حقنة مجهولة فشلل كامل وذاكرة مفقودة.. قصة الأسير الفلسطيني حريبات

صور أطفال يحملون صور الأسير المريض إياد حريبات
معاناة الأسير المريض إياد حريبات تلقى تفاعلا واسعا من الشارع الفلسطيني (مواقع التواصل)

الخليل– زارت والدة الأسير الفلسطيني إياد حريبات نجلها في السجن عام 2014 ورافقها آنذاك شقيقه، وبعد قرابة 8 أشهر من عزله داخل زنازين سجن الرملة، زارته مرة أخرى وخرج إليها على كرسي متحرك يدفعه أسير آخر، وقال لأمه "من أنتِ؟" وأشار إلى شقيقه وسأله "لماذا أحضرتَ ضابط المخابرات ليحقق معي؟"

كانت هذه أكبر صدمة عاشتها والدة الأسير حريبات البالغ من العمر 39 عاما، من منطقة سكاكا جنوب مدينة دورا جنوبي الخليل، بالضفة الغربية المحتلة، وهو معتقل في سجون الاحتلال منذ عام 2002 بعد الحكم عليه بالسجن مدى الحياة، بتهمة الانتماء إلى كتائب شهداء الأقصى والمقاومة الفلسطينية.

حقنةٌ مجهولة

نزل اتهام إياد لأخيه –في تلك الزيارة- كالصاعقة على والدته، وتبين لاحقا أن ابنها تعرض للعزل أكثر من 6 أشهر، وحقن بإبرة طبية مجهولة تسببت في شلل تام، وفقدان الذاكرة لأكثر من عام. وكان ذلك بعد قمع إدارة سجون الاحتلال للأسرى الفلسطينيين في سجن "ريمون" والاعتداء عليهم، وتم نقل إياد حينها إلى عيادة سجن "الرملة" وعزله هناك.

لم تتوقع والدة حريبات أن ترى نجلها البكر بهذا الحال، وتصفه -للجزيرة نت- بأن وزنه كان يزيد على 100 كيلوغرام، وطوله يزيد على 180 سنتيمترا، وكان ذا بنية جسدية قوية، وذا نشاط علمي وثقافي داخل السجن، رغم أنه في بداية اعتقاله تعرض للتحقيق القاسي لأكثر من عامين، قبل أن يتم الحكم عليه، ومن ثم الاعتداء عليه وحقنه عام 2014، مما جعله يخسر من وزنه إلى أن وصل إلى نحو 30 كيلوغراما فقط.

كانت لحظات ألم وحرقة عاشتها والدته، ولكن الأسرى المرافقين لإياد أخبروا والدته، بأنه تعرض لتحقيق قاسٍ، وعزل طويل، وشبْح وضرب وتعذيب، ووعدوها أنهم سيهتمون به، مما جعلها تصبر.

صورة لوالدته التي لم تلتقط معه وصرة داخل السجن، وإنما حملت صورته فقط في إحدى الوقفات التضامنية مع الأسرى./ المصدر: عائلة إياد.والدة الأسير: ابني تعرض لتحقيق قاس لأكثر من عامين قبل أن يتم الحكم عليه ومن ثم الاعتداء عليه وحقنه (الجزيرة)

مسكن آلام

احتج الأسرى داخل سجن ريمون على عدم تقديم العلاج لحريبات، وطالبوا بإعادته إلى السجن، لأنه لم يكن يحصل على سوى مسكنات آلام، وتحت الضغط على الاحتلال، تم نقله إلى أقسام الأسرى الذين بدأوا علاجه بالتدليك ودهن جسده بزيت الزيتون وقراءة القرآن عليه، حتى تحسن وضعه الجسدي والنفسي، ولكن بقيت ذاكرته مشوشة، وكانت والدته تلاحظ التحسن على صحته في كل مرة كانت تزوره فيها.

يقول موسى حريبات شقيق الأسير، للجزيرة نت، إن الأسرى كانوا يلقبونه بالعالِم، واستطاع أن يتخرج من الجامعة العبرية ببكالوريوس قانون دولي، لأنه لم يستطع أن يكمل دراسة الهندسة الزراعية في جامعة النجاح الوطنية بنابلس، بعد اعتقاله عام 2002، رغم أنه أنهى سنته الدراسية الثانية.

حروق وزنزانة سوداء

عام 2017 تعرض سجن ريمون للقمع مرة أخرى، وتم الاعتداء على الأسرى ونقل إياد للزنازين مرة ثانية، وتعرض للضرب ورش مادة غازية عليه، تسببت بحروق في الشق الأيمن من جسده الذي اسودّ إثر ذلك، ورغم أنه فقد الوعي، تم عزله في زنازين وصفها -لوالدته لاحقا- بأن كل شيء فيها أسود، وظل فيها 6 أشهر، وعاد إلى حاله الأول بجسد نحيل على كرسي متحرك وذاكرة شبه مفقودة.

مرة أخرى احتج الأسرى وضغطوا على إدارة السجن كي يعالج من الآلام العضلية والعصبية، فتم نقله إلى الأقسام وعالجوه، وأدخل إليه 5 أنواع من الأدوية التي حسنت حاله الصحية، حتى عادت بعد قرابة 3 سنوات "بشكل ممتاز" كما يصف شقيقه موسى.

وجاء خبر مفاجئ للعائلة في شهر يونيو/حزيران الماضي أن إياد تم نقله في حالة إغماء إلى مشفى "سوروكا" الإسرائيلي في بئر السبع، واستطاعت والدته وشقيقاه -وأحدهما ممرض في أحد مشافي الخليل يدعى رأفت- زيارته في المستشفى.

جرح مفتوح

وفي المشفى، لم يسمح بدخولهم ضابط جيش الاحتلال الذي كان برفقته 4 جنود مسلحين أمام باب غرفة إياد، ولكن رأفت استطاع الحديث مع الطبيب الإسرائيلي، الذي قال له "إن إياد كان يعاني من انتفاخ بكتيري في فتحة الشرج، ولم يقدم له العلاج المناسب لفترة طويلة، وتسربت البكتيريا إلى داخل جسده، وتسبب له بـ"صدمة في جسده" أدت إلى تعطيل عمل الرئتين بنسبة 25%، وبعدها فقد الوعي".

حدث ذلك معه عند الساعة الثانية فجرا داخل سجن "ريمون"، ولكنه وصل إلى المشفى عند الثامنة صباحا بعد مماطلة إدارة السجن، مما دفع الأطباء لإحداث فتحة جراحية من سرّتِه إلى أسفل ظهره كي يتمكنوا من إزالة البكتيريا المتسربة والانتفاخ الذي كان يؤلمه، وتركيب كيس لتجميع البراز وأنبوب للبول حتى لا تصل الفضلات إلى المنطقة السفلية من جسده وتسبب له تسمما.

يقول رأفت للجزيرة نت، إن الأطباء أبلغوه أنهم أجروا 5 عمليات جراحية لإياد، وإنهم كل 24 ساعة يقومون بعملية تنظيفات في جرحه المفتوح، حتى لا تتسمم أو يتعفن جسده، وهو في حالة تخدير طبي كامل لأنه لا يمكن له أن يتحمل الألم، وأنه شاهد شقيقه على أجهزة عدة، منها التنفس الصناعي، وأخرى للحفاظ على مستوى الدم، وثالثة للسوائل، وأدرك -بحكم عمله ممرضا- أن حالة شقيقه الصحية حرجة جدا.

اغتيال في الأسر

لم يسمح جنود الاحتلال -الواقفون أمام غرفة حريبات- لوالدته أن تصل إليه أو تلمسه بحجة أن الغرفة معقمة، وبقيت لـ45 دقيقة تشاهد نجلها أمامها. تصف الأم ذلك وتقول للجزيرة نت "شاهدت شخصا ميتا وبحالة يرثى لها على السرير، ولا أتمنى لا لعدو ولا لصديق أن يرى ابنه في الحال الذي رأيت".

يقول منقذ أبو عطوان، من هيئة شؤون الأسرى والمحررين، إن إياد حريبات تعرض لـ3 محاولات اغتيال داخل السجن، واتهم إدارة السجون بأنها تسعى لقتله، لأنها وصفته بأنه "من الأخطر على أمن إسرائيل"، وأنه يهدد المنظومة الأمنية، وأنه انتقم لرفاقه الشهداء: جميل أبو عطوان ورائد الكرمي، قبل اعتقاله.

يقول أبو عطوان -للجزيرة نت- إن "الاحتلال لم يكتفِ بسجنه وحكمه مدى الحياة، بل عزله وعذبه، حتى ساءت حالته الصحية والنفسية، ولم يعالجه وأهمله طبيا، وهو يعلم أنه مريض بحاجة إلى علاج، ولكنهم يستخدمون سياسة الموت البطيء بحقه كما يقومون بذلك مع أكثر من 550 أسيرا مريضا داخل سجون الاحتلال".

المصدر : الجزيرة