مخاوف عالمية متنامية.. هل تمهد أزمة كورونا الطريق لظهور عصابات جديدة؟

العمل القسري والاستغلال والاتجار بالبشر والعبودية الحديثة تعني جميعها الشيء ذاته.. وتظل الحقيقة مرتبطة بالفقر والفرص المحدودة والظروف الاجتماعية والاقتصادية المتدهورة

عناصر من الجيش الكولومبي يحرسون شحنة من لقاح كورونا (غيتي)
عناصر من الجيش الكولومبي يحرسون شحنة من لقاح كورونا (غيتي)

تطورت السوق السوداء في روسيا على امتداد عقود، وتسبب ذلك في تحويل فجوات الاقتصاد الموجه إلى قوة إجرامية، وأتاح الوضع الراهن الجديد للسوق السوداء فرصة مذهلة للتوسع وتعزيز نفوذها.

وقال الكاتبان ليندسي كينيدي وناثان بول ساوثرن في تقرير نشرته "مجلة فورين بوليسي" (Foreign Policy) الأميركية إن روسيا ليست الدولة الوحيدة التي تعاني من هذه الآفة، فبدءا من إيطاليا ووصولا إلى اليابان، تتشارك الجريمة المنظمة خلفيات مماثلة، حيث ظهرت العصابات لاستغلال احتياجات محلية معينة، وتعززت سلطتها أكثر مع تعرض البلدان لأزمة اقتصادية أو سياسية خطيرة.

ونظرا لأن الموجة الثانية من جائحة كوفيد-19 قد دمرت الاقتصاد العالمي، مما منع الناس من العمل وإعالة أنفسهم في البلدان التي عجزت فيها الحكومات عن مكافحة تداعيات الوباء وتحسين الأوضاع، فإن بعض عصابات الجريمة المنظمة الناشئة هذه سمحت لنفسها بالفعل بالاستيلاء وفرض سيطرتها على التجارة وعلى السياسة أيضا.

قال ميشا غليني، مؤلف كتاب "مكافيا"، إنه "بمجرد أن تنقشع سحابة الوباء في نهاية المطاف، وفي ظل إفلاس آلاف الشركات، سيكون الوضع الاقتصادي هشا ومنهارا تماما، حيث لن تكون الدولة قادرة على إدارته. وبناء على ذلك، سترى المنظمات الإجرامية أن الفرصة سانحة للإدارة نيابة عنها".

وأضاف غليني أنه في مناطق من المكسيك استغلت العصابات بالفعل الأزمة لتعزيز سلطتها والإعلان عن جهود الرعاية الاجتماعية الخاصة بها، ولكن الوضع كان "مقلقا للغاية" في دول مثل جنوب أفريقيا والبرازيل والهند، التي تتميز "بكثافة سكانية عالية ومنكوبة، وتكون في بعض الحالات مسلحة جيدا".

وأشار ريكارد غالكيبرو، المتخصص الفلبيني في جامعة "سانت أندروز"، إلى أن عصابات الجريمة المنظمة تميل إلى استغلال الفراغ الذي تخلفه الخدمات العامة التي لا تستطيع الحكومات توفيرها، والاستفادة منها.

عصابات الجريمة المنظمة تميل إلى استغلال الفراغ الذي تخلفه الخدمات العامة التي لا تستطيع الحكومات توفيرها (غيتي)

ظهور عصابات جديدة

لكن المخاوف المتنامية تتعلق بحقيقة أن الأزمة الحالية ستمهد الطريق لظهور عصابات جديدة، مثل قوات كولومبيا المسلحة الثورية (فارك) أو المسلحين في أيرلندا الشمالية، والتي من شأنها أن تلغي الخط الفاصل بين الجريمة المنظمة والعسكرة، كما بإمكانها أن تستمد التمويل من الصناعات غير المشروعة المربحة للغاية لدعم طموحاتها السياسية.

وأوضح غليني "نحن متيقظون في جميع أنحاء العالم ونبحث عن أي مؤشرات على الاضطرابات السياسية أو المدنية، لأنه إذا اندلعت الاضطرابات بالفعل، فإنها ستؤدي بلا شك إلى ظهور منظمات إجرامية جديدة أو ستحاول المنظمات الإجرامية الموجودة استغلال ذلك الوضع".

وتابع "لا تتعلق المشكلة بالإجرام فحسب، بل ترتبط بالاستقرار السياسي العام. ويقع اللوم الأساسي على عاتق الدولة لعدم قدرتها على تخصيص موارد كافية لتقديم الخدمات المناسبة، بما في ذلك خدمات الشرطة لتلك المجتمعات".

وأوضح الكاتبان أنه مع استمرار تمرير ثلثي الكوكايين من أميركا الجنوبية إلى أوروبا عبر أفريقيا، فإن البلدان الأخرى التي تحكمها أنظمة ضعيفة وغير مستقرة اقتصاديا في منطقة الساحل الغربي، مهددة بالاستسلام لسيطرة الجماعات العنيفة التي تتمتع بنفوذ مالي وعلاقات متينة مع الجهات الفاعلة.

تداعيات كوفيد-19 الاقتصادية

ويحذر جيسون إيلي، عضو المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، من أن السمات الجغرافية والهياكل الحكومية سهلة الاختراق يمكن أن تجعل بعض الدول الأفريقية أكثر عرضة لتغلغل عصابات الجريمة المنظمة فيها، وسط التداعيات الاقتصادية الناجمة عن تفشي جائحة كوفيد-19.

وفي ظل ارتعاب العديد من الأشخاص من تعامل قادتهم غير المرضي مع 3 تهديدات، وهي فيروس كورونا، والمجاعة، والعنف السياسي، بدأت العصابات الصغيرة في تقديم يد المساعدة.

وقالت ماري هاربر، محررة "بي بي سي BBC" في أفريقيا، إن حركة الشباب المجاهدين جربت شيئا مماثلا بعد مجاعة 2011، حيث وزعت الإمدادات وساعدت المجتمعات المتضررة بشدة في محاولة منها لتعزيز نفوذها ورأس مالها الاجتماعي. مع ذلك، فإن الخطأ الذي ارتكبته الجماعة في ذلك الوقت تمثل في منع وصول المساعدات التي تقدّمها المنظمات الإنسانية، مما جعلها تخسر دعم المجتمع.

هذه المرّة، لا منافس لحركة الشباب المجاهدين، خاصة في ظلّ انشغال الدول المانحة بمحاولة السيطرة على الأزمة داخل حدودها، حيث خفضت بريطانيا ميزانية مساعداتها الخارجية، وسحبت الولايات المتحدة آخر جنودها من الصومال في يناير/كانون الثاني. وهكذا أصبح بإمكان حركة الشباب التدخل والسيطرة على عقول الناس من خلال العمل الخيري وتوفير الحماية ومواطن الشغل التي يحتاجها الشعب.

الاتجار بالبشر

بين الكاتبان أنه من أكثر الأعمال المربحة للجريمة المنظمة هي الاتجار بالبشر، خاصة بين الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا. ولكن مع استمرار إغلاق الحدود وتوقّف شبكات النقل، كان هذا القطاع من بين القطاعات غير القانونية والرئيسية القليلة التي شهدت تباطؤًا.

مع ذلك، تدفع الأضرار الاقتصادية المزيد من الأشخاص اليائسين للهروب والبحث عن عمل في أماكن أبعد عبر الحدود المغلقة، مما يجعلهم أكثر عرضة للوقوع في قبضة المتاجرين بالبشر.

وقالت لوسيا بيرد رويز بينيتيز دي لوغو من المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة "يبدو أن معدّلات الاتجار سوف ترتفع بعد انتهاء الوباء مباشرة، وهو ما يحدث عندما تتداخل جميع نقاط الضعف. لدينا بالفعل مستويات عالية من الفقر والتهميش وسيطرة ضعيفة من طرف الدولة. علاوة على ذلك، نعلم أن البلاد ستعاني من ندرة الغذاء بسبب الاضطرابات التي خلّفها كوفيد-19 لسلسلة التوريد الغذائية"، وأضافت أن كل هذا سيؤدي إلى الهجرة والنزوح القسري.

ولا يتطلب الأمر أن تكون الدولة على شفير الانهيار حتى تتمكن جماعة الجريمة المنظمة من السيطرة على جزء منها، بل يكفي أن تكون وظائف الدولة متعطّلة في منطقة واحدة أو أن تقصّر الدولة في خدمة شريحة واحدة مهمّشة من السكان.

أشارت فيليا ألوم، المحاضرة البارزة في جامعة باث التي تركز أبحاثها على المافيا في نابولي بإيطاليا، إلى أنه في الوقت الذي تقلّل فيه الحكومات والبنوك معاملاتها خلال الركود الحتمي، ستكون المافيا واحدة من المجموعات القليلة التي لديها أموال للإقراض. وقالت جماعات المافيا إنه إذا لم تتدارك الدولة الوضع، فإن مرابي القروض سيشكّلون معضلة كبيرة.

بالإضافة إلى ذلك، قالت ألوم "من خلال تركيز الحديث على تدخل عصابات المافيا في الدول الضعيفة، فإننا نقوم بالتعتيم على الإخفاقات التي تحدث في دول أخرى مثل المملكة المتحدة، إذ إن خطوط المقاطعة والعمل القسري والاستغلال والعبودية الحديثة تعني جميعها الشيء ذاته. قد نطلق عليها أسماء فضفاضة، لكن تظلّ الحقيقة مرتبطة بحالة الفقر وبالفرص الهيكلية المحدودة والظروف الاجتماعية والاقتصادية المتدهورة".

وأورد الكاتبان أنه عندما تفشل الدولة في تغطية الحاجات الأساسية وفي توفير الحماية أو الأمن أو الوظائف أو الخدمات الأساسية أو الفرص، تستطيع المنظّمات الإجراميّة التدخّل كمنافسين، وهو ما يشكل تهديدا خطيرا للغاية.

ومثلما قال القاضي الصقلي جيوفاني فالكون، الذي قُتل عام 1992، قبل عام من وفاته، "إن المافيا، في الأساس ليست سوى تجسيد للحاجة إلى النظام والسيطرة على الدولة".

المصدر : الصحافة الأميركية

حول هذه القصة

المزيد من حريات
الأكثر قراءة