حصان "جنين جنين" ليس وحيدا.. حملة تضامن مع الفنان محمد البكري الذي تلاحقه إسرائيل

جرايسة: فيلم "جنين جنين" كان أحد الأدوات التي أوصلت الحقيقة لكل العالم، وهذا ما يخشاه المحتل الذي يخاف من المثقفين والمبدعين الذين يفضحون ممارساته.

الفنان محمد البكري: هذه حكاية القضية الفلسطينية أينما وجدت "فلو كان مخرجا إسرائيليا لما لوحق" (الجزيرة)

رام الله – "لو عاد بي الزمن مرة أخرى سأقوم بإخراج الفيلم بطريقة أفضل"، هكذا قال محمد بكري في حديثه مع الجزيرة نت، على هامش إطلاق الحملة التضامنية معه في رام الله. وهذا الفيلم هو "جنين جنين" الذي أخرجه وأنتجه في عام 2002 ويتناول مجزرة الاحتلال في مخيم جنين وقت اجتياحه، وتعرض للملاحقة القضائية من قبل إسرائيل بعد سنوات من عرضه.

البكري كرر أكثر من مرة أن "ما قمت به لا يقاس أمام التضحيات التي قدمها المخيم"، وهو الذي عرض فيلمه أول مرة بعد أسبوع فقط من انتهاء حصار المخيم والمجزرة الإسرائيلية، مما جعله من أكثر الأعمال الفنية التي وثقت الجرائم التي اقترفها جيش الاحتلال في المخيم.

رامز جرايسي عضو لجنة أصدقاء الفنان محمد البكري يتحدث عن الحملة وفعالياتها (الجزيرة)

وأعلن في الندوة التي أقيمت بمتحف محمود درويش في رام الله عن بدء حملة تضامن مع البكري وغيره من الفنانين والمبدعين الفلسطينيين في الداخل المحتل الذين تلاحقهم إسرائيل لمناصرتهم بأعمالهم القضية الفلسطينية، تحت عنوان "لن نترك الحصان وحيدا" المقتبس من قصيدة محمود درويش "لا تتركوا الحصان وحيدا".

وهذه الحملة امتداد لحملة أُعلنت في الناصرة، بالداخل المحتل في العاشر من يناير/كانون الثاني 2022، وستستمر حتى موعد جلسة محكمة العدل التي ستنظر في استئناف قدمه البكري على الحكم السابق بحقه في 30 يناير/كانون الثاني الحالي.

وكانت محكمة إسرائيلية قضت بداية العام الماضي 2021 بحظر عرض الفيلم، ومصادرة جميع نسخه، وغرامة مالية تقدر بـ820 ألف دولار يدفعها البكري تعويضا لأحد الجنود المشاركين في الاجتياح.

زياد عمرو: فيلم البكري فضح الاعتداءات الوحشية ضد مخيم جنين وشكل توثيقا لكل الجرائم التي مورست داخل المخيم (الجزيرة)

مجزرة المخيم.. ليس الموت ما يوجع

وفي الندوة استعرض البكري المصادفة التي قادته إلى المخيم لإعداد الفيلم، فقد كان في الأيام الأولى للاجتياح في أبريل/نيسان 2002 يعرض مسرحية في مسرح الميدان بحيفا، ومع بدء الأنباء التي تتحدث عن جرائم الاحتلال بالمخيم أوقف العرض تضامنا مع المخيم الذي لا يبعد عن الناصرة "سوى ضرب العصا".

وتقع جنين على ما يسمى بـ"الخط الأخضر" الفاصل بين فلسطين المحتلة عام 1948، وأراضي الضفة الغربية المحتلة عام 1967، ونقطة العبور بينهما حاليا حاجز الجلمة الاحتلالي، وهو المكان الذي وقف عنده البكري في اليوم الرابع للعدوان مع غيره من فنانين ومثقفين وأعضاء كنيست فلسطينيين، هاتفين ضد جرائم الاحتلال حينئذ، وتعرض في الوقفة لإطلاق نار من قبل أحد الجنود وأصيبت ممثلة زميلة له برصاصة مباشرة بيدها.

يقول البكري "عندما أطلق الجندي الرصاصة تلطخت بدم زميلتي، صدمت من المنظر"، ولمعت برأسي فكرة "إن كنا نتضامن مع المخيم وهذا ما يحدث معنا، فكيف الحال بالمخيم المحاصر". وهذه الفكرة هي التي قادته في اللحظة نفسها إلى قراره دخول المخيم وتصوير الفيلم، رغم أنه لم يكن يملك من تكلفة إنتاجه شيئا.

الفنان محمد البكري: ملاحقة الفيلم متعلقة بهوية المخرج الفلسطينية وروايته المرتبطة بهذه الهوية (الجزيرة)

استدان تكلفة المركبة التي أدخلته من طريق التفافي محفوف بالمخاطر للمخيم بعد إعلان الاحتلال المخيم منطقة عسكرية مغلقة، وهناك كان الواقع يفوق خيال الفنان مرات ومرات؛ 4 أيام مدة التصوير، كانت الأصعب عليه، "ليس فقط الموت، كانت التفاصيل الصغيرة تقتلني، أتذكر ذلك اللاجئ الذي قال لي عن صدمته عندما أفاق صباحا ووجد منزل جاره كومة حجارة".

البكري الذي بدا عليه التأثر الشديد قال إن هذه الحملة تشعره بأنه ليس وحيدا في مواجه عنصرية الاحتلال، فهذه حكاية القضية الفلسطينية أينما وجدت، "فلو كان مخرجا إسرائيليا لما لوحق".

وتابع "ملاحقة الفيلم متعلقة بهوية المخرج الفلسطينية، وروايته المرتبطة بهذه الهوية".

فعاليات داخل فلسطين وخارجها

رئيس مجلس أمناء متحف محمود درويش، زياد عمر، قال إن هذه الفعالية تأتي ضمن سلسلة من الفعاليات تنظم داخل فلسطين وخارجها لدعم البكري الذي يتعرض لإجراءات وأحكام تعسفية من قبل المحاكم الإسرائيلية لممارسته فنه وحرية رأيه وإبداعاته.

وأشار عمرو في حديثه للجزيرة نت إلى أن "فيلم البكري فضح الاعتداءات الوحشية على مخيم جنين، وشكل توثيقا لكل الجرائم التي مورست داخل المخيم، وهو ما جعل الاحتلال يلاحقه طوال هذه السنوات".

الفنان محمد البكري متحدثا عن فيلمه وظروف تصويره (الجزيرة)

وسوف تتواصل الفعاليات التضامنية، حسب عمرو، ليس مع البكري فقط وإنما مع غيره من فنانين ومبدعين، لوقف تمادي إسرائيل في مثل هذه الأحكام التعسفية التي تستند إلى مفاهيم عنصرية.

من جهته، قال رامز جرايسي، عضو لجنة أصدقاء الفنان محمد البكري، القائمة على حملة التضامن، إنها هذه ليست المرة الأولى التي يلاحق فيها البكري على خلفية هذا الفيلم، فطوال 20 عاما حاولت إسرائيل إدانته بشتى الوسائل، حتى تهيأت الأجواء اليمينية المسيطرة على إسرائيل أخيرا وكان قرار المحكمة.

وحسب جرايسة، فإن فيلم "جنين جنين" كان أحد الأدوات التي أوصلت الحقيقة لكل العالم، وهذا ما يخشاه المحتل الذي يخاف من المثقفين والمبدعين الذين يفضحون ممارساته.

وتحدث جرايسة عن سلسلة من الفعاليات ستنظم بفلسطين وخارجها، منها الفعالية المركزية التي ستقام في رام الله في 24 من الشهر الحالي، وستستمر حتى موعد جلسة الاستئناف، وأضاف "نحن لا نعوّل على محاكم الاحتلال، ولكننا لن نتوقف عن فضح عنصرية الاحتلال وجرائمه".

المصدر : الجزيرة