وثيقة سرية.. هل تحولت تونس إلى حارس للحدود البحرية الأوروبية؟

جانب من احتجاجات لأهالي المهاجرين التونسيين المفقودين (ديسمبر/كانون الأول 2012 في وسط العاصمة تونس)
جانب من احتجاجات في العاصمة تونس لأهالي مهاجرين تونسيين مفقودين (الجزيرة)

تونس – يوم 29 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي حطت طائرة قادمة من مطار باليرمو الإيطالي بمطار طبرقة (شمال غربي تونس)، حاملة معها عشرات المهاجرين غير الشرعيين المرحلين قسريا من الأراضي الإيطالية، ومن بينهم الشاب طه حمودة.

رحلة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة بحسب حقوقيين ومختصين في شؤون الهجرة، بعد أن ازدادت وتيرتها خلال الأشهر القليلة الماضية ليصبح مطار طبرقة المغلق منذ سنوات أشبه بنقطة تفريغ حدودية للمهاجرين المرحلين قسريا من أوروبا في إطار صفقة وصفت بالسرية مع السلطات التونسية.

يسترجع طه -في حديثه للجزيرة نت- بكل لوعة وحزن رحلته المحفوفة بالمخاطر حين قرر ركوب زورق الهجرة غير الشرعية من سواحل مدينة صفاقس التونسية نحو جزيرة لامبيدوزا الإيطالية بعد أن ضاقت به السبل للالتحاق بزوجته الأجنبية أمام رفض السلطات الفرنسية تمكينه من تأشيرة السفر بشكل قانوني.

40 شخصا بينهم نساء شاركوه رحلة الموت التي استغرقت 4 أيام بسبب سوء الأحوال الجوية ليصل بعدها القارب المتهالك أو "الشقف" نحو جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، حيث تم استقبالهم في مركز الإيواء لمدة يومين ومن ثم تم إخضاعهم للحجر الصحي في إحدى السفن البحرية الإيطالية لمدة 10 أيام.

رحلة المعاناة الحقيقية كما يرويها طه انطلقت بانتهاء مدة الحجر الصحي، فلم يسعفه الحظ للتسلل من الأراضي الإيطالية نحو فرنسا، بل كانت عربة الترحيلات في انتظاره وقد قيده شرطيان إيطاليان بالأغلال، بعد تفتيش وصفه بالمذل والمهين لكرامته، ليتم نقله إلى أحد السجون، ومن ثم ترحيله إلى تونس بشكل قسري وإجباره على التوقيع على ورقة بهذا الغرض.

يشعر طه بالمرارة والألم لأن كل ما طلبه هو الحق في التنقل والالتقاء بزوجته الفرنسية، لكنه مع ذلك يؤكد استعداده لركوب البحر مجددا مهما كانت العواقب في سبيل لم شمل العائلة، كما يقول.

معالجة أمنية

تكرر مشاهد ترحيل المهاجرين غير النظاميين بشكل قسري بات يؤرق منظمات حقوقية متخصصة في شؤون الهجرة، ومن بينها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الذي عدّ قرار الترحيل انتهاكا لحقوق هؤلاء المهاجرين، خاصة أن بعضهم ينتظر تسوية وضعيته.

ويندد الناطق باسم المنتدى رمضان بن عمر -في حديث للجزيرة نت- بالمقاربة الأمنية التي يعتمدها الجانب التونسي والدول الأوروبية في معالجة ظاهرة الهجرة غير الشرعية، التي ارتفعت وتيرتها خلال الأشهر الماضية، ضاربة بعرض الحائط جميع المعاهدات الدولية بشأن ظاهرة الهجرة والحق الطبيعي في التنقل والسفر.

تؤكد أرقام حديثة للمنتدى التونسي بلوغ عدد المهاجرين غير الشرعيين الحاملين للجنسية التونسية الذين تم احتجازهم في مراكز الإيواء بإيطاليا 2623 من جملة 4387 شخصا، أي بنسبة 59.5%، في حين يستأثر هؤلاء بالنسبة الأكبر في عدد المرحلين مقارنة بجنسيات أخرى.

وشهدت الفترة الممتدة بين الأول من يناير/كانون الثاني إلى 30 أبريل/نيسان 2021 ترحيل 618 مهاجرا تونسيا من جملة 1097 مرحلا من جميع الجنسيات أي بنسبة 56.3%.

بن عمر لم يخف خشيته من إمكانية إبرام تونس اتفاقا غير معلن مع دول أوروبية خاصة فرنسا وإيطاليا، بهدف التسريع في عملية ترحيل المهاجرين غير النظاميين.

وأكد أن السلطات في تونس تعاونت -خاصة مع فرنسا- في تفعيل آلية تسريع الإجراءات القنصلية الخاصة بترحيل المهاجرين التونسيين غير النظاميين، على عكس دولتي الجزائر والمغرب اللتين رفضتا التعاون مع فرنسا في هذا الشأن.

ويضيف: "السياسة التونسية في مجال ظاهرة الهجرة غير النظامية باتت تقتصر على دور حارس الحدود الأوروبية من خلال منح الضوء الأخضر للترحيل القسري وإعادة قبول المهاجرين".

أرقام صادمة

محدثنا كشف -في السياق ذاته- عن أرقام وصفها بالصادمة، بعد منع السلطات التونسية خلال الـ11 شهرا الأخيرة أكثر من 24 ألف مهاجر غير نظامي من الوصول إلى السواحل الإيطالية؛ وهو رقم يمثل أكثر من 55% من العدد الإجمالي للمهاجرين التونسيين الذين تم منعهم على مدى السنوات العشر الأخيرة.

ويقول الناشط الحقوقي إن "تونس باتت اليوم -وأكثر من أي وقت مضى- مستعدة لتقديم التنازلات في مجال قضية الهجرة على حساب سيادتها وكرامة مواطنيها، في سبيل تحقيق بعض المكاسب السياسية"، معتبرا أن هذا التعاون الأمني المريب مع الجانب الأوروبي جعل من جيش البحر وحرس السواحل مجرد عنصر يأتمر بأوامر وكالة حراسة الحدود الأوروبية.

إشادة فرنسية بالتعاون التونسي

وسبق أن أشاد المتحدث باسم الحكومة الفرنسية غابريال أتال -في حديثه لوسائل إعلام فرنسية- بتعاون السلطات التونسية في إجراءات ترحيل المهاجرين غير النظاميين، مشددا على أن بلاده اتخذت قرارات صارمة بشأن إعادة المهاجرين الذين لا يحملون تصاريح بقاء في فرنسا.

ولفت أتال -في المقابلة ذاتها- إلى أن قرار باريس بخفض منح التأشيرات لدول تونس والمغرب والجزائر إجراء عقابي، بهدف حثها على تغيير سياستها والموافقة على إصدار تصاريح المرور القنصلية وترحيل المعنيين إلى تونس.

وقدرت وكالة الأنباء الفرنسية -في تقرير لها- عدد التونسيين المهددين بالترحيل من فرنسا بـ3424 شخصا، بزيادة قدرها 43% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

ويندد بن عمر ببلوغ مرحلة التنسيق الأمني بين السلطات التونسية وحكومات بعض الدول الأوروبية -خاصة إيطاليا وفرنسا- إلى مستويات عالية مع تخصيص رحلات أسبوعية لترحيل المهاجرين غير النظاميين بشكل قسري نحو مطار طبرقة شمال غربي تونس.

ويرى محدثنا أن اختيار هذا المطار البعيد عن العاصمة -الذي يقع في مكان جبلي غير آهل بالسكان- أمر مقصود لضمان سرية عملية الترحيل، بعيدا عن أعين الإعلام والمجتمع المدني والجمعيات الحقوقية.

وبحسب مجدي كرباعي النائب عن التيار الديمقراطي المقيم في إيطاليا والمتخصص في قضايا وشؤون المهاجرين، أسهمت جائحة كورونا -التي ضربت تونس وكانت لها انعكاسات اقتصادية موجعة على معيشة المواطنين- في الترفيع من نسق الهجرة السرية نحو إيطاليا التي باتت تستقطب جميع الفئات والشرائح العمرية بدون استثناء.

ويؤكد الكرباعي -للجزيرة نت- تضاعف نسق الهجرة غير النظامية نحو الأراضي الإيطالية منذ مطلع يناير/كانون الثاني 2021 إلى غاية 30 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي ليتجاوز العدد 15 ألف تونسي؛ وهو رقم لم يسجل منذ تاريخ اندلاع الثورة عام 2011.

LAMPEDUSA, ITALY - JUNE 21: A boat loaded with illegal immigrant is seen on June 21, 2005 in Lampedusa, Italy. Tens of thousands of immigrants land on the Italian coast each year, most of them heading from north Africa on ramshackle boats.In the Mediterranean Sea between Malta and Tunisia, Lampedusa Island is one of the main gateways for illegal immigration from Africa into Europe. According to a report by Amnesty International, Illegal immigrants who land in Italy consistently allege they have been abused, holding centres are overcrowded and no legal assistance is offered. Italian authorities refused to give access to the centres to enable further investigations by Amnesty. The Amnesty International report says 15,647 people were held in the centres in 2004: a 9 per-cent increase on the previous year. (Photo by Marco Di Lauro/Getty Images)آلاف الشباب التونسي استقلوا مثل هذا القارب في هجرتهم إلى أوروبا ليعود أغلبهم القهقرى من حيث أتوا (غيتي)

ويتقاسم محدثنا المخاوف -التي طرحها منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية- إزاء السياسات الأوروبية المنتهجة تجاه قضية الهجرة غير النظامية والتعامل معها بمقاربة أمنية صرفة بالتنسيق مع السلطات في تونس.

يستذكر الكرباعي الزيارات المثيرة "التي لم تبح بأسرارها"، وفق قوله، لكل من وزيرة الداخلية الإيطالية لوتشيانا لامورجيزي، والمفوضة الأوروبية المكلفة بالشؤون الداخلية يلفا يوهانسون واستقبالهما من قبل الرئيس قيس سعيد.

وسبق أن دعا الرئيس التونسي -خلال تلك اللقاءات- إلى معالجة أسباب ظاهرة الهجرة، معتبرا أن الحل يكمن في تعاون مختلف الدول من أجل إيجاد حلول تضمن بقاء هؤلاء المهاجرين في بلدانهم، كما شدد في أكثر من مناسبة على ضرورة اعتماد مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الأمنيّة التي أثبتت محدوديّتها.

ويخشى محدثنا من إبرام صفقات سرية بين الجانبين التونسي والأوروبي ذات صلة بصياغة اتفاقيات ترحيل جديدة وتنقيح أخرى تم إبرامها بين الجانب التونسي وبعض الدول الأوروبية.

شكوك عززها -كما يقول الكرباعي- رفض الخارجية التونسية مطلب النفاذ إلى المعلومات -الذي تقدم به بصفته نائب شعب- بهدف الاطلاع على مضمون اتفاقيات في مجال ملف الهجرة بين السلطات التونسية ونظيراتها الأوروبية.

وثيقة سرية

مشاركة الكرباعي عن طريق الصدفة في فيلم وثائقي إيطالي بعنوان "طريق العودة" الذي يرصد -وفق قوله- ملف ترحيل المهاجرين غير النظاميين، مكنته من الاطلاع على وثيقة سرية تحصل عليها فريق العمل ووقعتها السلطات الإيطالية مع سلطات تونس ذات علاقة بملف ترحيل المهاجرين.

ويصف محدثنا هذه الاتفاقية بالمذلة والمهينة لتونس، معتبرا أنها ألبست الجانب التونسي زي "عون حراسة" للحدود الإيطالية مقابل ثمن بخس لا يتجاوز 8 ملايين يورو سنويا، تحمي بموجبه السلطات التونسية الضفة المحاذية لها من المتوسط عبر تمكينها من اقتناء مراكب وأجهزة رصد للمهاجرين غير الشرعيين ورحلات الهجرة السرية.

ويخشى الكرباعي من أن تتحول تونس خلال الأشهر والسنوات القادمة إلى مركز حدودي متقدم ليس فقط للمهاجرين التونسيين المرحلين قسريا، بل حتى لمن ترفض بلدانهم استلامهم.

المصدر : الجزيرة