صفقة التبادل.. أول وآخر ما تبقى لـ"قمري أريحا" جمعة وأبو خربيش

عاطف دغلس-والدة الاسير محمود ابو خربيش وابن شقيقه يحملون صوره بمنزلهم في اريحا- الضفة الغربية-اريحا- منزل العائلة اريحا -الجزيرة نت16
والدة الأسير محمود أبو خربيش وابن شقيقه يحملان صوره في منزلهم بأريحا (الجزيرة)

ببرواز تهشّم بعض زجاجه وبحبل بلاستيكي ثُبّت بمسمار فوق الحائط، عُلّقت الصورة "اليتيمة" للأسير الفلسطيني جمعة آدم في غرفة الاستقبال بمنزله في مدينة أريحا بالضفة الغربية، ومثلها صور رفيقه في الأسر محمود أبو خربيش.

هذه الصور ذخيرة ذوي الأسيرين الحية وناقوسهم المتقد بأمل حريتهم، مع كل خبر يلوح بالأفق لصفقة تبادل تعقدها المقاومة "لا سواها"، وتعيد بها إلى "مدينة القمر" (أريحا) قمريها الأسيرين بسجون الاحتلال الإسرائيلي قبل أكثر من ثلث قرن.

في الغرفة الخالية من أي مظاهر زخرفية أو صور جمالية، كأي "غرفة ضيوف" فلسطينية، جلس يونس آدم (شقيق جمعة) يحدثنا عن الصورة الوحيدة لشقيقه من داخل معتقله، وعن غيابه الطويل قسرا، وعن ذكريات أريحا ومعالمها الراسخة في ذهن جمعة والمتغيرة واقعا.

وإلى عام 1992 تعود حكاية صورة جمعة، حين سمحت سلطات الاحتلال بسجن الجنيد في مدينة نابلس (شمال الضفة الغربية) للأسرى الفلسطينيين بالتقاط صور تميط عنهم حزنهم ووحدتهم، وتخفف عن ذويهم ألم الفراق.

عاطف دغلس- الصورة الوحيدة للأسير جمعة آدم بسجنه- الضفة الغربية- اريحا -منزل عائلة الأسير-الجزيرة نت1الصورة الوحيدة للأسير جمعة آدم في سجنه (الجزيرة)

الاحتلال وعوامل القهر

ومنذ ذلك الوقت تجمَّدت مفاصل حياة جمعة وعائلته بحلوها ومرّها، فجاءت الصورة -يضيف يونس (50 عاما)- لتواسيهم وتصبّرهم حتى يحين موعد يُلَمّ فيه شتاتهم، ويُفرح قلب أمه التي رحلت عام 2008 قبل ذلك، فكتب جمعة من زنزانته يقول "إن أكثر المواقف صعوبة وألما التي مرّت علي في سجني وفاة أمي".

واستمر مشهد القهر بعد الوفاة، فحُرمت عائلته من الزيارة، ولم يسمح إلا ليونس فقط عبر "تصريح أمني" ومرة في السنة.

ذرف الرجل دمعه، وابيضّت عيناه حزنا وشوقا لأخيه "الذي أفتديه بمالي وحالي وأطفالي، ولأجله أحارب العالم"، كما أردف قائلا.

في عام 1988 وإبان انتفاضة الحجارة الأولى اعتقل جمعة (54 عاما) وأبو خربيش (56 عاما) وثالثهم الأسير المحرر في "صفقة شاليط" أحمد التكروري، بعد أن طوَّق الاحتلال مدينة أريحا وحظر التجوال فيها 5 أيام، وراح يجمع من هم فوق 16 عاما في مدارسها.

واتهمهم الاحتلال بعد 70 يوما من التحقيق "برشق حافلة إسرائيلية كانت تعبر وسط المدينة بالزجاجات الحارقة، والتسبب بقتل يهود"، وحكموا بالسجن المؤبد وهُدمت منازلهم.

وهُدمت منازل لمواطنين آخرين بالمدينة، منها منزل "مريم التكروري" (جدّة جمعة)، حيث ولد وتربى فيه، وكأن الاحتلال يريد محو كل ذكرى جميلة تتصل بجمعة.

أما على الصعيد الفلسطيني فيعيش جمعة ورفاق دربه من الأسرى القدامى بترا من نوع آخر وإسقاطا من أجندة القيادة السياسية الفلسطينية الرسمية، لا لشيء إلا لأنهم أرادوا الحرية لوطنهم، فكان اعتقال جمعة هو الثاني بعد 3 أشهر من تحرره من سجون الاحتلال، ومحمود لم يمض على زواجه بضعة أشهر، وكذلك أحمد كان في مقتبل العمر.

لا اكتراث

وهنا يتساءل يونس عن أهداف الثورة إن لم تحرر أسراها، في إشارة إلى السلطة والقيادة الفلسطينية، ويقول "هل نسي أم تناسى الإطار الرسمي الأسرى؟ فإن كان الاحتلال يعاقبهم، فلماذا نعاقبهم نحن أيضا؟".

ورغم فقده الأمل بأي جهد رسمي يعيد شقيقه، لكنه لا يلبث يحمّل المسؤولين مسؤولية ذلك، بل يذهب إلى اتهام القيادة الفلسطينية بالسماح لإسرائيل "بالتجرّؤ" على الأسرى، بإعطائها إشارات بالتخلي عنهم.

ومنها: الرواتب، وعدم اكتراثها بالمرضى والقدامى منهم، والتلويح بالذهاب إلى محكمة الجنايات الدولية من دون فعل مباشر، "ولم ترفع أي قضية باسم منظمة التحرير أو السلطة ضد الاحتلال لأجل الأسرى".

وتعتقل إسرائيل 4650 فلسطينيا، بينهم 25 من الأسرى القدامى (ما قبل اتفاق أوسلو)، و30 أسيرة، و160 طفلا، وأكثر من 500 أسير مريض.

عاطف دغلس-الحاجة فضة السالم مع عائلتها داخل منزلها باريحا - الضفة الغربية-اريحا -منزل عائلة الأسير-الجزيرة نت10الحاجة فضة السالم (يسار) مع عائلتها داخل منزلها بأريحا (الجزيرة)

وعن حال جمعة في المعتقل، تشحّ معلومات يونس، فهو لم يزره منذ أكثر من 5 سنوات، وقلّما يُسمح لجمعة بالاتصال بذويه. ويتقصّى يونس أخبار شقيقه من الأسرى المفرج عنهم من سجن رومانيم حيث يقبع جمعة، "ويفزع قلبي كلما سمعت خبر استشهاد أسير".

وتحدّى جمعة قيد السجان، فأكمل دراسته الثانوية بالسجن، وواصل، فنال شهادتي البكالوريوس والماجستير في العلوم السياسية.

بين الحرية ومحاسبة إسرائيل

وغير بعيد من منزل جمعة كانت فضة السالم والدة الأسير محمود أبو خربيش تنتظر لقاءنا في منزلها بمخيم عين السلطان، فهي تنتهز الإعلام لتنقل رسالتها إلى العالم وليراها ابنها الأسير، فقد زارته آخر مرة قبل 6 سنين عبر سيارة إسعاف.

وبجسدها المثقل بالأمراض تجرُّ الحاجة الثمانينية فضة عكازها الحديدي لتجلس فوق كرسيها وتتوسط ساحة المنزل حيث راحت تحتضن صورة نجلها الأسير وتدعو الله "أن يحفظه ويردّه سالما"، وأن تضمّه إلى صدرها قبل موتها.

وإن كان ثمة ما يشعر الحاجّة المكلومة بالغصة لعدم اكتراث الجهات المسؤولة الفلسطينية وعدم ضغطها للإفراج عن محمود وأقرانه، فإنها تُعوّل أكثر على "صفقة تبادل تحدثها المقاومة"، وحتى ذلك الحين تصبّر نفسها بأي خبر عن ذلك.

عاطف دغلس-عيد براهمة مدير نادي الاسير باريحا- الضفة الغربية-اريحا -منزل عائلة الأسير-الجزيرة نت11عيد براهمة: الأسيران جمعة وأبو خربيش هما أسرى الكل الفلسطيني والعامل المشترك بين جميع الأسرى (الجزيرة)

ويصف عيد براهمة المدير العام لنادي الأسير الفلسطيني بأريحا (مؤسسة رسمية)، وهو يُقلّنا بمركبته إلى حيث شجرة "الكاوتشوك" (شجرة حرجية) بمنطقة الديوك، الأسيرين جمعة وأبو خربيش "بأسرى الكل الفلسطيني والعامل المشترك بين جميع الأسرى".

ويُحمِّل براهمة -الذي قضى 5 سنوات مع الأسيرين في السجون الإسرائيلية- الكل الفلسطيني مسؤولية تحريرهما، ولا يخفي في الوقت نفسه وقوف العالم عربه وعجمه مكتوف الأيدي تجاه الأسرى وقضيتهم.

وعلى المستوى المحلي، يفتقد الأسرى -حسب ما يؤكد براهمة للجزيرة نت- الغضب الشعبي والتصعيد الذي يبلغ حدّ الاشتباك مع الاحتلال، كما تغيب الإستراتيجية الوطنية للارتقاء بقضية الأسرى بوصفها جرائم حرب أمام المحاكم الدولية لمحاسبة إسرائيل، والأسوأ أنهم كجهات معنية بقضية الأسرى "يفتقرون إلى إستراتيجية وطنية موحدة" تثمر إنجازات حقيقية.
وبوصفها أقدم مدن العالم وباسمها "مدينة القمر" تنتظر أريحا أقدم أقمارها الأسيرين جمعة وأبو خربيش، ليعودا إليها محرّرين ويعيشا آخر ما تبقى لهما من حلم الأحرار.

المصدر : الجزيرة