تراجع تنفيذها عام 2021.. ما علاقة عقوبة الإعدام بـ "ثقافة الانتقام" في العراق؟

وصلت بعض عقوبات الإعدام في العراق إلى حد الانتقام الطائفي والقومي– رويترز
أغلب عمليات الإعدام في العراق ارتبطت مؤخرا بقضايا انتقام حسب معارضين (رويترز)

سجل العراق انخفاض تنفيذ الإعدامات خلال عام 2021 رغم اكتظاظ سجونه بأكثر من 8 آلاف محكوم بالإعدام، إذ حلت بغداد في المرتبة الخامسة عربيا وفق تقرير منظمة العفو الدولية.

وأكدت هذه المنظمة الدولية -في تقريرها الصادر في 24 مايو/أيار الماضي- انخفاض عمليات الإعدام المسجلة في العراق بأكثر من النصف، ورجحت ارتباط ذلك بتباطؤ الموافقات التنفيذية على أحكام الإعدام بسبب الاضطرابات السياسية التي شهدتها البلاد.

تراجع الإعدامات

ويرى الباحث السياسي الدكتور غالب الدعمي أن قضية الإعدامات لاسيما السياسية "تضع العراق في جانب مرتبك في حقوق الإنسان" كما يشعر المكون الذي يتم إعدام أبنائه بأنه مستهدف ولا ينظر إلى الجريمة أو الجناية التي ارتكبها المحكوم.

ويضيف للجزيرة نت أنه مثلما كان يحدث زمن صدام حسين عندما كان يعدم أي شخص، يكون هناك تعاطف معه، كذلك الأمر الآن في بعض المناطق وتحديدا الغربية، حيث ينظر الكثير لحالات الإعدام بشيء من الريبة.

ويعزو الدعمي أسباب انخفاض عمليات الإعدام إلى إدارة حكومة مصطفى الكاظمي لملف حقوق الإنسان والاهتمام به، فضلا عن انتهاء العمليات الإرهابية، لكون أغلب عمليات الإعدام ترتبط بالإرهابيين الذين يتم اعتقالهم، وهناك أيضا جرائم جنائية كبيرة تحدث في كل مناطق العراق، لكن القضايا الجنائية لا يتم الاهتمام بها شعبيا لكونها تتعلق بجرائم قتل وغيرها.

الباحث غالب الدعمي
 غالب الدعمي: قضية الإعدامات لاسيما السياسية تضع العراق في جانب مرتبك في حقوق الإنسان (الجزيرة)

دور الحقوقيين

ويقول المدير التنفيذي لمركز جنيف الدولي للعدالة ناجي حرج "منذ الأيام الأولى للغزو الأميركي ارتكبت قوات الاحتلال جرائم بشعة، وفتحت الأبواب أمام العصابات والمليشيات لتقوم بعمليات إعدام واسعة النطاق، تنفيذا لأجندات خارجية ولمخطط كان قد وضع قبل الغزو".

ويؤكد أهمية دور الحقوقيين في تسليط الضوء على هذه الجرائم، ومحاولة توثيق كل الظروف المحيطة بها، وكل ما يستدل منه على الجهات المنفذة لها، ثم السعي لمحاكمتها وتحقيق العدالة للضحايا، معربا عن أسفه لكون تحقيق العدالة غدا شبه مستحيل بسبب عدم إمكانية محاسبة المتهمين بالانتهاكات في المحاكم العراقية.

ويعتقد حرج في حديث للجزيرة نت أن "النظام القضائي العراقي لا يطبق أيا من المعايير الدولية التي قد تقود إلى المحاسبة ثم تحقيق العدالة للضحايا، كما أنه بصورة عامة يفتقد إلى الاستقلالية اللازمة عن السلطة التنفيذية لتأدية مهمته على أفضل وجه".

ويتابع "لذلك لا يبقَى أمام الحقوقيين العراقيين، والمنظمات الحقوقية العراقية والدولية، إلا الاستمرار بعرض هذه الانتهاكات والجرائم على أوسع نطاق والمطالبة بمحاكمة مرتكبيها دوليا بعد تعذر محاكمتهم في المحاكم الوطنية العراقية".

ويؤكد مدير مركز جنيف بأن السلطات العراقية لم تتخذ أية إجراءات للحد من ظاهرة الإعدامات الجماعية، لكن المناخ العام قد تغير بعد انتخابات مجلس النواب في أكتوبر/تشرين الأول 2021، وحدثت أولويات مختلفة لهذه المليشيات تتلخص في الضغط على الأطراف الداخلة بعملية المحاصصة الطائفية للحصول على مقاعد أكثر، ولذلك قللت من حملاتها ضد المناطق والمدن التي كانت غالبا ما تستهدفها لتنفيذ أجندتها الطائفية، وفق حرج.

ويعرب عن خشيته من أن تلك المليشيات قد تعود لتلك السياسة بعد أن تحسم موضوع سيطرتها على رئاسة الوزراء والمفاصل المهمة، خاصة بعد ما جرى من تصويت على نواب بدلاء لنواب الكتلة الصدرية بالبرلمان.

العقابي: الإعدامات مرتبطة بجرائم إرهابية أو جنائية وليس لها علاقة بالبعد الطائفي - الصحافة العراقية
العقابي: الإعدامات مرتبطة بجرائم إرهابية أو جنائية وليس لها علاقة بالبعد الطائفي (الصحافة العراقية)

إعدامات مؤجلة

وفي الجانب المقابل، يقول عضو اللجنة القانونية النيابية السابق حسين العقابي إنهم وجهوا انتقادات شديدة لرئيس الجمهورية بسبب تأخير المصادقة على أحكام الإعدام "وهذا يعطي الإرهابيين مساحة للأمان، ويجعلهم ينتظرون تسوية سياسية وإصدار قانون للعفو عنهم".

ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن "العراق يختلف في وضعه بسبب الإرهاب الذي كان حاضرا بآلاف الأشخاص الملطخة أياديهم بإبادة الشعب العراقي منذ عام 2003 وما زالت مستمرة، حيث شهدت البلاد أكثر من 70 ألف عملية تفجير، لذا فارتفاع معدلات الإعدام شيء طبيعي".

ويرى العقابي أن هذه الإعدامات ليس لها علاقة بالبعد الطائفي، بل هي مرتبطة بجرائم إرهابية أو جنائية قد ترتبط بأعمال ثأر وانتقام وصراعات عشائرية، وغير ذلك من الجرائم المندرجة تحت المادة 406 من قانون العقوبات.

وحول الإعدامات الناجمة عن اعترافات تحت التعذيب، يقول العقابي إنه لا يستطيع تأكيد أو نفي ذلك، لكنه أمر مرفوض، وعلى الجميع الوقوف ضده.

المكدام يرى بأن مستقبل عقوبة الإعدام في العراق يرتبط بنوع النظام السياسي - الجزيرة نت
المكدام يرى أن مستقبل عقوبة الإعدام في العراق يرتبط بنوع النظام السياسي (الجزيرة)

ثقافة الانتقام

من جانبه يرى مدير مركز مستقبل العراق لدعم الديمقراطية علي المكدام أن ازدياد أحكام الإعدام تشير إلى وجود احتقان سياسي بين الأطراف المتنازعة، وفوضى القرارات القانونية المتعلقة بالمتهمين "وهذا يتنافى مع العهود والمواثيق التي أبرم عليها العراق مع الأمم المتحدة" حيث تشير الكثير من الأحكام لتهمة الإرهاب دون وجود دلائل قاطعة "وهذا يعتبر إخفاقا قانونيا يحتاج إلى إعادة النظر في مسألته من الناحية القضائية".

ويوضح أن الدول الديمقراطية لا تميل إلى الإعدام إلا في حالات نادرة، كي تحافظ على معايير عالية لحقوق الإنسان حتى في أشد الحالات، لكن يبدو أن الحكومات المتعاقبة بالعراق مارست الانتهاكات الوحشية بتصفية كل من يعترض على أدائها، أو يكشف عن الفساد والمحسوبية، ومارست تلك الحكومات أساليب الإعدام بين منافسيها.

ويشير المكدام -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن ذلك أدى بدوره إلى انتشار ثقافة الانتقام بين الأطراف الحاكمة، والذي كان له أثر مؤلم على الشعب وصل لحد الانتقام الطائفي والقومي في كثير من المناطق.

ويشدد على ضرورة إعادة النظر بعقوبة الإعدام التي لا يمكن التراجع عنها بمجرد تنفيذها، فمثلا لو تبين براءة متهم ما بالقتل بعد إعدامه لا يمكن إعادته للحياة، ولهذا فإن عدم اكتمال الأدلة لدى القاضي يسقط الحد عن المذنب إلى التعزير أو البراءة.

ويبيّن المكدام أهمية منح فترة زمنية لتقييم سلوكيات وأفكار الموقوفين والمحكومين بالإعدام، وإدخالهم في برامج توعوية، لضمان عدم عودتهم للإجرام، فإذا التزم الموقوف يتم إعادة النظر في حكمه، وإذا أصر على فعله يأخذ القضاء مجراه كما تنص عليه قوانين العقوبات.

ويرجح مدير مركز دعم الديمقراطية أن مستقبل عقوبة الإعدام بالعراق يرتبط بنوع النظام السياسي، وعليه فإن استقرار الوضع السياسي مرتبط بشكل وثيق بنزاهة القضاء وعدالة الأحكام القانونية، فكلما كانت الدولة قوية ومستقرة وذات سيادة وداعمة لقضاء عادل، سيؤدي ذلك إلى تنازل أرقام عقوبة الإعدام، مما سيقلل من حدة الانتقام، الأمر الذي يصب في مصلحة الحفاظ على أرواح البشر ووقف الأحكام الجنائية المشبوهة.

المصدر : الجزيرة