المهمة المستحيلة.. كاتب بريطاني: هذا التحقيق تريده واشنطن في مقتل شيرين أبو عاقلة

Vigil and protest held for Journalist Shireen Abu Akleh in NYC
شيرين أبو عاقلة قضت برصاصة قناص إسرائيلي وفق جميع التحقيقات التي أجرتها وسائل إعلام دولية (الأناضول)

يقول الكاتب البريطاني جوناثان كوك إن وسائل الإعلام الأميركية الكبرى أجرت تحقيقات في مقتل الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، وخلصت جميعها إلى مسؤولية جندي إسرائيلي عن مقتلها. ووصف ذلك بأنه ضربة كبيرة لإسرائيل خاصة أن تلك المؤسسات الإعلامية المرموقة يُنظر إليها عادة على أنها متعاطفة للغاية مع تل أبيب وليس الفلسطينيين.

وأضاف في مقال له بموقع ميدل إيست آي (Middle East Eye) البريطاني أن هذه التحقيقات جعلت من الصعب على إسرائيل إخفاء مسؤوليتها عن مقتل أبو عاقلة والنية من وراء ذلك، مشيرا إلى أن إطلاق الرصاصة التي قتلتها كان هدفها واضحا وهو إعدامها، حيث أصابت منطقة ضيقة مكشوفة بين خوذتها وسترة واقية من الرصاص تحمل علامة "صحافة".

ومع ذلك، يقول كوك إن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن لن تهتم بهذه التحقيقات، وإن التحقيق الوحيد الذي ستنتبه إليه هو التحقيق الإسرائيلي.

إسرائيل تأمل بتضاؤل الاهتمام

وأشار إلى أن هذه الوسائل الإعلامية الكبرى أبقت مقتل الصحفية الفلسطينية في العناوين الرئيسية عندما كانت إسرائيل تأمل أن يتضاءل الاهتمام بسرعة، كما هو الحال مع الغالبية العظمى من القتلى الفلسطينيين.

واستمر يقول إن إسرائيل حاولت، الآونة الأخيرة، إلقاء اللوم على السلطة الفلسطينية لأنها لم تتعاون من خلال تسليم الرصاصة التي قتلت أبو عاقلة أو الموافقة على إجراء تحقيق مشترك.

ويؤيد الكاتب السلطة الفلسطينية في رفضها طلبات التعاون لأنها قُدمت بسوء نية. وتلاحظ هذه السلطة أن إسرائيل ستستغل أي تحقيق مشترك لتلفيق "كذبة جديدة".

ومع ذلك، فإن إسرائيل ليست الطرف الوحيد الذي يشعر بالانزعاج من التحقيقات المتكررة لوسائل الإعلام. فإدارة بايدن، هي الأخرى، دخلت في إحراج، ودعا وزير خارجيته أنتوني بلينكن إلى "تحقيق مستقل وموثوق" بينما شددت وزارته على الحاجة إلى "تحقيق شامل ومستقل".

نتيجتان

وقال كوك إن هناك نتيجتين يجب علينا استخلاصهما من الجهود لتحديد المسؤول عن قتل أبو عاقلة: الأولى تتعلق بالطبيعة الاستثنائية للتحقيقات التي أجرتها وسائل الإعلام الأميركية. فقد تعوّد العالم على عدم وجود قلق من قتل فلسطينيين. أما القلق الذي رافق مقتل شيرين فيبدو أن وراءه صدفا غير عادية. فهي صحفية رفيعة المستوى ومحترمة دوليا وتحمل الجنسية الأميركية.

بعبارة أخرى، لم يُنظر إليها على أنها مجرد فلسطينية عادية، أو حتى صحفية فلسطينية، بل كان يُنظر إليها كواحدة من وسائل الإعلام الغربية.

والحقيقة أن وسائل الإعلام الأميركية كان بإمكانها إجراء تحقيقات مماثلة في أي عدد من القتلى الفلسطينيين على أيدي أجهزة الأمن الإسرائيلية، وليس فقط أبو عاقلة، وكانوا سيتوصلون إلى نتائج مماثلة لكنهم تجنبوا القيام بذلك باستمرار.

ويذهب كوك إلى أن هناك خطرا متأصلا في التركيز حصريا على مقتل أبو عاقلة، فهو يجعل الأمر يبدو كما لو أن وفاتها حدث استثنائي يتطلب تحقيقا استثنائيا، في حين أنها في الواقع مثال آخر على نمط طويل الأمد من انعدام القانون وانتهاكات حقوق الإنسان.

أما النتيجة الثانية فهي أن استمرار بلينكن وإدارة بايدن في الإصرار على إجراء تحقيق شامل ومستقل وموثوق وشفاف، وإصرارهما يهدف في حقيقته إلى دفن القضية وعدم الوصول إلى أي نتيجة: فالبيت الأبيض، بطبيعة الحال، يتجاهل بشكل تلقائي نتائج تحقيق السلطة الفلسطينية بأن أبو عاقلة قد أطلق عليها الرصاص عمدا من قبل جنود إسرائيليين.

ويتصرف كما لو أن التحقيقات التي أجرتها هذه المؤسسات الإعلامية الأربع الكبيرة غير مؤهلة. وفي غضون ذلك، لا تُظهر الإدارة نفسها اهتماما مطلقا بإجراء تحقيق، على الرغم من ضغوط الكونغرس لإشراك مكتب التحقيقات الفدرالي.

تحقيق غولدستون

هل يفضل بلينكن أن تتولى الأمم المتحدة المهمة؟ لا يُفترض -يقول الكاتب- بالنظر إلى كيفية رد الولايات المتحدة وإسرائيل على آخر تحقيق مستقل كبير أجرته الأمم المتحدة في هجوم إسرائيل على غزة لمدة شهر نهاية عام 2008.

وقاد ريتشارد غولدستون، الحقوقي الجنوب أفريقي البارز، لجنة من الخبراء خلصت إلى أن إسرائيل ارتكبت سلسلة من جرائم الحرب خلال هجومها، المعروف إسرائيليا باسم الرصاص المصبوب، كما فعلت "المليشيات الفلسطينية".

ووجد تقرير لجنة الأمم المتحدة أن إسرائيل تبنت سياسة تستهدف عمدا المدنيين الفلسطينيين الذين هم الغالبية العظمى من 1400 فلسطيني قتلوا في تلك العملية.

وعملت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل بجد لدفن التقرير. ووجد غولدستون، وهو يهودي، نفسه معزولا علنا من قبل الجاليات اليهودية بالولايات المتحدة وجنوب إفريقيا. وفي النهاية، بدا أنه استسلم لحملة الضغط، وأعرب عن أسفه على التقرير.

لم يأت أحد في واشنطن للدفاع عن غولدستون بشأن تحقيق الأمم المتحدة الشامل والمستقل والموثوق والشفاف، بل على العكس: لقد تعرض للسخرية علنا.

الاحتمال الآخر الذي يطرحه الكاتب، ويفترض جدلا أن بلينكن ربما يؤيده، هو أن تحقق المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بالقضية.

ويقول إن الولايات المتحدة أظهرت موقفها الحقيقي من إجراء تحقيق كامل ومستقل وذي مصداقية وشفافية من قبل تلك الهيئة قبل عامين، عندما حاولت المحكمة الجنائية الدولية تسليط الضوء على جرائم الحرب الأميركية في أفغانستان وإسرائيل بالأراضي الفلسطينية المحتلة.

وردا على ذلك، فرض سلف بايدن (دونالد ترامب) عقوبات على المحكمة، ومنع الموظفين من دخول الولايات المتحدة، وهدد بمصادرة أصولها. وامتد التهديد ليشمل أي شخص يقدم "الدعم المادي" للمحكمة وهي لغة تستخدم عادة في سياق الإرهاب.

المعنى الضمني أن التحقيق، كما تريده جميع الأطراف، هو التحقيق الذي تشرف عليه إسرائيل فقط، والذي يمكن اعتباره "شاملا ومستقلا وموثوقا وشفافا" للولايات المتحدة.

لا يمكن أن يُقال، فيما يتعلق بواشنطن، إن التحقيق ذو "مصداقية واستقلال وشفافية" حتى توافق السلطة الفلسطينية على إجراء تحقيق مشترك مع إسرائيل. لكن إسرائيل والولايات المتحدة يعرفان جيدا أن القيادة الفلسطينية لن توافق أبدا على مثل هذا "التعاون" لأن دور إسرائيل لن يكون للوصول إلى الحقيقة ولكن لتخطيط التستر.

ويصل الكاتب إلى أن المطالبة بإجراء تحقيق "موثوق به ومستقل وشفاف" لغز الإدارة الأميركية وفهمها للتحقيق الذي لن يتم أبدا!

والأهم من ذلك، أن هذا النوع من التحقيقات المستحيلة يمكن أن يلقى بشأنه اللوم على السلطة الفلسطينية بوصفها معرقلة للتحقيق، وهو أمر ملائم للولايات المتحدة وإسرائيل. ومادام الفلسطينيون يرفضون "التعاون" فإنه يُفترض أن يدي إسرائيل مقيدة.

وختم المقال بأن مقتل شيرين لم يكشف فقط حقيقة أن الإسرائيليين يقتلون الفلسطينيين دون عقاب، بل كشف أيضا أن إدارة بايدن ليست منزعجة من قتلها ولا من إفلات الجندي الذي أعدمها من العقاب، بل كل ما يزعج البيت الأبيض هو أن يُشكك في اهتمامه بالحقيقة ويُشكك في أن إسرائيل تبذل قصارى جهدها للتحقيق!

المصدر : ميدل إيست آي