جرائم عسكر ميانمار أمام القضاء الألماني

قبل أيام من حلول الذكرى الثانية للانقلاب العسكري في ميانمار تلقى القضاء الألماني شكوى قضائية ضد جنرالات جيش هذه الدولة الواقعة جنوب شرق آسيا تتهمهم بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بعد الانقلاب في مطلع فبراير/شباط 2021، وما سبقه من جرائم تطهير عرقي بحق مسلمي الروهينغا في عام 2017.

والشكوى هي الأحدث من نوعها، ضمن الشكاوى التي تسعى إلى استخدام مبدأ "الولاية القضائية العالمية" لتقديم جنرالات جيش ميانمار إلى العدالة، واتخاذ إجراءات قانونية بموجب هذه الولاية.

وتقدمت بالشكوى منظمة "فورتفاي رايتس" (Fortify Rights) لحقوق الإنسان وتعني "حصن الحقوق" إلى جانب 16 شخصا من ميانمار، يشكلون شريحة تمثيلية لسكان البلد المتنوعين عرقيا، وما يقرب من نصفهم من الناجين من عمليات التطهير العرقي التي قادها جيش ميانمار في ولاية راخين في عامي 2016 و2017 بحق مسلمي الروهينغا، والبقية هم ناجون وشهود على الفظائع التي ارتكبها الجيش منذ الانقلاب.

ووفقا لمنظمة "حصن الحقوق" تقع الشكوى في 215 صفحة، وتعتمد على أكثر من ألف مقابلة أجرتها المنظمة الحقوقية منذ عام 2013، وعلى سجلات جيش ميانمار المسربة.

وجاء في الشكوى أن جيش ميانمار "قتل بشكل منهجي، واغتصب وعذب وسجن، وأخفى واضطهد وارتكب أفعالا أخرى ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في انتهاك للقانون الألماني، والقانون الدولي".

وقال عضو مجلس إدارة المنظمة الحقوقية نيكي دياموند، "نسعى لتحقيق العدالة في جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي ارتكبها الجيش وقادته في ميانمار، ونثق في أن ألمانيا ستفتح تحقيقا".

أما الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك للمنظمة الحقوقية ماثيو سميث فقال "إن جبهة متنوعة عرقيا وموحدة من الناجين من جميع أنحاء ميانمار ترفع هذه القضية للسعي لتحقيق العدالة والمساءلة". مضيفا أنه "على الرغم من الاهتمام الدولي والعديد من مبادرات المساءلة المستمرة، لا يزال جيش ميانمار يتمتع بإفلات كامل من العقاب، ويجب أن ينتهي ذلك".

وأوضح في مؤتمر صحفي عقده اليوم الثلاثاء في العاصمة التايلندية بانكوك أن الشكوى "تم تقديمها في ألمانيا بسبب قوانين الولاية القضائية العالمية، والتي تسمح بمحاكمة بعض الجرائم الخطيرة بغض النظر عن مكان ارتكابها".

وقال سميث "ألمانيا في وضع فريد للمساعدة في إحباط الإفلات من العقاب في ميانمار"، مؤكدا أن الهدف الأساسي للمنظمة هو أن يفتح المدعي العام الاتحادي الألماني تحقيقا، ويجمع الأدلة ويحفظها من أجل الملاحقات القضائية، ويصدر أوامر اعتقال ضد المسؤولين عن الجرائم المرتكبة في ميانمار.

وذكر أن المدعين الألمان يُجرون حاليا أكثر من 100 تحقيق في جرائم دولية تتعلق بدول وسياقات أخرى، مشيرا إلى أن المحاكم الألمانية استمعت أيضا إلى قضايا تتعلق بالتعذيب في السجون السورية وكذلك الجرائم التي ارتكبها عناصر تنظيم الدولة الإسلامية، بما في ذلك ضد المجتمع الإيزيدي في العراق، مؤكدا أنه "لا ينبغي لأعضاء المجلس العسكري في ميانمار أن يشعروا بالأمان من العدالة في هذا العالم، ويجب محاسبتهم".

وتضم الشكوى الجنائية أكثر من ألف صفحة من الملاحق التي تقدم أدلة على الادعاءات الواردة فيها، وموجودة حاليا في ملف لدى المدعي العام الألماني ولم يتم الإعلان عنها، لكن مكتب المدعي العام الاتحادي في ألمانيا رفض التعليق على الشكوى، فقبل أن تصل القضية إلى المحكمة، يتعين على المكتب اتخاذ قرار بشأن تقديم لائحة اتهام.

جرائم جيش ميانمار بحق مسلمي الروهينغا خلّفت مئات الآلاف من اللاجئين فضلا عن جرائم تطهير عرقي ارتكبها بحقهم (رويترز ـ أرشيف)

شهادات

ومن بين المشاركين في رفع الشكوى القضائية نيكي دايموند، المقيم حاليا في ألمانيا، ويقول "نحن نثق في أن ألمانيا ستفتح تحقيقا وتسعى لتحقيق العدالة في جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي ارتكبها الجيش وقادته في ميانمار، فهذا هو الوقت المناسب لوضع حد للإفلات من العقاب وضمان عدم إفلات الجناة العسكريين وغيرهم من جرائمهم".

ومن بين الأشخاص الآخرين في القضية امرأة من الروهينغا تبلغ من العمر 51 عاما اتهمت قوات الأمن بقتل 7 من أفراد عائلتها خلال حملة القمع عام 2017. وقد قالت إنها سمعت أفرادا تحت سيطرة الجيش يغتصبون زوجة ابنها، بينما كانت قوات الأمن تضربها في غرفة مجاورة. كما أفادت بأنها شاهدت أكواما من جثث المدنيين الروهينغا في قريتها، كما شاهدت الجنود وهم يطعنون ويضربون ويقتلون العديد من رجال وأطفال الروهينغا.

وخلصت إلى القول إن "حكومة ميانمار وجيشها يحاولان إبادة مجتمع الروهينغا منذ 50 عاما، وبصفتي امرأة من الروهينغا، أريد العدالة بحق مرتكبي الإبادة الجماعية حتى لا تحدث مرة أخرى".

من جانبها اتهمت سيدة اكتفت بذكر الحرفين الأولين من اسمها -وهي أم لـ3 أطفال تبلغ من العمر 35 عاما- الجيش بإخفاء زوجها قسرا في عام 2021. وقالت المرأة -وهي من عرقية تشين- "ما زلت غاضبة من جنود طغمة ميانمار. إنهم لا يفكرون فينا كأشخاص ويعاملوننا مثل الحيوانات".

منظر جوي لإحدى قرى الروهينغا في ولاية راخين وقد أصبحت أثرا بعد عين بعد أن حرقها جيش ميانمار (رويترزـ أرشيف)

الولاية القضائية العالمية

ويجري بالفعل تحقيق بشأن تصرفات جنرالات ميانمار في محكمة العدل الدولية، في حين أن قضية الإبادة الجماعية معروضة على المحكمة الجنائية الدولية. كما رفع نشطاء حقوقيون قضايا أمام المحاكم الوطنية في الأرجنتين، وتركيا وإندونيسيا. وقالت منظمة "حصن الحقوق" إنها اضطرت لطلب المساعدة الألمانية بسبب رفض مجلس الأمن الدولي إحالة جيش ميانمار إلى المحكمة الجنائية الدولية.

ونظرا للاستجابة الدولية غير الفعالة تجاه الانقلاب وحملة الإرهاب التي يشنها المجلس العسكري في ميانمار اتخذ نشطاء حقوق الإنسان أساليب قانونية جديدة لتقديم الجنرالات البارزين إلى العدالة بما فيها مبدأ "الولاية القضائية العالمية".

وتوضح منظمة "هيومن رايتس ووتش" أن هذا المبدأ يؤكد أن "لكل دولة مصلحة في تقديم مرتكبي جرائم معينة ذات اهتمام دولي إلى العدالة، بغض النظر عن مكان ارتكاب الجريمة. وبغض النظر عن جنسية الجناة أو ضحاياهم".

والشكوى التي قُدّمت أمام القضاء الألماني بموجب هذا المبدأ ليست الأولى التي يقدمها النشطاء لاستخدام الولاية القضائية العالمية لتقديم الانقلابيين البارزين إلى العدالة.

وفي أواخر عام 2019، رفعت منظمات حقوقية من أميركا اللاتينية شكوى جنائية في الأرجنتين تطلب فيها إجراء تحقيق مع قادة جيش ميانمار على الجرائم المرتكبة في ولاية راخين، وقبلت محكمة أرجنتينية الشكوى في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2021. ومنذ ذلك الحين تم رفع قضايا أخرى في تركيا وإندونيسيا.

يذكر أن الولاية القضائية العالمية أعلنت نفسها على أنها طريقة جادة للإنصاف، عندما ألقت الشرطة البريطانية القبض على دكتاتور تشيلي السابق، الجنرال أوغستو بينوشيه في أكتوبر/تشرين الأول 1998، بينما كان في رحلة إلى العاصمة البريطانية.

وجاء توقيف بينوشيه من قبل الشرطة البريطانية بناء على مذكرة اعتقال إسبانية تتهمه بارتكاب فظائع بعد انقلاب سبتمبر/أيلول 1973. ورفضت محكمة بريطانية في وقت لاحق ادعاء بينوشيه بأنه يستحق الحصانة وقضت بإمكانية تسليمه إلى إسبانيا لمحاكمته.

وفي النهاية، حُكم على بينوشيه بأنه غير لائق للمحاكمة بسبب العجز العقلي وتم إطلاق سراحه، لكن بالنسبة لمناصري مبدأ الولاية القضائية العالمية، نُظر إلى القضية على أنها يمكن أن تعمل كآلية ذات مغزى للمساءلة الدولية.

ومن غير المرجح أن يتكرر هذا الأمر في حالة ميانمار على المدى القصير، ولكن هذا لا يعني أن الأمر لا يستحق الجهد المبذول، ذلك لأن تراكم القضايا القانونية الأجنبية سيجعل الحياة أكثر صعوبة بالنسبة لقائد الانقلاب في ميانمار الجنرال مين أونغ هلاينغ ورفاقه. وقد يقترب اليوم الذي يواجهون فيه نوعا من المساءلة في نهاية المطاف.

المصدر : الجزيرة + وكالات