تأكيدات جديدة- هل كانت فرنسا مسؤولة عن المجازر في رواندا؟

يؤكد تقرير المديرية العامة للأمن الخارجي أن أجهزة المخابرات الفرنسية حاولت عام 1994 تنبيه الدولة إلى وجود مرتزقة فرنسيين في رواندا في أثناء ارتكاب الإبادة الجماعية، في حين يشير تقرير صادر عن منظمة "البقاء على قيد الحياة" إلى أن هؤلاء المرتزقة كانوا في الواقع يتصرفون بدعم من باريس.

وتقول الكاتبة ماريا مالاغاردي -في تقرير نشرته صحيفة "ليبراسيون" (Libération) الفرنسية- إن أحداث الرواية تدور في أفريقيا، في بلد صغير حيث تدخّل المرتزقة الفرنسيون الذين أتوا لمد يد المساعدة إلى المسؤولين عن المجازر، في اللحظة المحددة التي بدأ فيها هؤلاء المسؤولون خسارة الأرض في مواجهة التمرد الذي كان يجبر -بشكل غير متوقع- المجرمين الذين يتولون السلطة على التراجع شيئًا فشيئًا من دون التخلي عن خطتهم من أجل إيجاد حل نهائي.

وبينت الكاتبة أن الإبادة الجماعية ضد أقلية التوتسي في رواندا عام 1994 قصة قديمة لا تزال تطارد فرنسا؛ حيث تطفو على السطح هذه الأيام بفضل تقرير نشرته منظمة "البقاء على قيد الحياة"، ويحلل هذا الملف الذي جاء تحت عنوان "المرتزقة غير المرئيين" بعض ملاحظات المديرية العامة للأمن الخارجي المكتوبة من مايو/أيار إلى يوليو/تموز 1994.

وأوضحت الكاتبة أن هذا الملف عبارة عن سلسلة من التقارير التي تم نشرها بفضل عمل لجنة دوكلار، التي سمحت لأول مرة بفحص الأرشيف المتاح حول دور فرنسا في رواندا بين عامي 1990 و1994؛ حيث خلص تقرير اللجنة -الذي نُشر أبريل/نيسان 2021- إلى أن فرنسا كانت "مسؤولة بشكل كبير" عن المجازر التي حدثت في ذلك الوقت.

تحذيرات تجاه السلطات السياسية

أشارت الصحيفة إلى أن الملاحظات المعنية من أرشيف المديرية العامة للأمن الخارجي كانت في الواقع معروفة بالفعل للبعض، وتتعلق تلك التي تهم منظمة "البقاء على قيد الحياة" بهذه الفترة المضطربة التي اضطرت خلالها باريس إلى التعامل مع الحلفاء الذين أصبحوا متهمين بشكل صريح بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، فقد كان هذا الجيش الذي شكلته فرنسا والنظام الذي دعمته؛ قد أسهم في الإبادة الجماعية التي ارتكبت ضد أقلية التوتسي التي أسفرت عن مقتل نحو مليون شخص في 3 أشهر فقط.

وأشارت الكاتبة إلى هؤلاء المرتزقة، الذين يبيعون خدماتهم لمن يدفع أكثر، أو يسهلون إنجاز الأعمال الأساسية للدول التي لا ترغب في الإفصاح عن نياتها. وفي رواندا، يبدو أن أجهزة المخابرات الفرنسية كانت على دراية كاملة بأفعال معينة قام بها جنود الظل هؤلاء الذين كانوا يذهبون إلى هناك عدة مرات.

وتحدثت الكاتبة عن مقابلة أُجريت في 25 يونيو/حزيران 1998 من قبل بعثة المعلومات البرلمانية -وكانت المحاولة الأولى لتحديد دور فرنسا في رواندا- إذ أوضحت المقابلة أن دور القوات الفرنسية في رواندا تضاعف خلال عام واحد، في حين شدد رئيس المخابرات الفرنسية أيضًا على أن هذا التضخم للدور الفرنسي يستجيب "للاحتياجات والأولويات التي تحددها السلطات السياسية".

وتتابع الكاتبة قائلة إنه من الصعب تخيل أن هذه السلطات نفسها كانت ستختار تجاهل المعلومات التي من قبيل وجود جنود فرنسيين سابقين تم تحويلهم للعمل في فرق خاصة في خضم الإبادة الجماعية في رواندا، مبينة أن الحديث هنا ليس عن أي شخص كان، بل عن الجنديين المرتزقين إبول باريل وبوب دينارد؛ فالأول رجل درك سابق في القوات الخاصة الفرنسية، وهي مجموعة تدخّل تابعة لقوات الدرك الوطني شاركت في إنشاء خلية مكافحة الإرهاب في فترة الـ7 سنوات الأولى للرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، وكان مقربًا جدًّا من فرانسوا دي جروسوفر، مستشار الرئيس في الإليزيه الذي انتحر في ظروف غامضة، في السابع من أبريل/نيسان 1994، الموافق ليوم اندلاع الإبادة الجماعية في رواندا، كما عمل باريل في فرقة أمنية خاصة، وسرعان ما أصبح حاضرًا في كل مكان في الملف الرواندي، مما ضاعف من الأعمال المثيرة في وسائل الإعلام، ولا يزال دوره في الهجوم على طائرة الرئيس الرواندي جوفينال هابياريمانا -الذي كان بمثابة إشارة لاندلاع الإبادة الجماعية- يثير العديد من الأسئلة. أما بوب دينارد، الملقب "بقرصان الجمهورية"، والمعروف بأعمال العنف، من الكونغو البلجيكية السابقة إلى جزر القمر، فهو يجسد الشبح البارع الذي أصبح أسطوريًّا، حتى وفاته عام 2007.

إستراتيجية غير مباشرة

وأكدت الكاتبة أنه تم ذكر تورطهم المحتمل في مأساة رواندا عدة مرات منذ عام 1994، لكن ملاحظات المديرية العامة للأمن الخارجي تحدد وتثبت بوضوح بعض التلميحات التي كان من الممكن نفيها من قبل، ففي مذكرة أخرى -هذه المرة غير منشورة من قبل ومؤرخة في 17 يونيو/حزيران 1994- قامت المخابرات الفرنسية، علاوة على ذلك، بشكل علني بالربط بين مشاريع دينارد ومشاريع باريل، الذي كان يستعد في الوقت نفسه "لتوفير نحو 50 طنًّا من الذخيرة والأسلحة للقوات الحكومية الذين كانوا في الوقت ذاته، يطاردون أقلية التوتسي لإبادتهم".

وتستطرد الكاتبة قائلة إنه في السادس من مايو/أيار من ذلك العام، كتب الجنرال كريستيان كيسنو -رئيس الأركان الخاص للرئيس فرانسوا ميتران- مذكرة أكد فيها: "أنه في حال عدم وجود إستراتيجية مباشرة في المنطقة التي قد تبدو صعبة التنفيذ سياسيًّا، فإن لدينا الوسائل والمفاتيح لإستراتيجية غير مباشرة يمكن أن تعيد توازنًا معينًا".

وبحسب الكاتبة، فإنه تجدر الإشارة إلى أن اسم أغاثا هابياريمانا، زوجة الرئيس الرواندي، مثل اسم ابنها جان بيير، ظهر عدة مرات في ملاحظات المديرية العامة للأمن الخارجي، التي تشير إلى نشاطهم الجامح في الاتصال مع المرتزق الفرنسي بوب دينارد كما هو الحال مع المرتزق بول باريل، من أجل "توفير الذخيرة والأسلحة للقوات الحكومية" أو "تجاوز الحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة على صادرات الأسلحة إلى رواندا".

وتكشف الكاتبة عن أنه دون تصريح إقامة في فرنسا، ومنذ رفض طلب اللجوء الذي قدمته، والذي أكده مجلس الدولة في عام 2009، والذي أثار بوضوح الشكوك المرتبطة بتورطها في الإبادة الجماعية، لن يتم بالتأكيد محاكمة أغاثا هابياريمانا بتهمة "التواطؤ في الإبادة الجماعية". ومع ذلك، فإن التقارير الصادرة من المديرية العامة للأمن الخارجي كانت هائلة بالنسبة للسيدة الأولى السابقة لنظام دعمته فرنسا بلا هوادة، متجاهلة جميع علامات التحذير من الإبادة الجماعية، كما أشار تقرير لجنة دوكلار.

مسار تحقيق بطيء

ولفتت الكاتبة إلى أنه مع ذلك، فإن العدالة الفرنسية هي التي لا تزال قادرة على تسليط الضوء على الحقيقة في هذا البحث؛ وبالتالي، فإن باريل مستهدف بالنظر إلى شكوى بتهمة "التواطؤ في الإبادة الجماعية" أطلقتها منظمة "البقاء على قيد الحياة"، وكذلك لوجود شكاوى من الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان ورابطة حقوق الإنسان، وقد أدى ذلك -في يونيو/حزيران 2013- إلى فتح تحقيق قضائي لا يزال مستمرًا.

وتستكمل الكاتبة أنه لذلك لا يزال ضابط الدرك الأعلى السابق في الإليزيه يستفيد من افتراض البراءة؛ حيث تشير الإجراءات القانونية بشكل خاص إلى العقد الذي كان سيوقعه مع الحكومة الرواندية في خضم الإبادة الجماعية، في 28 مايو/أيار 1994، لتزويد الرجال والأسلحة بما يزيد قليلًا على 3 ملايين دولار. ومن جهته، ينفي باريل أنه وقع هذا العقد، لكن -وفقًا لمصادر متوافقة- خلص الخبراء في الكتابة اليدوية في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 إلى أن توقيع العقد كان بالفعل توقيعه.

وتستمر الكاتبة قائلة إن التحقيق القضائي يتقدم ببطء شديد رغم أهمية هذا الملف. ومع ذلك، كشفت الجلسات عن حقيقة مذهلة: في طريقهم إلى رواندا في مايو/أيار 1994، توقف باريل ورجاله في مطار إيستر، علمًا بأنه لا يجوز لأحد أن يهبط في مطار عسكري، لكن جميع الشهود الذين كانوا على الرحلة نفسها أكدوا هذا التوقف الغريب، وهو ما لا يمكن أن يتم من دون موافقة السلطات الفرنسية.

وتختتم الكاتبة تقريرها بذكر حادثة وقعت بعد شهر من ذلك في أول يوليو/تموز 1994، في أثناء مقابلة مع رئيس أوغندا يويري موسيفيني، صور فرانسوا ميتران باريل على أنه "مغامر" و"مرتزق" من دون منحه أي ثقة، مؤكدًا في هذه العملية أن باريل "لم يعمل قط في قصر الإليزيه" وأنه "لم يسبق له أن رآه"، وهو أمر مستحيل، وهو ما يجعلنا نفهم ما الدافع وراء هذا الإنكار، على حد قول الكاتبة.

المصدر : ليبراسيون