الطفل الفلسطيني محمد الفاخوري.. ماذا خلف ابتسامته؟

بالابتسامة ذاتها التي ودّع بها أصدقاءه أثناء اعتقاله، استقبل الفاخوري الجزيرة نت بمنزله بعد الإفراج عنه
بالابتسامة ذاتها التي ودّع بها أصدقاءه أثناء اعتقاله، استقبل الفاخوري الجزيرة نت بمنزله بعد الإفراج عنه

بالابتسامة ذاتها التي ودع بها أصدقاءه في باب العامود أثناء اعتقاله يوم الخميس الماضي، استقبل الطفل محمد الفاخوري الجزيرة نت بمنزله في العيساوية بعد الإفراج عنه من مركز تحقيق المسكوبية غربي القدس إلى الحبس المنزلي.

استهل حديثه بالرسالة التي أراد توجيهها بابتسامته العريضة، قائلا "أردت أن أقول لكل العالم إن صاحب الحق لا يخشى من عدوه وإن كان أعزل أمامه.. وأنا حينها لم أملك سوى الابتسامة للرد على اعتقالي وإحاطتي بجنود مدججين بالأسلحة".

استرجع محمد (14 عاما) تفاصيل ذلك اليوم، قائلا إنه ومجموعة من أصدقائه كانوا عائدين من المسجد الأقصى إلى منازلهم، وقرروا الجلوس في باب العامود لاحتساء شراب بارد، وهناك بدأ المستوطنون -الذي كانوا يحملون الأعلام الإسرائيلية- بالاعتداء عليهم ورشقهم بكل ما يحملون من أدوات، فما كان من الجيش -الذي تواجد بكثافة لتفريق المقدسيين المحتجين على وصول عضو الكنيست المتطرف إيتمار بن غفير إلى باب العامود- إلا الهجوم والاعتداء على كل المقدسيين الجالسين على مدرج باب العامود وساحته، وبينهم محمد وأصدقاؤه.

محمد محمود: لوحظ ارتفاع في وتيرة الاعتداء على الأطفال أثناء اعتقالهم (الجزيرة)

إهانة العلم الإسرائيلي

وقال الفاخوري "اعتقلوني ومكثت ساعة في برج المراقبة التابع للجيش في باب العامود، وهناك أغرقوني بسيل من الشتائم، وقالوا لي إنني سأسجن بسبب إهانتي العلم الإسرائيلي بإلقائه أرضا أمام مواطني الدولة، وهي التهمة التي أنكرتها خلال التحقيق".

خلف الابتسامة التي سرقت القلوب، يؤكد محمد أن الأطفال يعيشون ظروفا قاسية جدا أثناء فترة التحقيق، مضيفا "حُرمت من النوم ساعات طويلة، وكنت أنسى ما أقوله في التحقيق خلال ساعات المساء من شدة التعب. تعرضتُ للضرب خلال نقلي من التحقيق إلى المحكمة التي عُرضت عليها 3 مرات".

طلب الفاخوري من المحققين أن يرافقه والده أو محاميه خلال التحقيق -وهو الإجراء الإلزامي أثناء التحقيق مع الأطفال- لكن طلبه قوبل بالرفض، وقال إن المحققين ابتزوه بالطعام لعدم قدرته على تناول منتجات الألبان بسبب مشكلة صحية في معدته، وتعمدوا طوال فترة اعتقاله تقديم هذا النوع من الطعام فقط، وسأله المحققون مرارا "اشتقت لطعام أمك أليس كذلك؟".

مداهمة الزنزانة التي يقبع فيها القاصرون وتفتيشها مرارا خلال ساعات نومهم، وتعمد تشغيل مكيف الهواء بدرجات حرارة متدنية دون توفير أغطية مناسبة، من الأمور التي عانى منها محمد ورفاقه أيضا.

ختم محمد حديثه للجزيرة نت بقوله إنه لم يخرج من الاعتقال كما دخل، فهو الآن مقيد الحركة، وقد يتعرض للاعتقال في أي لحظة وبحجج واهية، كما اعتقل سابقا لمجرد مروره بدراجته الهوائية في حيّ اندلعت فيه المواجهات في بلدة العيساوية.

رهام الفاخوري قالت إنها شعرت بالزهو عندما شاهدت صور نجلها شامخا مبتسما أثناء اعتقاله (الجزيرة)

شعور بالفخر

أنصتت والدته رهام الفاخوري لكل ما قاله طفلها، وقالت إنها شعرت بالفخر عندما شاهدت صور نجلها شامخا مبتسما أثناء اعتقاله، وإنها رغم اعتيادها على اعتقال محمد وشقيقه الأكبر صالح (16 عاما) فإنها تُحرم النوم خلال وجودهم في مراكز التحقيق التي تتوجه إليها في كل مرة وتطلب مرافقة طفليها، ويقابل طلبها بالرفض.

تقول: "كبر أبنائي قبل أوانهم وخاضوا تجارب قاسية تمنيتُ ألا يخوضوها، وأصعب ما أواجهه في كل مرة عندما يتم تحويلهم فيها للحبس المنزلي هو تحويلي من أم إلى سجانة عليهم.. في السجن يعرف الأطفال أن بابه مغلق ولا يمكنهم الخروج، لكن في الحبس المنزلي الباب أمامهم مفتوح لكن لا يمكنهم الخروج منه".

وبالإضافة إلى الإفراج عنه بشرط الحبس المنزلي، فإن والديه وقّعا على كفالة مالية بقيمة 6 آلاف شيكل نحو (1800 دولار أميركي) في حال خرق هذا الشرط أو تواجد في أي منطقة مواجهات بالقدس حتى نهاية الشهر الجاري.

محامي هيئة شؤون الأسرى والمحررين محمد محمود، أشار إلى أنه ومنذ اندلاع الهبة الشعبية الأخيرة في مدينة القدس مطلع شهر رمضان الماضي، لوحظ ارتفاع في وتيرة الاعتداء على الأطفال أثناء اعتقالهم، واستخدام العنف النفسي والجسدي المفرط ضدهم، بالإضافة لتعمد تثبيت الأصفاد الحديدية والمرابط البلاستيكية بأيديهم من الخلف، واللجوء إلى اعتقالهم من أسرّتهم في ساعات الفجر.

حسن فرج: كل صورة تُنشَر لطفل وهو يبتسم أثناء اعتقاله، وراءها فصول من التعذيب والآثار النفسية السلبية عليه (الجزيرة)

آثار نفسية عميقة

أما المرشد النفسي حسن فرج، فأوضح للجزيرة نت أنه لا بد من الالتفات إلى أن خلف كل صورة تُنشر لطفل وهو يبتسم أثناء الاعتداء عليه واعتقاله، فصولا من التعذيب والآثار النفسية السلبية عليه.

وأضاف "الأطفال يطورون آليات مقاومة ومواجهة للمحتل لتعزيز صمودهم أمام آلة الاستعمار، ومن هذه الآليات: الابتسام لحظة الاعتقال، ليقولوا لعدوهم إننا لن ننكسر أمامك مهما فعلت، لكن ذلك لا ينفي أن لهذه التجربة نتائج قاسية عليه وعلى أسرته".

ومن أبرز الأعراض التي تظهر على الأطفال بعد تجربة الاعتقال والتحقيق، وفقا لفرج: اضطرابات النوم والعصبية المفرطة والفكر المشوش دائما، بالإضافة إلى أن "الأطفال يشعرون بعد الخروج من هذه التجربة أنهم أصبحوا رجالا، وقد يؤدي ذلك لتسربهم من المدارس، وتسقط فكرة أن الوالد هو الحامي لطفله لأنه لم ينجح في تحريره من الاعتقال، فيتمرد بعض الأطفال على الآباء ويرون أنهم قادرون على حماية أنفسهم بعيدا عنهم".

من الأعراض السلبية الأخرى وأكثرها انتشارا، هو أن الطفل يستعيد شريط أحداث تجربة الاعتقال والتحقيق بشكل لا شعوري، وهذا يسبب له الهلع والخوف والكوابيس والهواجس ليلا، فيضطرب نومه وبالتالي تتأثر الساعة البيولوجية وعلاقته بالزمان والمكان والمحيط بشكل تلقائي.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

“لا للإبعاد عن الأقصى” حملة أطلقها مبعدون عن المسجد الأقصى بمساندة نشطاء، لرفض سياسة الإبعاد التي تتبعها سلطات الاحتلال في حق الفلسطينيين -وتحديدا المقدسيين- من خلال منعهم من دخول المسجد الأقصى.

قالت مؤسسات حقوقية إن سياسة الاعتقال الإداري التي تمارسها إسرائيل بحق المعتقلين الفلسطينيين ترقى لاعتبارها جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، ودعت للعمل على إنقاذ حياة الأسرى المضربين عن الطعام.

14/6/2021
المزيد من حريات
الأكثر قراءة