ميدل إيست آي: المسيحيون السوريون يقولون إن الأسد "أخذهم كرهائن"

الرئيس السوري بشار الأسد خلال زيارته قرية معلولا المسيحية بالقرب من دمشق (أسوشيتد برس-سانا)
الرئيس السوري بشار الأسد خلال زيارته قرية معلولا المسيحية بالقرب من دمشق (أسوشيتد برس-سانا)

يقول أعضاء من الأقلية المسيحية في سوريا الذين يعيشون الآن في المنفى، إن بشار الأسد تلاعب بالمجتمع أثناء قمعه للمعارضة.

وقال الكاتب سفيان أوبين، في تقريره الذي نشره موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، إنه بعد مرور 5 أعوام ما تزال نجوى (التي رفضت الكشف عن اسم عائلتها خوفا من الملاحقة) تتذكر شعورها بالغثيان عندما ناشدت ضابطا سوريًّا للحصول على معلومات عن ابنها المفقود هاني البالغ من العمر 16 عاما.

علمت نجوى فيما بعد ما حدث من صديق له، فقد أخبرها نبيل، البالغ من العمر 18 عاما، أن رجلا يعمل مع الجيش السوري جند الشابين للانضمام إلى القوات المتمركزة في مطار الطبقة العسكري، شمال محافظة الرقة، لصد هجوم من تنظيم الدولة. ونقل نبيل لنجوى قول المجند: "أنتم المسيحيون صفوة أمتنا، لقد اختاركم بشار الأسد للقتال".

في اليوم التالي، انسحبت وحدتهم إلى قرية إسرية الخاضعة لسيطرة الحكومة في محافظة حماة. لكنهم لم يصلوا قط، فبعد اللجوء لليلة في مزرعة بالقرب من القاعدة الجوية، تعرضت الوحدة لهجوم من قبل تنظيم الدولة مرة أخرى، وكان نبيل من القلائل الذين نجوا من الرصاص، بعد اختبائه في سيارة، بينما لم يتم العثور على هاني.

قالت نجوى -والدموع تنهمر في عينيها وهي تجلس في مقهى هادئ في الحي اللاتيني بباريس، تروي قصتها للصحفي لأول مرة- "والأسد يجرؤ على القول إنه يحمينا؟!".

غالبا ما يتم تصوير المسيحيين السوريين على أنهم يدعمون الرئيس بشار الأسد طوال الانتفاضة التي بدأت في 15 مارس/آذار 2011، والتي تصاعدت إلى حرب استمرت 10 أعوام. لكن بعيدا عن دمشق، في فرنسا، يروي اللاجئون المسيحيون الذين نجوا من الحرب قصة أكثر تعقيدا.

التسلسل الهرمي

مع أن جزءا كبيرا من القيادة المسيحية في سوريا اختار بالفعل الوقوف إلى جانب الحكومة السورية، فإن أعدادا لا تحصى من المسيحيين السوريين لا تدعمها، بينما كان آخرون أعضاء نشطين في المعارضة.

لقد أثّر الصراع على المجتمعات المسيحية بشدة. عندما اندلعت الحرب في عام 2011، كان عدد المسيحيين 2.2 مليون نسمة، لكنه انخفض إلى 677 ألفا في عام 2021، وذلك وفقا لمؤشر اضطهاد المسيحيين في بلدان العالم الذي نشرته المنظمة غير الحكومية "أوبن دورز". وبغض النظر عن ذلك، فإن الأسد، وهو علوي، يقدم عائلته كحليف للأقليات في سوريا.

باستخدام فزّاعة الجماعات الإسلامية المتطرفة، تمكّن الأسد من الاحتفاظ بشرعية نسبية بين صفوف بعض الأوساط السياسية الغربية على الرغم من التنصل الرسمي لحكومته من مسؤوليتها في الانتهاكات، وذلك حسب زياد ماجد، عالم سياسي فرنسي من أصل لبناني وأستاذ في الجامعة الأميركية في باريس.

ويقول ماجد إن النظام السوري "أنشأ تسلسلا هرميا اجتماعيا يميز الأقليات التي يُنظر إليها على أنها (مفيدة) -بما في ذلك جزء من الطبقة العليا والمتوسطة السنية- عن الطبقة العاملة ذات الأغلبية السنية في الريف أو الضواحي".

في صيف 2012، عندما تصاعد الصراع في أعقاب مذبحة راح ضحيتها أكثر من 100 مدني في المنطقة الغربية من الحولة شمال غرب حمص، انقلبت حياة الدكتور هيثم سعد رأسا على عقب. تم تصويره وهو يعالج المعارض السياسي رياض سيف، أحد المصابين الذين غمروا المستشفيات في العاصمة السورية دمشق بينما كان الجيش يقمع التظاهرات. وبعد فترة وجيزة، تم اعتقال الجراح من قبل فرع من المخابرات السورية وسجنه.

يتذكر سعد أن العديد من عشرات السجناء الذين يتشاركون زنزانته الضيقة الباردة ماتوا من البرد خلال أشهر الشتاء، بينما نزف آخرون حتى الموت بعد تعرضهم للضرب المتكرر من قبل الحراس.

وقال الرجل البالغ من العمر 60 عاما، "عندما تتعرض للتعذيب بالكهرباء من قبل 5 أشخاص في الوقت نفسه، تفضل أن تموت ألف مرة. حاولت إنهاء حياتي بضرب رأسي بالحائط دون جدوى".

وأضاف "بعد أسابيع قليلة من هذا الجحيم، توسلت إلى معذبي أن يقتلوني"، لكن أحد الحراس اعترض قائلا: "السيد الطبيب مسيحي، لا يمكننا القضاء عليه". وعندما تم الإفراج عن سعد في يونيو/حزيران 2013، علم أن ابنه قُتل على يد قناص موال للنظام بعد أن هرب من الجيش.

حسب مازن درويش، فإن إطلاق النار على مدنيين مسيحيين أو ضربهم حتى الموت أو تركهم ليموتوا في زنازين السجن من قبل السلطة ذاتها التي تقدم نفسها على أنها حامية لهم ليس غريبًا.

لقد اعتقلت السلطات المحامي ورئيس المركز السوري للإعلام وحرية التعبير (وهو منظمة غير ربحية مقرها فرنسا) مازن درويش من عام 2012 إلى عام 2015، وأعلنت منظمة العفو الدولية أنه سجين رأي. هو نفسه من الأقلية العلوية، مثل الأسد، لكن هذا لم يجنبه مصير المسيحيين.

فرّق تسد

أوضح الكاتب أنه في سوريا تحت حكم عائلة الأسد، ربطت الحكومة مصيرها بالأقليات العلوية والمسيحية، مع إعطاء الأولوية لهذه المجتمعات في الوظائف الحكومية أو الامتيازات لتعزيز الدعم.

ويشرح فابريس بالانش، المتخصص في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط ومؤلف كتاب "المنطقة العلوية والسلطة السورية"، أن دمشق "استخدمت" الأقليات الدينية "لبناء نظامها السياسي".

من خلال الانحياز للمسيحيين والطبقة الوسطى المتعلمة والحضرية من جميع الطوائف، كانت نية الأسد تقديم نفسه على أنه أكثر تقدمية من معظم السوريين، كما يشير عالم السياسة زياد ماجد في كتابه "في رأس بشار الأسد".

حتى قبل الحرب، أدى هذا التكتيك إلى استخدام ثنائي للعنف. وأشار الكاتب إلى أن باسل خوري، الذي سُجن لمدة عامين في عهد حافظ الأسد في عام 1987 بسبب صلته بالحزب الشيوعي السوري، يعيش الآن في جنوب باريس. وقال لموقع ميدل إيست آي: "أشعر بأنني سوري أولا ثم مسيحي". يتناقض هدوء الضاحية الباريسية مع ذكرى اعتقاله العنيف في عام 1987 عندما كان طالبا.

ذكر خوري أن "أحد أكبر مخاوف النظام هو تنفير الأقليات، ولا سيما الطائفة المسيحية، التي تتكوّن في معظمها من المتعلمين، فهم يريدون تجنب انتشار وعي سياسي عدائي".

لاحظ خوري المحاباة التي كان يحظى بها في حياته اليومية كمسيحي في سوريا، خاصة أثناء الحرب. وقال إنه كان ليمر بمحنة لو كان اسمه محمد، في إشارة إلى عمليات التفتيش المتكررة التي تقوم بها الشرطة والإهانات التي يواجهها العديد من المسلمين السوريين.

أعربت نجوى عن تحرجها من مظاهر التمييز التي تلقتها في البلاد، مثل سماح الموظفين الإداريين لها بتخطي الطوابير، وتجاوز سيارتها لنقاط التفتيش دون فحص، وقالت إنها كانت تلمح الغضب في عيون الآخرين من حولها.

أشار زياد ماجد إلى أن تلك المحاباة التي أثارت الاستياء ضد الأقليات الدينية كانت خطوة متعمدة من قبل مسؤولي الدولة، ذلك أن "تأجيج هذا العداء يسمح للحكومة بالادعاء بأنها منقذة الأقليات التي تواجه كراهية الأغلبية السنية، بينما توهم المسيحيين بأنهم يحظون بالأفضليّة".

من خلال التمييز ضد المواطنين السوريين ودعم الطائفية على الرغم من خطابه العلماني، زعم الحكم البعثي في عهديْ حافظ وبشار الأسد أن له دورا لا غنى عنه في إخماد نيرانٍ أضرمها بيديه.

الورقة الرابحة

نادرا ما ظهر الأسد خارج دمشق في فترة الحرب. لكنه في عيد الفصح لعام 2014، اختار الظهور في قرية معلولا المسيحية رفقة بعض رجال الدين، وذلك بعد أيام قليلة من استعادة القرية من قبضة المتمردين. لم يساور المسيحيين السوريين أدنى شك أن الطرف المستهدف بهذه الصور التي تم بثها حول العالم كان الغرب.

يبدو أن جهوده آتت أُكلها في فرنسا على الأقل، التي تمثّل ملجأ لآلاف المسيحيين السوريين. ففي مقال نُشر في صحيفة "لوموند" الفرنسية بتاريخ 20 أبريل/نيسان 2018، وصف أحد عمال الإغاثة الإنسانية منظمة "حماية مسيحيي الشرق" الفرنسية غير الحكومية بأنها "وكالة ضغط ممتازة وغير مكلفة للأسد".

تعززت صورة الأسد كمدافع عن الأقليات الدينية مع صعود تنظيم الدولة في سوريا والعراق في عام 2013. ليصبح العدو المشترك للمجتمع الدولي والأسد، حيث هاجم التنظيم كلّ من لم يتبع تفسيره المتشدد للإسلام السني، بما في ذلك المسيحيون ومجتمع الأسد العلوي.

قال الصحفي تيغران يغافيان إنّ "معاملة دمشق الجيدة للأقليات المسيحية قد تكون للتباهي أمام الغرب، الذي انحاز إلى شقّ المعارضة في الحرب، لكن الأهم من ذلك تلميع حكومة الأسد لصورتها أمام حليفها الإستراتيجي الرئيسي منذ 2015 روسيا".

أشار يغافيان إلى أنّ طبيعة العلاقات الوثيقة التي تربط الكنيسة الأرثوذكسية الروسية بنظيرتها اليونانية في سوريا دينية بقدر ما هي اقتصادية، فقد تلقت كنيسة أنطاكية الأرثوذكسية في دمشق نحو 1.3 مليون دولار من الكنيسة الروسية في 2013.

في 2015، نفّذت الطائرات المقاتلة الروسية غاراتها الأولى على سوريا بمباركة بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية الروسية. وفي ذلك الوقت، ادعى فلاديمير بوتين أنه يدافع عن الطوائف الأرثوذكسية الشرقية، حسب ما ذكر يغافيان في كتابه "أقليات الشرق المنسية تاريخيا".

"أخذنا الأسد كرهائن"

قال السوريون الذين تحدثوا إلى موقع "ميدل إيست آي"، إنّ التركيز الغربي على المسيحيين في سوريا والشرق الأوسط مضلل. صرّح سعد الذي تظاهر في شوارع دمشق إلى جانب مسيحيين ومسلمين على حد سواء بأن "هذه القصص ذات المحور الديني التي تجذب وسائل الإعلام لا تستحقّ كلّ هذه التغطية".

يرى المؤرخ فريدريك بيشون أنّ وجود مسيحيين بين صفوف المعارضة لا يغير من حقيقة أن المجتمع السني هو المحرك الأساسي للثورة في سوريا. وأضاف بيشون أن المسيحيين لم يشاركوا قطّ في الاحتجاجات بشكل جماعيّ. في المقابل، يرى بعض المعارضين المسيحيين أنّ هذه المشاركة الضعيفة دليل على نجاح الأسد في اتباع نهج "فرّق تسد".

أكّدت سميرة مبيض، نائب رئيس منظمة "مسيحيون سوريون من أجل السلام"، أنّ المسيحيين ضحايا للأسد مثل بقية المواطنين، ويتعرضون للاستغلال في الساحة الدولية، موضحة أنه "من خلال تقديمه المسيحيين على أنهم أتباعه وحلفاؤه، أخذنا الأسد كرهائن".

بيّن يغافيان أنّ احتراز المجتمع المسيحي من دعم المعارضة جاء في المقام الأول بسبب هشاشة أوضاعه في سوريا. وفقًا لمسؤول كنسي في دمشق، كان المسيحيون يمثلون 25% من سكان سوريا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتقلّصت هذه النسبة إلى حوالي 5% قبيل الحرب الأهلية في 2011، وواصلت الانخفاض لتصل إلى 3.6% فقط في عام 2021.

ونقل الكاتب عن أحد سكان حلب سابقا، مستخدما اسم "سمير"، أن أبناء الوطن المسلمين يتهمونه كمسيحي بالتعاون مع الأسد، لكنه يحرص على شرح الدور الذي لعبه المسيحيون على مر التاريخ العربي والسوري وحتى الآن، قائلا: "نحن لسنا مهددين من الجماعات الإرهابية فقط، بل نعاني كذلك من ظلم النظام السوري مثل إخواننا المسلمين. ونود أن نعيش في دولة تحترم الحرية والعدالة".

المصدر : ميدل إيست آي

حول هذه القصة

أعرق أحياء دمشق القديمة والتي يشكل المسيحيون غالبيتها أخذت معالمها بالتغير وأصبح رموز كالحسين وزينب واللطميات والمظاهر الشيعية الأخرى تحتل الأحياء المسيحية التاريخية

تثير سياسات النظام السوري لاستمالة الأقليات الدينية وعلى رأسها الطائفة المسيحية أو على الأقل تحييدها عن الحراك الحالي قلق المسؤولين الفرنسيين الذين يريدون التوفيق بين دعمهم المعلن للثورات العربية ودفاعهم التقليدي عن الأقليات المسيحية العربية.

9/2/2012
المزيد من حريات
الأكثر قراءة