شاهد- القبر المفتوح.. من غيْر الأسرى في صفقة التبادل بين المقاومة والاحتلال؟

تنفُض أزهار، والدة الشهيد عبد الحميد أبو سرور، الغبار عن قبر نجلها المفتوح، في مقبرة مخيم عايدة للاجئين الفلسطينيين شمال بيت لحم، والذي جهزته لدفن جثمانه المحتجز لدى الاحتلال الإسرائيلي.

أبو سرور أقدم شهيد محتجز جثمانه وواحد من 80 شهيدا محتجزا منذ عام 2015، عندما أعاد الاحتلال سياسة احتجاز جثامين الشهداء، إضافة إلى 250 شهيدا محتجزا فيما يسمى مقابر الأرقام، قبل عام 2015.

وقد أعلنت إحدى محاكم الاحتلال بشكل واضح، عام 2019، أن هذا الملف لن يغلق إلا من خلال صفقة تبادل تطلق المقاومة الفلسطينية بموجبها سراح جنود محتجزين لديها بقطاع غزة.

تعلق أزهار صورة نجلها عبد الحميد في سلسلة تلتف حول رقبتها، فقد سُمي الشهيد المحتجز على اسم والدها عبد الحميد أيضا الذي استشهد في حصار بيروت ودفن بمقبرة الشهداء في سوريا، ولم تره أزهار حيا أو جثمانه قبل دفنه، وتكرر الأمر مع نجلها الذي لم ترَ جثمانه منذ إعلان استشهاده.

الأسرى قبل الشهداء

تقول أم الشهيد للجزيرة نت إن قضيتهم إنسانية وأخلاقية ودينية، وهي قضية حقوقية شرعية لا يجوز المساومة عليها. وتؤكد أنها، وباقي عائلات الشهداء المحتجزة جثامينهم، لن يضغطوا على المقاومة في إدراج جثامين الشهداء المحتجزين ضمن صفقة التبادل، لأنه إذا كان الخيار بين الأسرى والشهداء في الصفقة، فإن الأولوية للأسرى الأحياء الذين سيعودون إلى حضن عائلاتهم بعد سنين طويلة من العذابات، والاحتلال هو الذي ربط قضية الجثامين بجنوده الأسرى في غزة.

ترى أزهار أن المقاومة لن تفرق بين أبنائها سواء كانوا أسرى أو شهداء أو مبعدين، ولها كلمة الفصل في النهاية، وحتى وإن لم يتم الإفراج عن الجثامين خلال صفقة التبادل، فإن الباب سيبقى مفتوحا أمام عائلات الشهداء بأن يلاحقوا الاحتلال في المحاكم الدولية بقضيتهم للإفراج عن أبنائهم.

تقول أم عبد الحميد إن رسالتها اليوم، إن ماتت، ألا تُدفن قبل أن يعود جثمان نجلها ويدفن قبلها، وهذا واجب عليها، وعلى أبناء الوطن، بل على العالم أجمع أن يعيد هذه الجثامين.

ينظر الفلسطينيون لاحتجاز جثامين الشهداء بعد إعدامهم كجريمة حرب وفق القانون الدولي (الجزيرة)

مبعدو المهد

لم تكن قضية الشهداء المحتجزة جثامينهم هي الوحيدة المطروحة في صفقة التبادل، وإنما يتم الحديث أحيانا عن احتمال إدخال قضية مبعدي كنيسة المهد فيها.

فهمي كنعان، أحد المبعدين والمتحدث باسم أكثر من 36 مبعدا إلى القطاع و13 مبعدا إلى الدول الأوروبية، والذين تم إبعادهم عن بيت لحم خلال الاجتياح الإسرائيلي للضفة الغربية عام 2002 ومحاصرة كنيسة المهد وسط المدينة جنوب الضفة المحتلة 39 يوما من قبل الاحتلال، يرى أن هذه القضية يجب أن تنتهي بعد مرور 19 عاما عليها.

ورغم أنه كان من المقرر أن يتم بحث إرجاع المبعدين الذين تفرقوا بين خارج فلسطين وقطاع غزة، خلال سنة أو اثنتين آنذاك، حسب ما أبلغ المبعدون به، فإنه ومنذ عام 2002 وهم على حالهم، بل استشهد المبعد اللواء عبد الله داود بالخارج، وعاد إلى أرض الوطن جثمانا.

وطالب كنعان -عبر الجزيرة نت- المقاومة وحركة حماس، بإدراج هذا الملف في أية صفقة تبادل قد تشمل غير الأسرى، وأكد أن الأولوية للمحكومين بالمؤبدات والأحكام العالية، ولكن يمكن الضغط على الاحتلال وتحقيق المزيد من الإنجازات للفلسطينيين.

الأسيرات

وكان تحرير الأسيرات عام 2009 مقدمة لصفقة وفاء الأحرار الأولى" صفقة شاليط" عام 2011، والتي بموجبها تم تحرير 1023 أسيرا فلسطينيا مقابل الجندي جلعاد شاليط.

تحرير كل الأسيرات من سجون الاحتلال، كان آنذاك مقابل شريط فيديو بثته المقاومة أثبتت أن شاليط على قيد الحياة، وهو ما تم بالفعل.

تقول أماني سراحنة من نادي الأسير إن هناك اليوم 40 أسيرة داخل سجون الاحتلال، أقدمهن أمل طقاطقة التي اعتقلت قبل 7 سنوات، وأعلى الأحكام للأسيرتين شروق دويات وشاتيلا أبو عياد المحكومتين بـ 19 عاما لكل منهما، عدا أكثر الحالات الصحية سوءا للأسيرة إسراء الجعابيص.

تعتقد سراحنة أن تحرير الأسيرات من سجون الاحتلال في أية صفقة مقبلة هو ما يجب ألا يكون قابلا للنقاش أصلا، باعتبار أن بعضهم أمهات، ومنهن من تم اعتقالهن وهنّ طفلات وكبرن داخل السجن، وكان التركيز أيضا من الاحتلال على الأسيرات المقدسيات بعد عام 2015، وقد غلّظ من سياساته بالاعتقال بحقهن، بتغيير الأحكام والقوانين المؤذية لهنّ.

وترى أن الإفراج عن الأسيرات أمر مُلّح، يضاف إلى تحرير الأسرى المرضى والمؤبدات وذوي الأحكام العالية، وأكثر من 25 أسيرا معتقلا قبل اتفاق أوسلو، وما زال الاحتلال يرفض الإفراج عنهم حتى اليوم.

فعالية اليوم الوطني لاسترداد جثامين الشهداء بنابلس (الجزيرة)

شروط إسرائيل للصفقة

تحدثنا مع محمد أبو علاّن ضراغمة المختص بالشأن الإسرائيلي، ليخبرنا عما يطرحه الاحتلال مقابل الإفراج عن جنوده الأسرى في غزة، ويرى أنه بعد الانتقادات الحادة التي أعقبت صفقة وفاء الأحرار الأولى مقابل "شاليط" حاولت الحكومة الإسرائيلية بكل قوة خفض توقعات المقاومة من أي عملية تبادل قادمة تتعلق بالجنود الأسرى في غزة، وكانت تطرح دائما أنه لا يمكن إطلاق أسرى أحياء مقابل جنود قتلى لكونهم يدّعون أن جنودهم قد قتلوا خلال المعارك.

كما حاولت حكومة الاحتلال -حسب ضراغمة- استغلال الحصار على غزة لمقايضة رفعه مقابل الجنود، بمعنى تحسين ظروف الحياة المعيشية وإدخال البضائع لغزة. حتى إن الأمر وصل بهم لاستغلال جائحة كورونا، ومحاولة طرح إدخال معدات ولقاحات ضد فيروس كورونا مقابل الجنود.

عدا محاولة الاحتلال الحالية ربط إطلاق الجنود مقابل التهدئة ووقف إطلاق النار، للتقليل من أعداد الأسرى الفلسطينيين الذين من الممكن أن يطلق سراحهم بأي صفقة ممكنة، أو حلحلة أي أمور عالقة أخرى بين الجانبين، ولكن كما يقول ضراغمة- التجربة أثبتت أن الاحتلال دائما يتراجع مع المقاومة بشكل عام، والمقاومة الفلسطينية بشكل خاص.

ويذكر ضراغمة أنه عام 2006 بعد أسر حزب الله جنود الاحتلال جنوب لبنان، قال إيهود أولمرت (رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها) إنه لن يتفاوض مع ما أسماها المنظمات الإرهابية، وأنه سيعيد جنوده بالقوة، ولكن في النهاية اضطر للتفاوض معهم.

وكذلك الأمر بعد عملية أسر شاليط، خرج الاحتلال في عملية عسكرية شاملة على غزة، لإعادة جنديه، وطالب جهات دولية بإعادته دون التفاوض. وفي النهاية لم يتفاوض فقط، بل خضع لكامل شروط المقاومة. والتسلسل التاريخي يقول إن الاحتلال يخضع للشروط ويتراجع عن مطالبه مهما كانت، حسب ضراغمة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من حريات
الأكثر قراءة