يُضربن حتى الموت أو يحرقن.. الساحرات المنبوذات في ملاوي

مطاردة "الساحرات" عمل بدائي شائع خصوصا بالمجتمعات التقليدية (مواقع التواصل)
مطاردة "الساحرات" عمل بدائي شائع خصوصا بالمجتمعات التقليدية (مواقع التواصل)

في ملاوي هذا البلد الهادئ الواقع جنوب قارة أفريقيا، لا تعد مطاردة الساحرات أمرا شائعا، إلا أن التذرع بالمعتقدات القديمة يجعل عددا من النساء يجدن أنفسهن منبوذات من قراهن ويتعرضن لسوء المعاملة إذا لم يتم إعدامهن، رغم ما تقوم به الدولة من جهود لتغيير العقليات في الريف.

وتستعرض صحيفة لوفيغارو (Le Figaro) الفرنسية في تقرير لمارغو بين، بعض هذه العقليات وكيف تحولت بعض النساء إلى ساحرات منبوذات وكيف انقلبت حياتهن إلى جحيم.

ينطلق الكاتب من قصة آني مفولا (60 عاما) التي تقول وهي تتأرجح صاعدة بصعوبة بالغة السلم المؤدي إلى بيتها "لو كانت لدي حقيقة قوى سحرية، لطرت مباشرة إلى باب منزلي" مشيرا إلى أنه لا أحد يجرؤ على الاقتراب منها للمساعدة غير شقيقها سعيدي "إنه دائما موجود من أجلي. إنه الوحيد" كما تقول العجوز.

كانت آني أرملة هادئة، قبل أن تعاني منذ حوالي 10 سنوات من أسوأ وصمة عار اجتماعية في بلدها، بعد أن غدت متهمة في زاليرانا الصغيرة بأنها ساحرة القرية.

كانت بداية قصتها كما تروي أنها فاجأتها ضوضاء عالية وهي تستريح قرب منزلها "رأيت حشدا يتجه نحوي مباشرة، وبدأ حشد القرويين يرشقونني بالحجارة وهم يصرخون بالشتائم والتهديدات". بالكاد نجت بعد أن تحصنت في منزلها وطلبت الشرطة، وهي تقول بلغة شيشيوا السائدة في البلاد "أحياناً أصاب بالذعر، وأقول لنفسي إن الأمر سيبدأ من جديد، وإن الجيران سيهاجمونني جميعا".

وينبه الكاتب إلى أن قصة آني مشابهة لكثيرين في هذا البلد الملقب باسم "قلب إفريقيا الدافئ" بسبب اللطف الأسطوري لشعبه، حيث صنف الملاويون -حسب مؤسسة العون الخيرية عام 2016- سادس أكثر الشعوب "لطفا". ومع ذلك فإن المجتمع الذي يبدو هادئا ومسالما يختزن كنوزا من العنف والقسوة تستهدف النساء في المقام الأول.

تؤمن الغالبية العظمى في ملاوي بالسحر، و"عندما نذهب إلى الريف لمحاولة توعية الجمهور بعدم شرعية عمليات الإعدام خارج نطاق القانون، يتهمنا الناس بأننا سحرة" كما يقول وندرفل مكوتشي رئيس منظمة ملاوي الإنسانية غير الحكومية المهتمة وحدها بهذا الموضوع.

تتشابه القصص بشكل غريب، فمعظم المتهمين من النساء، وغالبا ما يكن من كبار السن ولديهن إعاقة جسدية. تقول آني التي يبدو أن أطرافها مشلولة "لدي مشكلة في يدي وساقي، ولهذا السبب أعتقد أنهم هاجموني" كما يمكن أيضا أن يكون اتهام شخص ما بممارسة السحر طريقة مناسبة للتخلص من عدو أو امرأة قوية، ويقول سعيدي "آني امرأة متعلمة وذكية، عملت كثيرا في المزرعة وكسبت المال. لقد علمتني كل شيء. يحسدها الكثير من الناس".

الساحرة خطر على الصغار

على مرمى حجر من آني، تعيش إليزابيث (30 عاما) التي جاءت للاحتماء في زاليرانا بعد أن هربت من منزلها على بعد بضعة كيلومترات، والسبب أن زوجها وفر لها أسلوب حياة أفضل بكثير من أسلوب حياة نساء القرية الأخريات، وهي تعرف القراءة والكتابة، وبالتالي اتُهمت بتعليم الأطفال التعاويذ، ونجت بصعوبة من الموت.

ليس بعيدا من هذا المكان، تسير بلسينغ (35 عاما) -التي شاركت في الهجوم على آني ورمت الشرطة التي جاءت لإنقاذها بالحجارة- حاملة وليدها على ظهرها بين الحقول، وتقول "كنت خائفة على أطفالي. الساحرات تشكلن خطرا على الصغار".

تقول بلسينغ إنها غيرت رأيها، وتعترف قائلة "لم تقع حادثة في القرية، ولا (يوجد) أطفال مسحورون. أقول لنفسي إنه لو كانت آني تتمتع بالسلطات فعلا، لكان هناك شيء ما".

قضاة وشرطة يؤمنون بالسحر

تتذكر ثوكو شيكوندي، المصورة التي تعيش في العاصمة الاقتصادية بلانتير، أن جدتها لأمها اتهمت بممارسة السحر، إذ "مات جميع أطفالها باستثناء أمي، واعتقد جيرانها أن الأمر مريب" وهي لا تنسى تلك الليلة التي أُرسلت فيها أختها الكبرى على عجل لتعود بجدتها إلى المدينة سرا من القرية، حيث كان من المقرر في اليوم التالي أن "يحاكمها مجلس القرية ثم تعدم على الأرجح".

في كثير من الأحيان -كما تقول المصورة- تُضرب "الساحرات" حتى الموت أو يحرقن حيات، وتنهب منازلهن ثم تضرم فيها النيران، ولأن "النساء هن ضامنات المجال المنزلي، يتم إلقاء اللوم عليهن كلما حدث شيء للأطفال" وهذا هو السبب أيضا في اتهام آني وإليزابيث والعديد من النساء بسحر الأطفال أو تعليمهم السحر.

ورغم أن قانون السحر الذي صدر عام 1911، أثناء الاستعمار البريطاني، ينص على أن القوى الخارقة المفترضة ليست جرائم، فإن العديد من "الساحرات" وبعض "السحرة" يقبعون في السجن بتهم باطلة، لأن "بعض القضاة والشرطة يؤمنون بالسحر" كما يقول زندرفل مخوتشي متأسفا.

ومع ذلك، فإن إبقاء هؤلاء الأشخاص في السجن أيضا وسيلة لحمايتهم -كما يرى هذا الناشط- وزنازينهم تشكل ملجأ لهم، خاصة أنه في حالة عدم وجود مرافق رعاية للمسنين والمعوقين، تقع مسؤولية العناية بهم على عاتق الأسر، في حين يصبح المتهمون بالسحر منبوذين.

الاتجار بالأعضاء

قد تكون آني مفولا محظوظة، فقد تمكنت من العودة للعيش مع شقيقها -كما يقول الكاتب- لكن العديد من الجدات الأخريات لم يكن لديهن نفس الاستقبال، ومع ذلك يحاول أنصار حقوق الإنسان في ملاوي التوسط بين السلطات وأقارب المدانين، لعل "السحرة" يطلق سراحهم، غير أن هذ العملية قد تستغرق 5 سنوات.

ورغم أن مزاعم السحر يمكن أن تثير حنق القرية، فإن "الأطباء السحرة" يحظون بشعبية بين رجال الأعمال والسياسيين الذين يدفعون بسخاء مقابل جرعاتهم التي يعتقدون أنها قد تجلب الرخاء.

وفي يناير/كانون الثاني الماضي دعا عاملا إغاثة إيرلنديان يديران عيادة للمصابين بالمهق حكومتهم إلى الضغط على السلطات الملاوية، بعد اختطاف أحد مرضاهم وتقطيع جسده من أجل ممارسة السحر.

يؤكد هنري مانغو، الصحفي الاستقصائي في العاصمة ليلونغوي -الذي حقق في هذا الموضوع منذ فترة طويلة- أن "الاتجار بالأعضاء البشرية وأجزاء الجسم أمر شائع جدا في ملاوي، حيث إنها الأجزاء الأساسية للطقوس الغامضة".

يقول إن صعوبة القضاء على هذه الظاهرة تزداد لأن قلة من رؤساء القرى، و"وجهاء الدين" الآخرين، مستعدون لتغيير عقليتهم، حيث قاد رئيس قرية آني السابق الحشد إلى منزلها، وقد يقول القس لأحد أتباعه إذا اشتكى من البطالة الطويلة أو المرض "إن عجوزا في قريتك سحرتك. يجب القضاء عليها".

ومنذ نهاية عام 2020، يعمل المحامون والزعماء التقليديون وغيرهم من أعضاء المجتمع المدني على تعديل قانون السحر، خاصة لتجريم الاتهام بالسحر من قبل السلطات الدينية.

في عام، أبلغ ماثيو ثيو، رئيس لجنة مراجعة القانون، عن نتائج دراسة نادرة أجرتها اللجنة حول معتقدات الملاويين، فوجد أن الغالبية العظمى من المستجيبين قالوا إنهم يعتقدون أن "الساحرات يمكن أن تصبحن غير مرئيات، ويطرن في الهواء في سلال سحرية، ويتجولن في الليل عاريات في القرى".


حول هذه القصة

المزيد من حريات
الأكثر قراءة