إستراتيجية حقوق الإنسان في مصر.. خطوة تاريخية أم تكتيكية؟

منظمات حقوقية دولية ومحلية ودول غربية عديدة دأبت على انتقاد حقوق الإنسان بمصر (رويترز)
منظمات حقوقية دولية ومحلية ودول غربية عديدة دأبت على انتقاد حقوق الإنسان بمصر (رويترز)

القاهرة – لأكثر من 7 سنوات، توجه المنظمات الحقوقية الدولية انتقادات لاذعة للنظام المصري لما يلاقيه المعارضون المحليون من قمع يصل أحيانا لدرجة القتل خارج إطار القانون. في المقابل اعتادت السلطة على إنكار تدهور الأوضاع الحقوقية، أو في أحسن التقديرات تمارس التهوين من سلب المواطن حقه كإنسان.

غير أن الرئيس عبد الفتاح السيسي فتح المجال لأول مرة منذ توليه السلطة، في يونيو/حزيران 2014، لتعزيز الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية داخل البلاد، بما أطلق عليه "الإستراتيجية الوطنية الأولى لحقوق الإنسان".

وقال السيسي، خلال مؤتمر تدشين الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، الذي عقد السبت بالعاصمة الإدارية الجديدة، إن ثمة ارتباطا وثيقا بين الديمقراطية وحقوق الإنسان، مؤكدا ضرورة مكافحة الفساد لضمان التمتع بالحقوق والحريات.

واعتبر إطلاق الإستراتيجية نقطة مضيئة في تاريخ مصر، وخطوة جادة على سبيل النهوض بحقوق الإنسان بالبلاد، ولم يختتم حديثه قبل إعلان سنة 2022 "عام المجتمع المدني".

وتعتمد الإستراتيجية الجديدة على 4 محاور رئيسية، هي الحقوق المدنية والسياسية، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حقوق المرأة والطفل وذوي الإعاقة والشباب وكبار السن، التثقيف وبناء القدرات في حقوق الإنسان.

منهج وتنسيق

في كلمته خلال مؤتمر إطلاق الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، قال وزير الخارجية سامح شكري إن اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان حرصت مطلع عام 2020 على إعداد إستراتيجية وطنية وفق منهج علمي بالتنسيق مع 30 جهة ووزارة.

وأوضح الوزير أن الإطار الزمني للإستراتيجية الجديدة يمتد لنحو 5 سنوات من أجل النهوض بحقوق الإنسان.

وبدوره قال المندوب الدائم لمصر لدى الأمم المتحدة في جنيف، أحمد إيهاب جمال الدين، إن الإستراتيجية الوطنية تضمن الحق في المشاركة بالحياة السياسية، وتكوين الأحزاب والجمعيات الأهلية والنقابات العملية.

وأردف "تستهدف الإستراتيجية زيادة قدرات النقابات والجمعيات الأهلية لتعزيز مشاركتها في صياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية، والمشاركة في إعداد مشاريع القوانين".

وأوضح جمال الدين أن إستراتيجية حقوق الإنسان تضمن وجود كيانات إعلامية تعمل باستقلالية وحيادية، ومواصلة جهود المؤسسات الدينية في تجديد الخطاب الديني، واحترام حرية المعتقدات الدينية.

الوضع الحقوقي

على مدار السنوات السبع الماضية توالت البيانات الحقوقية المشتملة على أوضاع حقوق الإنسان في مصر بخاصة ما يتعرض له المعارضون السياسيون بداية من منع التظاهر والتضييق الإعلامي، إلى التعذيب والإهمال طبي داخل أماكن الاحتجاز والاختفاء القسري والقتل خارج إطار القانوني، وصولا إلى أحكام الإعدام الجماعية الناتجة عن محاكمات غير عادلة.

في يونيو/حزيران الماضي، طالبت 63 منظمة حقوقية محلية ودولية -في بيان مشترك- السلطات المصرية باتخاذ إجراءات فورية لإنهاء ما وصفته بـ "حملة القمع الشاملة" التي يشنها النظام ضد كافة أشكال المعارضة السلمية.

ودعت المنظمات -من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش- إلى إطلاق سراح المحتجزين احتياطيا لفترات طويلة دون محاكمات، وإنهاء الإخفاء القسري والتعذيب، وتجميد تنفيذ أحكام الإعدام.

ومنذ عام 2014، تتحدث تقارير حقوقية عن وجود ما يقارب 60 ألف معتقل داخل السجون المصرية لأسباب سياسية. في حين يؤكد السيسي، في أكثر من مناسبة، عدم وجود سجناء سياسيين داخل بلده.

وكانت أكثر من 30 دولة من البلدان الأعضاء بمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أصدرت إعلانا مشتركا، في مارس/آذار الماضي، أعربت فيه عن قلقها العميق إزاء مسار حقوق الإنسان في مصر.

وسلط الإعلان المشترك الضوء على القيود المفروضة على حرية التعبير، والتضييق على المجتمع المدني والمعارضة السياسية في مصر.

ولكن سرعان ما نفت القاهرة الاتهامات الموجهة إليها، وأصدرت الخارجية بيانا وصفت فيه ما أوردته الدول الثلاثون في إعلانها المشترك بالمزاعم والأحاديث المرسلة التي تستند إلى معلومات غير دقيقة.

وطالبت الخارجية المصرية بالتوقف عن توجيه ما وصفته بالاتهامات التي تعبر فقط عن توجه سياسي غير محمود يتضمن مغالطات دون أسانيد.

وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي، صوَت البرلمان الأوروبي على مشروع قرار ينتقد أوضاع حقوق الإنسان "المتردية" بمصر.

وشمل قرار البرلمان الأوروبي الدعوة إلى إجراء مراجعة عميقة وشاملة لعلاقات الاتحاد الأوروبي مع القاهرة، والنظر في اتخاذ تدابير تقييدية ضد المسؤولين المصريين رفيعي المستوى المتورطين في انتهاكات حقوقية خطرة.

وكان البرلمان الأوروبي دعا، في وقت سابق، الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي لوقف جميع صادرات الأسلحة وتكنولوجيا المراقبة وغيرها من المعدات الأمنية لمصر، التي يمكن أن تسهل الهجمات على المدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء المجتمع المدني.

في المقابل رأى مجلس النواب المصري موقف نظيره الأوروبي مسيسا ويعبر عن نهج غير متوازن، ولا يلائم الشراكة الإستراتيجية ‏المصرية الأوروبية.

وطالب البرلمان المصري في بيان له نظيره الأوروبي "بعدم تنصيب نفسه ‏وصيا على مصر، والنأي عن تسييس قضايا حقوق الإنسان لخدمة ‏أغراض سياسية أو انتخابية".

ترحيب

لم تتوان الكيانات السياسية المحسوبة على النظام، أو المؤيدة له، في الترحيب بالإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان فور الإعلان عن انطلاقها.

ووصفت تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، الإستراتيجية الجديدة بالتاريخية، مشيرة إلى اهتمام الدولة الاستثنائي بالمجتمع ودوره في بناء الأوطان.

‎وأكدت التنسيقية -في بيان- أن الإستراتيجية الوطنية تعتبر أول إستراتيجية ذاتية متكاملة وطويلة الأمد في مجال حقوق الإنسان بمصر، حيث تتضمن تطوير سياسات وتوجهات الدولة في التعامل مع عدد من الملفات.

وأوضح البيان أن محاور الإستراتيجية تعكس مفهوما شاملا لتعزيز حقوق الإنسان بما يتماشى مع إستراتيجية الدولة للتنمية المستدامة 2030.

وبدوره اعتبر رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، محمد فائق، إطلاق الإستراتيجية الوطنية الجديدة يدلل على اهتمام الدولة بتعزيز مبادئ حقوق الإنسان وتنفيذ التعهدات الدولية الخاصة بالحقوق والحريات.

وأكد فائق، في تصريحات صحفية، أن الإستراتيجية الجديدة تتكامل مع جهود الأجهزة التنفيذية بالدولة والمجلس القومي لحقوق الإنسان، وكافة مؤسسات المجتمع المدني والحقوقي، كخطوة هامة في تعزيز وتثبت مبادئ حقوق الإنسان.

وأثنى رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان على جعل عام 2022 عاما للمجتمع المدني، مؤكدا أهمية هذا القطاع في نهوض وتنمية المجتمعات.

أيضا ثمّن حزب العدل إطلاق الإستراتيجية المصرية لحقوق الإنسان، معتبرا إياها بادرة تعكس حقيقة الالتزام الجاد والفعال من الدولة المصرية للوقوف على مواضع القصور والسعي لتداركه في اتجاه الحفاظ على كافة حقوق المواطن.

ودعا الحزب -في بيان له- إلى الإسراع في وضع إطار يسمح بإعادة النظر في قضايا سجناء الرأي المحبوسين احتياطيا، والتي لم يحاكم متهموها حتى الآن -رغم حبسهم لمدد طويلة- وذلك بما يتماشى مع خطط الدولة المختلفة للانتقال نحو الجمهورية الجديدة.

مخاطبة الخارج

يبدو إطلاق إستراتيجية تخص حقوق الإنسان في مصر أمرا مثيرا للدهشة، وفق ما رأى وكيل لجنة حقوق الإنسان ببرلمان 2012 الدكتور عز الدين الكومي.

وسبب الدهشة يرجع إلى أن المعارضة المصرية بما فيها المجتمع المدني تعاني إما من المطاردة الأمنية أو الاعتقال داخل السجون، وتساءل الكومي "ماذا تفعل الإستراتيجية أمام هذا الكم الهائل من المعتقلين والمخفيين قسريا وحالات القتل خارج إطار القانون؟".

وأضاف -في حديثه للجزيرة نت- أنه لا توجد إرادة حقيقية لدى النظام لتحسين الملف الحقوقي داخل البلاد، معتبرا الإستراتيجية الجديدة مجرد شعارات.

ورأى البرلماني السابق أن أحاديث السيسي عن حقوق الإنسان موجهة إلى الخارج بالأساس، وتابع "إنه يغازل الغرب بعد التحركات الأميركية والأوروبية في ملف حقوق الإنسان بمصر".

في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، طالب 56 عضوا بالكونغرس الأميركي -ينتمون للحزب الديمقراطي- بإطلاق سراح حقوقيين وناشطين سياسيين يقبعون في السجون المصرية.

ويولي الرئيس الأميركي جو بايدن اهتماما بملف حقوق الإنسان في تعاملاته الخارجية، منذ توليه الحكم في يناير/كانون الثاني الماضي، بعكس نظيره السابق دونالد ترامب.

وفي نفس الإطار، ربط مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، بهي الدين حسن، بين الإعلان عن الإستراتيجية والمعونة الأميركية.

وفي أغسطس/آب من العام الماضي، قضت محكمة مصرية بالسجن 15 عاما على مدير القاهرة لدراسات حقوق الإنسان بتهمة نشر أخبار كاذبة والتحريض على العنف وإهانة السلطة القضائية.

إجراءات ضرورية

وعقب تدشين الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، أعاد عدد من العاملين في المجال الحقوقي بمصر نشر قائمة تتضمن بنودا ضرورية التنفيذ قبل الحديث عن حدوث انفراجة في الأوضاع الحقوقية.

وفي مايو/أيار الماضي، نشرت منظمات حقوقية هي: المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، والنديم لمناهضة العنف والتعذيب، الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان، المفوضية المصرية للحقوق والحريات، قائمة تتضمن 7 بنود كشرط للانفراجة الحقوقية ومنها الإفراج عن آلاف السجناء السياسيين المحبوسين احتياطيا، ورفع حالة الطوارئ المفروضة منذ عام 2017 بالمخالفة للدستور.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من حريات
الأكثر قراءة