تدل على فتح طريق قانوني عبر الحدود الشمالية اليونانية، وعليه ستستمر لعبة القط والفأر بين الشرطة والمهربين، ولكن اللاجئين يبقون وسط هذه اللعبة.

المصدر : دويتشه فيلله