أبو الفتوح أحدث المشتكين.. انتقادات حقوقية لسجن بدر الجديد في مصر

القاهرة- "الوضع قاتل".. كلمتان لخص بهما السياسي المصري البارز عبد المنعم أبو الفتوح أوضاعه داخل سجن بدر الجديد بمدينة بدر (شمال شرقي القاهرة)، الذي أنشئ قبل أقل من عام، في سياق سياسة تقول الحكومة إنها تهدف إلى "تحسين أوضاع المسجونين وإعادة دمجهم في المجتمع مرة أخرى".

حالة أبو الفتوح (71 عاما) لا تختلف كثيرا عن سجناء آخرين تم نقلهم على مدار الأشهر الأربعة الماضية من سجن المزرعة بمنطقة سجون طرة (جنوبي القاهرة) وغيره من السجون القديمة، إذ وصف نجله أحمد وضع السجن الجديد -حسب ما نقله عن آخر زيارة لوالده- بأنه بلا تجهيزات، ومراقب بالكاميرات طوال اليوم، ويفتقد لأبسط مقومات الحياة الكريمة والرعاية الطبية.

وأواخر العام الماضي، افتتحت وزارة الداخلية مركز الإصلاح والتأهيل بدر، وهو ملحق ضمن مجمع أمني ضخم مشيد بمدينة بدر على مساحة 85 فدانًا، ويضم 3 مراكز للإصلاح والتأهيل (المسمى الرسمي الجديد للسجون في مصر)، وسوقت له السلطات في سياق "احترام الحقوق والحريات وتهيئة حياة ومعاملة كريمة لجميع السجناء"، وفق بيانات وتصريحات رسمية.

والسجن الجديد واحد من عدة منشآت مماثلة تم إعدادها، أكبرها مجمع سجون وادي النطرون (شمال)، التي بدأت تستقبل السجناء من 12 سجنا، أبرزها سجن طرة شديد الحراسة (المعروف بالعقرب)، الذي لاحقته على مدار عقود اتهامات حقوقية تصفه "بسيئ السمعة".

وتقسم سجون "مجمع بدر" -حسب حقوقيين- إلى 3 سجون فرعية؛ جرى تخصيص بدر 1 للمحبوسين على ذمة قضايا جنائية، وبدر 2 للنساء، وبدر 3 للمعتقلين على ذمة قضايا سياسية.

كما تفاعل محامون وأهالي سجناء حول صعوبة الوصول إليه، منذ أن قرر وزير العدل انعقاد جميع جلسات دوائر جنايات الإرهاب فيه بداية من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، بدلا من معهد أمناء الشرطة بطرة في القاهرة.

وفي المقابل، تقول السلطات إن مجمع سجون بدر يأتي في إطار تنفيذ محاور الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي في سبتمبر/أيلول 2021، بوصفها "أول خطة متكاملة وطويلة الأمد في مجال حقوق الإنسان بمصر"، وهي تقوم على إطار زمني يمتد 5 سنوات، تنتهي بحلول سبتمبر/أيلول 2026.

عقرب جديد

لكن حملة "حتى آخر سجين" -المعنية بمتابعة أوضاع سجناء الرأي والسياسة- تقول إن الممارسات الأمنية القائمة على سوء المعاملة الإنسانية لا تزال مستمرة بحق المحتجزين بسجن بدر الجديد، منذ نقلهم إليه في يونيو/حزيران الماضي، مشيرة إلى وفاة سجين يدعى محمد عبد الحميد الصيفي (61 عاما) الأسبوع الماضي، كان مصابا بسرطان المعدة بسبب الإهمال الطبي، وهو ما لم يتسن الحصول على تعقيب رسمي بشأنه.

ومن أبرز الممارسات التي وثقتها الحملة بحق نزلاء السجن:

  • تعرضهم للتجريد من كافة متعلقاتهم الشخصية منذ لحظة وصولهم.
  • احتجازهم في زنازين ضيقة (انفرادي وجماعي) بها كاميرات مراقبة تعمل على مدار 24 ساعة.
  • تسليط كشافات ضوئية على السجناء السياسيين، مما يمنعهم من النوم كأحد أساليب التعذيب الجماعي.
  • تعرض العديد من السجناء للانهيار العصبي، خاصة القادمين من سجن العقرب، ممن لم يتعرضوا للشمس أو الضوء فترات طويلة.
  • عمل شفاطات الهواء طوال اليوم؛ مما يجعل درجات الحرارة شديدة الانخفاض، لدرجة تجعل السجناء غير قادرين على النوم وفي حالة برودة شديدة.
  • منع وصول الملابس والأطعمة والكتب والأوراق وأدوات النظافة والمراسلات إلى السجناء.

محاكمات افتراضية

ورصدت الحملة ما وصفته "بالانتهاكات" التي يتعرض لها محامون موكلون بالدفاع عن المسجونين السياسيين بسجن بدر، مشيرة إلى عقد المحاكمات داخل السجن الذي يوجد على أطراف القاهرة، وتغيب عنه أية وسيلة مواصلات مباشرة، إضافة إلى ضيق قاعات المحكمة وعدم استيعابها أعداد المحامين.

وإضافة إلى ذلك، أشارت الحملة إلى نظر قضايا السجناء السياسيين المحبوسين احتياطيا عن طريق "الفيديو كونفرانس"، موضحة أن السجناء المطلوب تجديد حبسهم ينقلون من زنازينهم إلى غرفة مخصصة في كل سجن، من دون حضور أي إشراف قضائي أو عضو بالنيابة العامة، وفق البيان.

ورأت الحملة أن "المحكمة الافتراضية لا تضمن أية استقلالية ولا حرية للمتهم، تمكنه من الدفاع عن نفسه، وتحرمه من التواصل مع محاميه، وذلك انتهاك لأبسط قواعد العدالة".

عقاب المحامين

في هذا الصدد، يقول المحامي أحمد ماضي إنه من الناحية القانونية كان من المفترض إخلاء سبيل كل من تخطى فترة الحبس الاحتياطي (أي عامين بحد أقصى)، بدلا من نقله إلى سجن جديد في نطاق أبعد من موقعه الجغرافي، وتكدير أهله خلال الزيارة.

وفي حديثه للجزيرة نت، شدد ماضي على أنه كان مستغربا إنشاء محاكم داخل سجن بدر، في تكرار لما كان يحدث بمعهد أمناء الشرطة في منطقة طرة، مشيرا إلى أن المحاكم تخضع لوزارة العدل ووجودها في نطاق أماكن خاضعة لوزارة الداخلية يفقدها حيادها.

وأضاف ماضي أن مسألة الدخول والخروج في المحاكم الموجودة بمجمعات السجون تتم وفقا لآلية وزارة الداخلية، التي تعد خصما أساسيا في القضايا السياسية المنظورة؛ نظرا لأن ضباطها هم من يقومون بعمل التحريات عن المتهمين المحالين للمحاكمة.

وتساءل المحامي المصري عن مبرر تدشين محكمة في مكان بعيد غير مؤهل أو مأهول بشكل كبير، ويطيل فترة انتظار المحامي الذي يكون مرهقا بسبب بعد المسافة، وماذا يضير العدالة في انعقاد الجلسات في المحاكم العادية وسط القاهرة وليس داخل السجون، خاصة مع اعتماد المحاكمات الافتراضية عبر "الفيديو كونفرانس"، بدلا من مسألة تكدير المحامين في ما يشبه عقابهم بلا سبب، وفق قوله.

معاناة أهالي سجناء

ويتفق مع الرأي السابق المحامي والحقوقي طارق خاطر، الذي قال إن نقل مأمورية دوائر الإرهاب (تنظر أغلبها قضايا سياسية) لمقر المحكمة بسجون بدر أمر "مُر وموجع".

وعن الأوضاع الحقوقية بالسجن الجديد، أوضح خاطر للجزيرة نت أن معاناة انتظار أهالي سجناء بدر هي ذاتها ما كانت عليه في سجون طرة، وتستغرق مع البعض نحو 7 ساعات، منها طول فترة الانتظار أمام بوابة السجن ثم دخول وانتظار طويل للمرة الثانية للتفتيش، ثم المقابلة التي لا تكمل 20 دقيقة.

وأضاف أن الزيارة بسجون بدر لم تفتح سوى في سجن بدر 1، كما لم يتمكن ذوو السجناء من إيداع أموال لهم داخل أمانات السجن.

وللسجناء شكوى عامة -حسب خاطر- تتمثل في أن الإنارة داخل الزنازين تكون بمصابيح إضاءة بيضاء لا يتم إطفاؤها طوال اليوم، بما يؤدي إلى ضغوط عصبية وبصرية شديدة، ويفسر الأمر بأنه حتى تتمكن الكاميرات من المراقبة والتصوير باستمرار في الليل والنهار.

بداية جديدة

في مقابل الانتقادات الحقوقية والقانونية، تقول وزارة الداخلية إن مجمع سجون بدر الجديد يأتي في سياق خطة كبرى لإنشاء مراكز التأهيل المتطورة التي تراعي حقوق الإنسان، في توجه لإغلاق كافة السجون العمومية بمختلف المحافظات.

وحسب فيلم تسجيلي تحت عنوان "بداية جديدة" -بثته الوزارة بالتزامن مع افتتاح السجن- فإن السجن الجديد يمثل مركزا للإصلاح والتأهيل في إطار الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، وفقا لأعلى المعايير العالمية لحقوق الإنسان.

وأشارت إلى أن مجمع بدر الأمني يستقبل نزلاء محكوما عليهم بمدد قصيرة، وهو مصمم وفقا لأحدث النظم المعمارية، مع إنارة طبيعية على مدار اليوم، ومع مراعاة المساحات المناسبة، والتهوية المتجددة.

ويضم المجمع -حسب وزارة الداخلية- جميع الخدمات، بما فيها حضانة للأطفال ووسائل ترفيهية، وكل مركز به عنابر لإقامة النزلاء بأسلوب حضاري وإنساني، ومساحات للتريض وملاعب خارجية ودور عبادة.

وعن مجمع المحاكم، قالت إنه منفصل إداريا عن منطقة السجون، وأنشئ بهدف التوفير على النزلاء نقلهم لمقرات المحاكم البعيدة.

وتشدد الحكومة المصرية على أن إنشاء المجمعات الإصلاحية لتكون صروحًا إنتاجية، لا تكتفي بتأهيل نزلاء السجون، وإنما تدريبهم، وإكسابهم مهارات على مختلف الحرف؛ بما يوفر لهم فرص عمل شريف عقب الإفراج عنهم.

المصدر : الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي