المعتقلات المعزولة في روسيا.. إرث سوفياتي يأبى الاندثار

صورة التُقطت في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2005 تظهر سجناء مؤبدين محاطين بحراس أمن أثناء عودتهم إلى زنزانتهم (الفرنسية)
صورة التُقطت في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2005 تظهر سجناء مؤبدين محاطين بحراس أمن أثناء عودتهم إلى زنزانتهم (الفرنسية)

يُظهر الحكم الصادر على المعارض أليكسي نافالني بالسجن عامين ونصف العام في منطقة نائية، أن روسيا لم تتخلص حتى الآن من إرث "المعتقلات السوفياتية". ففي هذه الأماكن المعزولة التي لا تخضع للرقابة، يشكل العنف والعقوبات الجسدية روتينا يوميا.

وفي تقرير نشرته صحيفة "لاكروا" الفرنسية، سلّط الكاتب أوليفييه تاليس الضوء على ما يحدث للسجناء في هذه المعتقلات، بتوثيقه شهادات عدد من المعارضين الذين عاشوا تجارب رهيبة في هذه السجون المعزولة.

أحد هؤلاء دانيس سافارجالي؛ ناشط قضى عقوبة بـ12 شهرا في أحد هذه المعتقلات التي يُشرف عليها النظام الروسي، يقول إنه عاش في أثنائها جميع أنواع الإهانة والإذلال على يد الضباط.

تجريد السجين من إنسانيته

تُعدّ المؤسسة العقابية رقم 6 الواقعة بالقرب من مدينة كيروف، على بعد 800 كيلومتر شمال شرقي موسكو، إحدى أسوأ هذه المعتقلات.

إذ تحيط الحواجز والأسلاك الشائكة بالثكنة المبنية من الطوب الرمادي، وفي كل غرفة ينام 50 سجينا على أسرّة بطابقين. ومن الطابق الثاني، يمكن للسجناء رؤية قمم أشجار الصنوبر وأسطح المصانع، ويزيد غالبا عمر هذه المباني المتهالكة على 50 عاما.

وتروي هذه السجون الروسية قصة معسكرات العمل القسري التي شُيّدت في زمن ستالين حيث لا ينجو من الضرب والإذلال إلا بعض المحظوظين، في حين يتعرض معظم المساجين للتعذيب وشتى أنواع الاعتداءات في عالم تحكمه قواعد وحشية وعبثية، وفقا للكاتب.

ويرى الكاتب أن هذا العالم يعكس صورة روسيا "ذات القشرة الديمقراطية والميول الاستبدادية"، التي لم تتخلص إلى الآن من عبء تراثها السوفياتي.

ويؤكد أيوب تيتييف، مدير مكتب منظمة "ميموريال" الحقوقية في الشيشان، أن هذه المعتقلات "لا تقوم بإعادة التأهيل، إنها تعاقب وتعنّف وتجرّد السجناء من إنسانيتهم".

وقد حُكم على تيتييف، وهو ناشط حقوقي شيشاني، بالسجن 4 سنوات بتهمة حيازة المخدرات، وأُطلق سراحه بشروط بعد 17 شهرا. وأكدت له التجربة أن المعتقل ليس سوى انعكاس لبطش السلطات الروسية وطبيعتها القمعية.

وبمجرد عبور البوابة، يوضع السجناء في الحجر، وهي المرحلة الأولى التي يتم فيها تصنيفهم؛ إذ يُقسم السجناء إلى فئتين، فئة أولى من السجناء المنضبطين الذين يؤدون التمارين الرياضية بشكل جيد ويبحثون عن فرص العمل في المعتقل، وأخرى "متمردة" لا تريد الانصياع للأوامر.

يندرج الناشط السياسي يوري ستاروفيروف، الذي حُكم عليه بالسجن 3 سنوات في المنشأة العقابية رقم 16 بالقرب من نيجني نوفغورود، إثر محاكمة صورية، ضمن الفئة الثانية. ويقيم السجناء المتعاونون في ثكنات أكثر نظافة ويحصلون على حصص إضافية من الطعام، وتعدهم الإدارة باستمرار بالتمتع بإفراج مشروط مقابل مجهوداتهم.

في هذه المعتقلات، لا توجد وظائف للمعارضين وغيرهم من أعداء النظام. ففي إحدى المناسبات، قال أحد الضباط لدانيس سافارجالي عندما وصل إلى المنشأة العقابية رقم 5، وهي أول معتقل يقضي فيه عقوبته "لن تتمكن من الحصول على عمل هنا؛ تخفيف الأحكام لا يشملك".

وقد حُكم على سافارجالي، وهو زعيم جبهة "القبيلة الذهبية" التي تدافع عن إرث شعب التتار، بالسجن بتهمة التحريض على الكراهية.

ذكريات أليمة

من جانبه، يقول المعارض إيلدار دادين إنه لا يستطيع وصف حجم معاناته من تجربة الاعتقال في المنشأة العقابية رقم 7 بجمهورية كاريليا. فقد حُكم عليه بالسجن عامين ونصف العام بتهمة رفع لافتات تنتقد السلطات في الميدان الأحمر في موسكو.

وتعرض إيلدار للضرب من قبل الحراس في اليوم التالي من وصوله إلى المعتقل في سبتمبر/أيلول 2016، بسبب تحريك كاميرا زنزانته التي صورته في دورات المياه. يقول وهو يمسك برأسه "في ظرف دقيقتين دخل الأعوان زنزانتي وانهالوا علي ضربا. في النهاية، غرسوا رأسي في المرحاض".

وتحت وقع الصدمة، دخل في إضراب جوع، وفي اليوم التالي، علّقه السجانون في الأصفاد ويداه خلف ظهره. ويضيف إيلدار "كنت أشعر بأن مرفقيّ سينفصلان عن جسدي، لقد شعرت بألم شديد". بعد ذلك هددوه بأن أحد السجناء سيقوم باغتصابه إذا لم ينه إضراب الجوع.

يتابع إيلدار "في تلك اللحظة، كنت منهارا، لا أستطيع تحمل فكرة التعرض للتعذيب مرة أخرى". وقد تمكّن محاميه من نشر شهادته قبل أن تصدر المحكمة العليا حكما ببراءته عام 2017، ومرّت سنوات لكن تلك الذكريات لم تفارقه.

المنطقة السوداء
ولدى وصوله إلى المنطقة "السوداء" في المنشأة العقابية رقم 12، بالقرب من فولغوغراد، وُضع المعارض ستانيسلاف زيموفيتس مع مدمني المخدرات ورجال العصابات. ويرى زيموفيتس أن القانون الجنائي في روسيا مجرد كذبة، فالنظام ينشر داخل المعتقلات حشودا من المجرمين الذين يفرضون قواعدهم الخاصة داخل كل معتقل. وكما كان الحال في الحقبة السوفياتية، يغذي النظام جوًّا من عدم الثقة، إذ يرى كل سجين في الآخر عدوّا محتملا.

ويقول الناشط السياسي الأوكراني أولكسندر كولتشينكو، الذي حكم عليه بالسجن 10 سنوات بتهمة "الإرهاب"، إلى جانب المخرج أوليغ سينتسوف، إنه كان يفضل البقاء بعيدا عن السجناء الآخرين، لأنه يعتقد أنهم كانوا يتجسسون عليه باستمرار.

ويتساءل كولتشينكو، الذي أُطلق سراحه في عملية تبادل أسرى بين روسيا وأوكرانيا في 7 سبتمبر/أيلول 2019 "يجني السجناء بالكاد 300 روبل (4.50 يوروهات) شهريًا من العمل في صناعة الملابس لشركتي غازبروم وروسنفت؛ فأين تذهب الأرباح؟".

فساد ومخدرات
ويشرح ديما، وهو موظف سابق في سجن موردوفيا، على بعد نحو 500 كيلومتر جنوب شرقي موسكو، كيف يُنعش السجناء منظومة الفساد من خلال توزيع الرشاوى على الحراس.

ويشير ديما إلى أن الحارس يمكن أن يمرر هاتفا جوالا عاديا مقابل 5 آلاف روبل، لكنّ تسريب جهاز آيفون قد يتمّ مقابل 15 ألف روبل، وهو ما يضاهي راتب الحارس الشهري. ويمكن أيضا إدخال الكحول إلى السجن، لكن تمرير المخدرات فيه مخاطرة كبيرة، حسب قوله.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2018، تم تصوير زعيم مافيا وهو يأكل سرطان البحر في شقة بناها في قلب أحد المعتقلات في سيبيريا، وذلك يُظهر حجم الفساد المستشري في هذه المعتقلات الروسية والقدرة على الإفلات من المساءلة، وفقا للكاتب.

وأثناء العام ذاته، طُرد الملازم أليكسي إرماكوف بسبب فتحه تحقيقا في قضية شنق مشبوهة ارتبطت بتهريب مخدرات، وأُرسل المتّهم إلى السجن بتهمة حيازة المخدرات، وفي اليوم التالي وجد مشنوقًا داخل المعتقل.

وقد نبّه الملازم أليكسي إرماكوف رئيسه على أن السجين تعاطى القنب في المعتقل، وأكد له وجود أنواع أخرى من المخدرات في السجن، لكن رئيسه أجابه بالحرف الواحد "دعهم يدخنوا بهدوء". ويعتقد إرماكوف أن "الاتجار بالمخدرات يدرّ كثيرا من المال على أشخاص في المناصب العليا، والتحقيق كان سيُفسد كل ذلك".

عقوبات جائرة
في القانون الروسي، وعلى غرار القوانين السابقة في الاتحاد السوفياتي، يُمنح الضباط ترقيات حسب عدد الانتهاكات التي يكتشفونها داخل المعتقلات، وهذا يشجعهم على أن يصدروا عقوبات جائرة ضد السجناء. وقد تعرض كونستانتين كوتوف، المحكوم عليه بالسجن 4 سنوات لمشاركته في "تجمعات عامة"، لعقوبة إضافية في يناير/كانون الثاني الجاري بسبب ارتدائه قفازات سجين آخر.

ووفقًا للوائح الداخلية للمنشأة العقابية رقم 2، يُمنع أيّ تبادل لأيّ شيء بين المعتقلين. ولاحقا، أثبتت محامية كوتوف أن موكلها كان ينتظر قفازات في بداية الشتاء، لكنها تُركت عمدا في مكتب بريد السجن رغم طلبات موكّلها المتكررة الحصول عليها.

ولجأ كوتوف إلى القيام بإضراب الجوع لنيل حقوقه، لكنّ ذلك قد يعرضه لمزيد من العقوبات. وهذا تحديدا ما حصل لدانيس سافارجالي، حين قام بإضراب جوع لمدّة 31 يومًا للمطالبة بإعادة فتح غرفة الصلاة للمسلمين، لكنّه دفع الثمن غاليا رغم الاستجابة لطلبه، فقد صُنّف عنصرا "خطِرًا وغير قابل لإعادة التأهيل".

يستيقظ السجناء في الساعة 5:30 صباحًا ويتناولون وجبات منخفضة البروتين، وقد فقد دانيس 40 كيلوغرامًا أثناء احتجازه. ففي ظل هذا النظام الشمولي والمراقبة المستمرة بالفيديو، كل "خطأ"، حتى لو كان نسيان رباط الحذاء أو ربطه بطريقة غير ملائمة، يؤدي إلى عقوبة.

بعيدا عن الرقابة
وتعرض سافارجالي للضرب 3 مرات، ويقول إنه تعرّض كذلك للإغراق الوهمي، بسكب الماء على قطعة قماش مبللة وضعت على وجهه. ويضيف "الجزء الأصعب هو عدم الاتصال بالعالم الخارجي".

لم يذكر دانيس سافارجالي أي شيء عن ظروف سجنه لمراقب السجن عند زيارته له، لأنه ببساطة لا يريد إثارة غضب سجانيه والتعرض لمزيد من التعذيب.

وفي الواقع، ليس من السهل مراقبة هذه المعتقلات المعزولة، ومع أن وزارة العدل قامت بتركيب كاميرات مراقبة منذ عام 2010 لرصد الانتهاكات، إلا أن إدارة السجن هي الوحيدة التي يمكنها مشاهدة الصور.

وأخيرا، نشرت المحامية إيرينا بيريوكوفا مقاطع فيديو لسجناء تعرضوا للضرب في سجن ياروسلافل، شمال شرقي موسكو، عام 2018؛ إذ نسي أحد الموظفين إغلاق الكاميرا المحمولة التي يرتديها الحراس في ملابسهم، وأدى ذلك إلى الكشف عن عمليات التعذيب، واعتُقل نحو 20 من موظفي السجن.

فهل روسيا مستعدة حقا لمعالجة المشكلة في هذه المعتقلات؟ يقول القس الأرثوذكسي كونستانتين، إن ظروف الاعتقال تحسنت بوجه كبير مقارنة بالحالة التي كانت عليها عام 1990، لكنّ الرأي العام لا يبالي كثيرا بمصير المعتقلين.

أُطلق سراح دانيس في 4 مارس/آذار 2019، لكنه لا يستطيع العودة إلى وظيفته أو استخدام حسابه المصرفي قبل نهاية فترة الاختبار، التي تستمر حتى 2021، وبسبب الرقابة المفروضة عليه، تخلى عن كل أنشطته الحقوقية.

المصدر : لاكروا

حول هذه القصة

انتقد تقرير للجنة الأممية لمناهضة التعذيب روسيا لفشلها في التحقيق بمزاعم واسعة عن التعذيب، ولزيادة حملات الترهيب والانتقام التي يتعرض لها ناشطو حقوق الإنسان والصحفيون.

تصدرت أميركا دول العالم من حيث عدد السجناء فيها، وفق ما جاء في بيانات منظمة “ذا وورلد برزن بريف” (the world prison brief) التي تعنى ببيانات السجناء والسجون حول العالم.

المزيد من حريات
الأكثر قراءة