تغليظ عقوبة التحرش الجنسي بمصر هل يكفي للقضاء على الظاهرة؟

صور تحرش شباب بفتيات في أماكن عامة بمصر (الجزيرة)
صور تحرش شباب بفتيات في أماكن عامة بمصر (الجزيرة)

القاهرة- جناية لا جنحة، سجن لا غرامة.. هكذا أصبحت عقوبة التحرش الجنسي في مصر بعد تعديل القانون، وهكذا ارتفع الحد الأدنى لعقوبة المتحرش إلى السجن 5 سنوات، وفي بعض الحالات تصل إلى 7 سنوات.

ووافق مجلس النواب المصري -الأحد- على تعديل بعض مواد قانون العقوبات التي تغلظ عقوبة التحرش.

ويعتبر التحرش جنسيا إذا ارتُكِب بقصد الحصول على منفعة جنسية، وتصل العقوبة للسجن 5 سنوات كحد أدنى، وتغلظ العقوبة إلى 7 سنوات على الأقل إذا كان للجاني "سلطة وظيفية أو أسرية أو دراسية على المجني عليه، أو مارس عليه أي ضغط تسمح له الظروف بممارسته عليه، أو ارتكبت الجريمة من شخصين فأكثر، أو كان أحدهم على الأقل يحمل سلاحا".

لكن ماذا يعني تحول الجريمة من جنحة إلى جناية؟

يقول المحامي مصطفى الحسن المدير التنفيذي لمركز هشام مبارك للقانون سابقا -للجزيرة نت- إن الفرق في العقوبة ذاتها: الجنحة عقوبتها تتراوح ما بين يوم إلى 3 سنوات حبسا، أو غرامة مالية، أما الجناية فتتراوح عقوبتها ما بين 3 سنوات إلى 25 سنة سجنا (المؤبد).

ماذا يعني تحويل المشرّع الجرم من جنحة إلى جناية؟

المشرّع اتجه إلى تغليظ العقوبة لتخويف المتحرشين وردعهم، ومواجهة تفشي ظاهرة التحرش الجنسي والانفلات الأخلاقي الحاصل في الشارع المصري، وهذا يعني أن المجتمع يعاني من تفاقم تلك الظاهرة.

ما سلبيات تغليظ العقوبة وتحويلها إلى جناية؟

الجناية عقوبتها أشد من الجنحة، ولذلك فإن إجراءاتها أبطأ بكثير، لأن التحقيق فيها أعلى، والوصول إلى الأدلة فيها يتطلب إجراءات أكثر حتى تستطيع المحكمة أن تدين المتهم وهي مرتاحة الضمير، على عكس الجنحة التي يتم الحكم فيها في وقت أقصر وإجراءات أقل.

هل يحقق القانون الجديد الغرض منه بالقضاء على التحرش؟

يقول مراقبون إن العقوبات ليست الحل الأمثل لمشكلات المجتمع المصري، ولا حتى تغليظها، فهناك أمراض أخلاقية واجتماعية وثقافية تجب معالجتها في سياق معالجة ظاهرة التحرش. ويشيرون إلى أن تغليظ العقوبة وحده لا يردع المجرمين، إذ لم تتوقف عمليات تهريب المخدرات على الرغم من أن العقوبة القصوى تصل للإعدام.

قضايا التحرش على وسائل التواصل الاجتماعي

وتغليظ عقوبة المتحرش الجنسي في مصر يؤشر بما لا يدع للشك مجالا -وفق خبراء في علم الاجتماع ومحامين ومشرعين- على أن القانون الحالي غير كاف، وأن التحرش بات ظاهرة تفرض نفسها بقوة، وأن أعداد المتحرشين والضحايا في تزايد مثير للقلق.

ويعاني المجتمع المصري الشرقي من التحرش الجنسي بأنواعه المختلفة، بداية من الإشارة إلى التلميح أو التصريح أو اللمس أو حتى انتهاك جسد الآخر، سواء في الأماكن العامة أو المغلقة أو وسائل المواصلات أو المؤسسات التعليمية كالمدارس والجامعات، أو المؤسسات الصحية مثل العيادات والمستشفيات وأماكن العمل الأخرى.

وشهد المجتمع المصر في الآونة الأخيرة العديد من وقائع التحرش الجنسي التي خرجت إلى العلن على وسائل التواصل الاجتماعي وهزت الرأي العام، ومن بين تلك القضايا: فتاة المطار، ومتحرش المعادي، وطفل القطار، وفتاة الفيوم… وغير ذلك.

وهذه كلها أسماء قضايا أثارت الكثير من الغضب والسخط في المجتمع المصري، مما دفع الكثير من نشطاء التواصل الاجتماعي والحقوقيين والمشرعين إلى المطالبة بتغليظ عقوبة المتحرش، ليكون عبرة لغيره من مرضى النفوس والأخلاق.

تطور نوعي في التحرش

وفي سياق تعليقها، أثنت السفيرة ميرفت التلاوي -رئيسة المجلس القومي للمرأة سابقا- على القانون، وقالت: "تغليظ العقوبة أمر إيجابي، وقضية التحرش تحتاج إلى كل وسائل الردع، وكلما زاد الردع تراجعت الظاهرة".

وعن أسباب هذا التعديل في قانون العقوبات على الرغم من تغليظ العقوبة في 2014 بالحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة مالية أو بإحدى العقوبتين، أوضحت -في تصريحات للجزيرة نت- أن "المشرع وجد أن العقوبة الحالية غير كافية ولم تحقق الغرض منها".

ولكنها دعت وزارة العدل إلى "تسريع وتيرة التقاضي في تلك القضايا، وتحقيق العدالة الناجزة سواء في التحرش أو غيره، حتى لا يفقد القانون الغرض من تشريعه"، مشيرة إلى أن "المشكلة ليست في عدد القوانين ولكن في تنفيذها بسبب كثرة العقبات الإجرائية".

ولقي القانون تأييدا واسعا من النواب، وأكد وكيل اللجنة التشريعية والدستورية في مجلس النواب إيهاب الطماوي أن هناك تطورا نوعيا في جريمة التحرش الجنسي، دفع المشرع إلى إعادة النظر في تغليظ عقوبته للمرة الثانية.

وأضاف في مداخلة متلفزة مع الإعلامي عمرو أديب "أنه بدراسة الأثر التشريعي على تعديل قانون العقوبات عام 2014، وجدنا أن الردع العام لأفراد المجتمع والردع للجاني أصبح لا يحقق المردود الذي يسعى له المجتمع".

لكن النائب محمد هاشم أثار حالة من الجدل داخل مجلس النواب عندما ألقى باللوم على المرأة، وقال "إذا كان المتحرش رجلا فالمرأة هي سبب التحرش"، مما دفع رئيس المجلس المستشار حنفي جبالي إلى حذف العبارة من مضبطة المجلس.

وفي 2014، وافقت الحكومة المصرية على مشروع قانون بشأن حماية الشهود والمبلغين والخبراء، وذلك عن طريق تحقيق عدد من الضمانات لتوفير الحماية اللازمة لهم في مواجهة أي أفعال تهدف إلى ترهيبهم أو تهديد حياتهم.

حقائق عن التحرش في مصر

ومع إقرار البرلمان المصري والمجلس القومي للمرأة والعديد من منظمات المجتمع المدني بأن التحرش الجنسي في مصر "ظاهرة" تجب مواجهتها، لا "سلوك" فردي يمكن معالجته وتصويبه لدى البعض، بات استعراض الأرقام أمرا "تأكيديا" لا "استدلاليا".

إذ تشير العديد من الدراسات والإحصاءات خلال العقد الأخير إلى انتشار ظاهرة التحرش، وكان أكثرها قتامة دراسة للأمم المتحدة في 2013 وجدت أن 99% من المصريات تعرضن للتحرش.

وعلى المستوى الرسمي، كشف مسح أجراه الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء بالتنسيق مع مركز السكان الدولي في ديسمبر/كانون الأول 2016، أن 49% من الفتيات اللاتي يعشن في المناطق العشوائية تعرضن للتحرش.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2017، احتلّت العاصمة المصرية القاهرة المرتبة الأولى من حيث الخطورة على النساء، وفق دراسة أعدتها مؤسسة "ثومسون رويترز" (Thomson Reuters) تتناول أوضاع المرأة في المدن التي يزيد عدد سكانها على 10 ملايين نسمة.

القانون وحده لا يكفي

وعلى الجانب الآخر، يرى كثيرون أن الحل ليس في تغليظ العقوبة وحده، وأن تغليظ العقوبة هو الطريق السهل لمواجهة أي مشكلة، وأن نتائجه أقل من المتوقع، ولكن يجب خلق الوعي والفهم بمعنى التحرش ومفهومه وأبعاده السلبية.

وهو ما ذهبت إليه خبيرة علم الاجتماع الدكتورة سامية خضر التي أكدت أن العقوبة مثل اليد الواحدة، لا تصفق وحدها، ويجب أن تكون هناك يد الوعي والتربية، وهو دور المؤسسات الدينية والإعلامية والتعليمية؛ لأن التحرش ظاهرة تفشت مع انتشار الإنترنت.

وألقت باللوم في زيادة ظاهرة التحرش -في حديثها للجزيرة نت- على غياب التثقيف والتوعية والتربية، سواء للأطفال أو الشباب حول مفهوم التحرش وسلبياته، بل إن بعض الأسر تزرع في الأطفال الذكور سلوكا يؤدي إلى التحرش بتعظيم الإحساس الذكوري.

وأكدت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس أن نسبة كبيرة من المصريين أميين، لم ولن يسمعوا بتعديلات القانون الجديد، وينبغي أن تبذل الدولة جهودا في تثقيف وتوعية المجتمع.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

رصدت منصات التواصل الاجتماعي وقائع عديدة للتحرش بالأطفال، كان بطلها كاميرا المراقبة التي سجلت جرائم وانتهاكات بحق القُصر ممن لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، ولم تكن ضحية “متحرش المعادي” أولهم.

10/3/2021
المزيد من حريات
الأكثر قراءة