ارتفاع الجرائم يهدد شبكة الأمان الأسرية.. من يحمي النساء المعنفات من القتل بلبنان؟

أهالي ضحايا العنف الأسري خلال مظاهرة تطالب بإصلاح قانون العنف الأسري (الأوروبية)
أهالي ضحايا العنف الأسري خلال مظاهرة تطالب بإصلاح قانون العنف الأسري (الأوروبية)

بعد مضي أسبوع على محاولة قتلها على يد زوجها، خرجت الشابة اللبنانية لارا شعبان (24 عامًا) من العناية الفائقة، الثلاثاء 16 فبراير/شباط، ونجت من الموت بـ "أعجوبة"، وفق تعبير وكيلها القانوني، المحامي جعفر شحيمي للجزيرة نت.

وحكاية لارا التي ضجّت بها لبنان، برزت بعد أيامٍ من مقتل اللبنانية زينة كنجو، التي قتلها زوجها خنقًا في 30 يناير/كانون الثاني الماضي، قبل أن يهرب خارج البلاد.

هاتان الشابتان، هما عيّنة من مسلسل جرائم قتل النساء بلبنان، الذي لم توقفه على مدار سنوات حملات التوعية والاستنكار، كما لم يشكل قانون "حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري"، رادعًا للَجم هذه الظاهرة الخطيرة، برأي كثيرين.

أدوات القاتل

ويروي شحيمي قصّة موكلته لارا، التي بدأت فجر 9 فبراير/شباط أثناء توجهها لعملها، وهي ممرضة بأحد المستشفيات، لكنها فوجئت بكمين زوجها الذي جاء لمنزلها حاملا معه سكينا وخنجرا وصاعقا كهربائيا ورذاذا حارقا للوجه، فأصابها بضربات مؤذية وطعنات عدة بالصدر والكبد، أدت لنزيف داخلي حاد، فنجت بعد إسعافها وخضوعها لعمليات جراحية.

ويشير المحامي إلى أنه سيرفع ملفها لقاضي التحقيق بالنيابة العامة، من أجل إصدار مذكرة توقيف وجاهية بحق زوجها، بعد أن بينت التحقيقات معه إثر توقيفه بإشارة قضائية، "أنه كان يحضّر لجريمة قتلها عن سابق تصميم".

وفي الوقت عينه، يخشى شحيمي من تمييع قضيتها "على الطريقة اللبنانية" وفق وصفه، عبر الضغط العائلي لإسقاط حق الضحية الشخصي، ولأن "القضية تعد جناية وليست جنحة، قد يُخلى سبيل المعتدي بعد 3 سنوات كحد أقصى"، وعليه، يعتبر المحامي أن لارا لن تكون محمية كسائر النساء المهددات بقتلهن.

تصاعد العنف

وفي واقع الحال، بدأ لبنان منذ عام 2020 يشهد ارتفاعا كبيرا في نسبة الجرائم الفردية والمنظمة، وربطها مراقبون بتداعيات الفوضى المستشرية والضغط المعيشي والانهيار الاقتصادي وتفشي كورونا، كما ضاعفت كارثة انفجار المرفأ في 4 أغسطس/آب 2020 مأساة اللبنانيين وقلقهم على أمنهم وسلامتهم.

لكن قتل النساء يتصاعد بوتيرة تثير ريبة الحقوقيين والناشطين، وكانت قوى الأمن الداخلي أعلنت عبر وسائل إعلام لبنانية، أنها تشهد خلال فترة التعبئة العامة والحجر المنزلي، ارتفاع نسبة التبليغات عن العنف الأسري على خطها الساخن بنسبة 96.52%.

وهنا، تلفت الناشطة الحقوقية حياة مرشاد، وهي المديرة التنفيذية في جمعية "Fe-Male" النسوية، أن أرقامهم بيّنت ارتفاع جرائم قتل النساء في لبنان بنسبة 107% في عام 2020، مقارنة بعام 2019.

ملاحظات منظمة كفى (مواقع التواصل الاجتماعي)

لا تنفي حياة مرشاد أنّ العنف الذي تتعرض له النساء تضاعف بفعل العزلة المنزلية، ناهيك عن فقدان الوظائف وتآكل قيمة الرواتب، والتي فاقمت جميعها الضغوط التي تتعرض لها أفراد الأسرة، لكنها تعتبر أن قتل النساء، لا يمكن التعاطي معه في سياق أي ملفات أخرى، وترفض وضعها بخانة "العنف الأسري" للتخفيف من وطأتها، "لأنها جريمة قتل موصوفة".

وتعتبر حياة، في حديث للجزيرة نت، أن المنزل أصبح مكانا يشكل خطرا على حياة النساء، لأن تعنيفهن وجرائم قتلهن يرتكبها رجال من العائلة (أب، أخ، زوج أو طليق..)، وتلقي باللوم على بعض الإعلام اللبناني، الذي يفتح الهواء للمعنفين والقتلة لتبرير فعلتهم، كما حصل مع قاتل زينة كنجو.

هذا الواقع، تؤكده غيدا عناني، مؤسسة ومديرة منظمة "أبعاد" التي تعمل على دعم النساء الناجيات من العنف الأسري، وتلفت أن نسبة التبليغات التي وردتهم من نساء وفتيات معنفات يطلبن المساعدة، ارتفعت تراكميا 209% على امتداد أشهر 2020، مقارنة مع 2019، لكنها تجد فيها مؤشرا "على ارتفاع وعي النساء حول مخاطر العنف وأحقية مطالبتهن بالحماية وتوفر خدمات متخصصة لدعمهن".

وترى غيدا -في تصرح للجزيرة نت- أن أزمات لبنان فجّرت السلوك العنفي، لتكون النساء هي الحلقة الأضعف، في ظل الجموح بالعودة للطبيعة البشرية العدوانية، وفقها.

وتعتبر غيدا أن لبنان بدأ يشهد انهيارا كاملا للمنظومة القيمية الضامنة لتوفير أسس الاحترام والاحتواء والتفاعل الصحي واللاعنفي مع الآخر، فـ"ظهر التراجع على مستوى رفض العنف كوسيلة، وتكرست مفاهيم ملكية الرجال للنساء لدرجة اتخاذ بعضهم قرارًا بإنهاء حياتهن".

أزمة القانون

وكان البرلمان اللبناني قد أقر تعديلات في ديسمبر/كانون الأول 2020 على قانون "حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري"، بعد مضي 6 سنوات على إقراره في 2014، وذلك بناءً على اقتراحات قدمتها وزارة العدل، ومنظمة "كفى" الحقوقية والهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية في عام 2018، بغية توفير حماية أوسع لضحايا العنف الأسري.

ومع ذلك، رأى حقوقيون أن القانون ما زال عاجزًا عن تأمين شبكة أمان فعّالة للنساء والأطفال، ومن الملاحظات مثلا التي سجلتها منظمة "كفى"، أن تعديلاته خصصت "الحماية بالنساء فقط دون سائر أفراد الأسرة".

وقانونيا، تعتبر منال ماجد، محامية ومسؤولة الوحدة القانونية في التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني (RDfL)، أن إشكالية لبنان الذي يضم 18 طائفة ونحو 15 قانونا للأحوال الشخصية، هي عدم امتلاك قانون موحد للأحوال الشخصية، لأن الطوائف هي من تحكم، مما يُضعف المساواة حتى بين النساء أنفسهن من طائفة لأخرى؛ بينما تتلاقى مختلف قوانين الأحوال الشخصية على التمييز ضد النساء، وفق تعبيرها.

وتفيد منال للجزيرة نت بأن مشكلة قانون العنف الأسري هي غياب الآليات الواضحة لتنفيذ العقوبات بحق القتلة والمعنفين، مما يسمح للمرتكب بالهروب أو التنصل من جريمته.

ومن خلال متابعتها، لفتت المحامية أن معظم قضايا النساء المعنفات تنشب إثر الخلاف على حضانة الأطفال والطلاق والمماطلة بالمحاكم الدينية، و"غالبًا ما يجري دفعهن للتنازل عن كامل حقوقهن المادية والمعنوية كمقايضة على أمنهن"، وقالت إن "القوانين اللبنانية المدنية تصطدم بقوانين الأحوال الشخصية، مما يؤدي لغياب العدالة والأمان معا".

ما الحل إذن؟

برأي منال، فإن تعقيدات المحاكم الطائفية بلبنان تتشابك بتدخلات سياسية، لذا لن يكون الحل وفقها إلا بإقرار "قانون مدني موحد" لا يتعارض مع الطوائف، لكنه يؤمن حماية عادلة للنساء، والفتيات ما دون 18 عاما، وسائر أفراد الأسرة.

من جهتها، تصرّ حياة مرشاد على ضرورة التنسيق والتواصل بين القضاء والأجهزة الأمنية، لأن "بعض القضاة لا يتعاطون بمسؤولية مع قضايا النساء المعنفات"، وتُذكّر بمقتل السيدة اللبنانية منال عاصي في 2014 على يد زوجها، الذي برر جريمته حينها بـ "فورة غضب"، ثم صدرت أحكام سجن تحفيفية بحقه.

وقالت حياة إن المُعنف حين يجد أن قتل النساء لا تقابله عقوبة صارمة، فلن يرتدع. والحل يكون بـ"الإسراع بالمحاكمات والتشدد بالعقوبات والتعاطي بمسؤولية مع قضايا النساء".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من حريات
الأكثر قراءة