الاحتلال الإسرائيلي يعدم ميدانيا أسرى محررين.. هل هي سياسة تصفية جديدة؟

عدد من الأسرى المحررين على منصة مراسم الاستقبال الشعبي.
مجموعة من الأسرى المحررين على منصة مراسم استقبال شعبي سابق في غزة (الجزيرة)

غزة– نحو شهرين فصلا بين خروج غفران وراسنة من السجن ودخولها قبرا حفرته لها رصاصة قناص من قوات الاحتلال الإسرائيلي، وارتقت بها شهيدة قبل بضعة أيام، عند مدخل مخيم العروب (شمالي الخليل) بالضفة الغربية المحتلة.

وقبل غفران بأيام كان داوود الزبيدي، ولحق بهما أيمن محيسن، وثلاثتهم أسرى محررون ارتقوا شهداء برصاص قناصة إسرائيليين، تقول أوساط فلسطينية رسمية وأهلية إنها "جرائم إعدام ميداني متعمدة".

وأكدت هيئة شؤون الأسرى والمحررين (التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية) أنها رصدت تناميا ملحوظا في جرائم التصفية الجسدية التي تستهدف منذ مطلع العام الجاري أسرى محررين من سجون الاحتلال الإسرائيلي.

وقال رئيس الهيئة الوزير قدري أبو بكر -للجزيرة نت- إن "جيش الاحتلال ووحداته الخاصة تعمدوا تصفية واغتيال غفران وداوود وأيمن، بدافع من الحقد المتنامي تجاه الأسرى المحررين".

سياسة ممنهجة

ورصدت مؤسسات أهلية معنية بشؤون الأسرى ارتقاء 62 شهيدا فلسطينيا منذ مطلع هذا العام، وكان لافتا أن من بينهم عددا ملموسا من الأسرى المحررين، الذين ارتقوا جراء "جرائم قتل إسرائيلية بدم بارد وإعدام ميداني متعمد".

آخر هؤلاء الشهيد محيسن، الذي قضى 3 سنوات في سجون الاحتلال، ونسبت هيئة شؤون الأسرى والمحررين لشهود عيان أن وحدات خاصة إسرائيلية اغتالته أمام منزله في مخيم الدهيشة في بيت لحم بالضفة الغربية المحتلة.

وقال أبو بكر إن المنطقة التي شهدت جريمة اغتيال محيسن "كانت بعيدة عن أي مواجهات (..) والقناص الذي ارتكب هذه الجريمة يدرك ملامح الوجه والشخصية المستهدفة، تماما كما حدث في جريمة تصفية الصحفية شيرين أبو عاقلة".

ودلل أبو بكر على تعمد جيش الاحتلال ووحداته الخاصة "ارتكاب جرائم التصفية الجسدية لأسرى محررين"، بإفادة جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بشأن جريمة إعدام غفران، حيث منع الاحتلال طواقم الهلال الأحمر من محاولة إنقاذها، وتُركت تنزف لنحو نصف ساعة إثر إصابتها بأعيرة نارية في الجزء العلوي من جسدها، قبل نقلها لتلفظ أنفاسها الأخيرة في أحد مستشفيات الخليل.

وفي حينه، وصفت وزارة الخارجية في السلطة الفلسطينية برام الله هذه الحادثة بـ"جريمة إعدام ميداني"، وبأنها "امتداد لمسلسل جرائم الإعدامات الميدانية التي ترتكبها قوات الاحتلال".

وكذلك حملت بيانات الإدانة من فصائل وقوى فلسطينية الوصف نفسه، وقالت إن "إسرائيل تمنح الغطاء لجرائم الإعدام الميداني بتشجيع جنودها على إطلاق النار واستهداف المدنيين الفلسطينيين".

وقال الوزير أبو بكر إن إسرائيل تمارس ما وصفها بـ"سياسة مخططة وممنهجة" تستهدف اغتيال الأسرى المحررين، وهي سياسة "تعكس مدى تطرف منظومة الاحتلال بكل مكوناتها تجاه هذه الشريحة المناضلة من أبناء الشعب الفلسطيني".

إسرائيل تقتل الأسرى مرتين!

بدوره، أكد رئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحررين عبد الناصر فروانة -للجزيرة نت- تنامي جرائم القتل الميداني الإسرائيلية خلال الشهور القليلة الماضية، واستهدافها على نحو لافت عددا من الأسرى المحررين.

وقال فروانة، وهو أسير محرر قضى سنوات في سجون الاحتلال، إن هذه الجرائم يجب أن تشكل "جرس إنذار" للأسرى المحررين، وتدفعهم إلى اتخاذ درجات عالية من الحيطة والحذر تحسبا من "غدر الاحتلال".

وتشكل هذه الجرائم -حسب فروانة- امتدادا لما وصفه بـ"القتل البطيء" الذي تمارسه إسرائيل بحق الأسرى داخل سجونها، الذين يتعرضون للقتل بسلاح الأمراض والإهمال الطبي.

وبعد خروج الأسير الفلسطيني من عتمة السجون منهكا بأمراض تفتك بجسده، يصبح معرضا للقتل برصاص قناص إسرائيلي، وفقا لتأكيد فروانة.

وبالعودة إلى أبو بكر، يقول إن الهيئة تعكف حاليا على إعداد تقارير بالأدلة والشواهد على جرائم الإعدام التي ترتكبها قوات الاحتلال بحق أسرى محررين، وإرسالها إلى وزارة الخارجية الفلسطينية، والسفارات، والمؤسسات الأممية والحقوقية حول العالم، لفضح هذه السياسة العدائية الإسرائيلية.

غير أن أبو بكر، الذي كان قبل أسابيع قليلة في جولة عربية وأوروبية للتعريف بقضية الأسرى، بدا غير متفائل من إمكانية محاسبة إسرائيل على هذه الجرائم في المستقبل القريب.

جرائم ممتدة

وقال مدير مركز الأسرى للدراسات والأبحاث رأفت حمدونة -للجزيرة نت- إن هذه الجرائم، وإن زادت وتيرتها في الآونة الأخيرة، إلا أنها لا تعد "سياسة جديدة" للاحتلال، الذي ارتكب الكثير منها بحق أسرى محررين على مدار عقود طويلة.

حمدونة أسير محرر، قضى نحو 15 عاما في سجون الاحتلال، يؤكد أن إسرائيل تنتهج "سياسة الإعدام" بحق الأسرى، سواء داخل السجون أو خارجها، وبأساليب ووسائل متنوعة.

ورصد حمدونة عددا من هذه الجرائم، وأشهرها تعود لعام 1984، عندما ارتكبت قوات خاصة إسرائيلية جريمة إعدام ميداني بحق صبحي أبو جامع ومجدي أبو جامع، بعد اعتقالهما أحياء، وسبقهما مباشرة قتل زميليهما جمال قبلان ومحمد أبو بركة، وأربعتهم من سكان جنوب قطاع غزة واشتركوا في تنفيذ عملية خطف حافلة إسرائيلية بنية مبادلتها بأسرى فلسطينيين.

وقبل هذه الجريمة وبعدها -قال حمدونة- ارتكبت إسرائيل وترتكب عشرات الجرائم من الإعدام الميداني بحق الأسرى الفلسطينيين، سواء داخل السجون أو بعد تحررهم، وتمعن في القتل بتركهم ينزفون حتى الموت، ومنع أي محاولة لإسعافهم، أو بتركهم "فريسة" لأمراض تنهش أجسادهم داخل السجون والزنازين ومنع أي علاج عنهم.

وتشير بيانات هيئة شؤون الأسرى والمحررين إلى أن الاحتلال يعتقل في سجونه زهاء 4600 أسير فلسطيني، من بينهم 31 أسيرة، و172 طفلا، ويعاني نحو 500 من هؤلاء الأسرى أمراضا خطيرة، ويحتاج بعضهم إلى تدخلات طبية عاجلة.

المصدر : الجزيرة