من الغزو الأميركي إلى قمع الاحتجاجات.. هكذا فقد العراقيون حقوقهم

الناشط الفاروق الصالحي: القسوة وحجم الدماء جعلت العراقيين يقبضون على الجمر لوقف حمام الدم، رغم الواقع المرير الذي يعيشونه (غيتي)

يشهد ملف حقوق الإنسان في العراق حالة من التراجع والتدهور المستمر، بسبب الاضطرابات السياسية والأمنية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

وفي وقت يحتفل فيه العالم باليوم الدولي لحقوق الإنسان في العاشر من ديسمبر/كانون الأول من كل عام، يستذكر العراقيون هذا اليوم بمرارة وسط أزمات مزمنة أدت إلى تغييب أبسط حقوقهم.

حقوق غائبة

ويقول المدير التنفيذي لمركز جنيف الدولي للعدالة، ناجي حرج، إنه من المتابعة اليومية للأوضاع في العراق، يتبين أن المواطن العراقي يئس تماما من أن تضمن السلطات حقوقه وتحميها. بل على العكس، فإن المواطن يرى أن كل حقوقه تنتهك يوميا من أجهزة الدولة ومليشياتها.

ويؤكد حرج -في حديثه مع الجزيرة نت- أن العراقيين محرومون من أيسر حقوقهم، بما فيها إمدادات المياه النظيفة، والرعاية الصحية، والحق في الغذاء، والحق في التعليم، بل إن حقهم في الحياة ينتهك يوميا، ويعود ذلك إلى السياسات التي ينتجها نظام المحاصصة الطائفية القائم منذ عام 2003، والتي أشاعت الفساد في كل مفاصل الدولة وسمحت للانتهاكات أن تتواصل وتتعاظم.

ويضيف أن "الحقيقة الماثلة أمام العيان هي أن العراقي يعيش ظروفا حياتية قاسية. يتحمل المجتمع الدولي جزءا كبيرا منها؛ فبدءا من الحصار الاقتصادي الشديد في التسعينيات إلى الغزو عام 2003، وما تلاه من احتلال، أدى ذلك إلى دمار واسع النطاق بالبلاد، فضلا عن الانهيار الكامل لمنظومة مؤسسات الدولة العراقية".

ويشير حرج إلى أن "العراقي يتعرض إلى انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان، وهي تتكاثر بشكل مخيف بسبب غياب دور السلطة التي تحاسب مرتكبيها، حيث تسود حالة الإفلات من العقاب؛ فتستمر الاعتقالات التعسفية والتعذيب والإعدام ضمن ممارسة ممنهجة. واستخدمت الحملات ضد الإرهاب ذريعة لتدمير مدن وحرق قرى وتهجير سكانها على أسس طائفية، وتستبيح البلاد عشرات المليشيات التي ارتكبت أبشع جرائم القتل والتعذيب والإخفاء القسري لآلاف الأبرياء".

ويستشهد حرج بالعنف المفرط الذي تعرض له شباب العراق في معظم الاحتجاجات التي شهدتها البلاد، خاصة احتجاجات أكتوبر/تشرين الأول 2019، حيث سقط آلاف الضحايا بنيران السلطات.

البياتي بين أن غياب الحقوق سببه عدم وجود سياسة لدى الدولة في حماية هذه الحقوق - الجزيرة نتالبياتي: غياب الحقوق سببه عدم وجود سياسة لدى الدولة لحماية هذه الحقوق (الجزيرة)

ملف شائك

من جانبه، يقول الدكتور علي البياتي، عضو مفوضية حقوق الإنسان في العراق، إن ملف حقوق الإنسان في العراق شائك جدا وفيه كثير من التعقيدات. ورغم أن البلد يحكم بنظام أساسه ديمقراطي، وهناك كفالة لحقوق الإنسان بشكلها العام (المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية) في الدستور العراقي والاتفاقيات التي وقع عليها العراق، فإن ذلك لم يترجم إلى أفعال داخل مؤسسات البلد والالتزام بها.

ويبين البياتي -للجزيرة نت- أن غياب الحقوق سببه عدم وجود سياسة لدى الدولة في حماية هذه الحقوق وعدم إعطائها الأولوية، وهذه الحقوق -حسب العهدين الدوليين- إما حقوق مدنية وسياسية أو حقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية، وفي الجانبين هناك تدهور كبير وعدم وجود رغبة حقيقية في تأمينها.

ويعزو البياتي سبب المفارقة بين الثروات الكبيرة التي يمتلكها العراق وفقدان الحقوق إلى اعتماد العراق على الاقتصاد الريعي، وعدم وجود انفتاح حقيقي في الاقتصاد أو تنفيذ مبدأ السوق الحر داخل العراق وفتح المجال للاستثمارات؛ لتحريك الاقتصاد وتوفير الفرص للشباب.

السنجري أكد أن أبرز الشرائح العراقية التي مستها انتهاكات حقوق الإنسان هي المرأة والطفل وكبار السن - الجزيرة نتالسنجري أكد أن أبرز الشرائح العراقية التي مستها انتهاكات حقوق الإنسان هي المرأة والطفل وكبار السن (الجزيرة)

ويشدد البياتي على أن استعادة الحقوق الأساسية لا يتمثل في اتفاقيات ومبادئ دستور أو قوانين فحسب، ولكن نحتاج إلى تطبيق الديمقراطية بكل أبعادها ومحاربة الفساد وإعطاء أولوية لحقوق الإنسان الأساسية التي يجب ألا يفكر المواطن أصلا فيها، مثل السكن والصحة والتعليم والنقل وغيرها.

ويكشف البياتي عن تدهور أوضاع مفوضية حقوق الإنسان في العراق خلال الأشهر الأربعة الماضية، بسبب عدم وجود رغبة حقيقية في حماية هذه المؤسسة التي تراقب وضع حقوق الإنسان وتحاول أن تساعد أو تدفع باتجاه المساعدة ضد أي تجاوز أو انتهاك لهذه الحقوق.

ويعتبر البياتي استهداف هذه المفوضية دليلا على عدم وجود رغبة حقيقية في حماية حقوق الإنسان، ورغم وجود توصية من رئاسة الجمهورية باستمرار عمل مجلس المفوضين وتأكيد ذلك من قبل ممثل العراق في مجلس الأمن، فإن -في الواقع وبشكل عملي- هناك تحديات وعرقلة كبيرة لعمل هذا المجلس.

قمع الاحتجاجات

ويتحدث الناشط في المظاهرات العراقية الفاروق الصالحي عن تضحيات كبيرة دفعها المحتجون، وصلت إلى حد فقدان السيطرة على محافظات عراقية عدة بعد احتجاجات المحافظات الغربية التي كان ممكن أن تحل بالاستجابة إلى طلبات المحتجين التي تعد أولويات الحياة وأقل قدر ممكن من كرامة البشر.

ويشير -في حديثه مع الجزيرة نت- إلى "آلاف الضحايا الذين سقطوا خلال احتجاجات أكتوبر/تشرين الأول 2019″، ولا تزال آلة القتل والاختطاف والتهديد والترهيب مستمرة ضد ناشطي التظاهرات.

ويبين أن القسوة وحجم الدماء جعلت العراقيين يقبضون على الجمر لوقف حمام الدم، رغم الواقع المرير الذي يعيشونه.

وتابع أن القضايا العادلة لا يمكن أن تنتهي بالفشل، وقد تكون الاحتجاجات التي سبقت أكتوبر/تشرين الأول 2019 لم تحقق مكاسب وانتهت نهايات كارثية -فبعضها انتهى بالخذلان وأخرى بالخيانات- ولكن احتجاجات أكتوبر/تشرين الأول 2019 لم تفشل؛ إذ زلزلت العروش ومسحت الخطوط الحمر وكسرت حاجز الخوف، بحسب تعبير الصالحي.

حرج أكد أن الإنسان العراقي يعيش ظروفا حياتية قاسية يتحمل المجتمع الدولي جزءا كبيرا منها - الجزيرة نتحرج أكد أن العراقي يعيش ظروفا حياتية قاسية يتحمل المجتمع الدولي جزءا كبيرا منها (الجزيرة)

تداعيات كارثية

وعن أبرز التداعيات التي أفرزها غياب الحقوق الأساسية، يشير المتحدث باسم "مرصد أفاد" الحقوقي زياد السنجري إلى أنه مع بداية دخول الغزو برز كثير من ملفات انتهاكات حقوق الإنسان، أعقبها عمليات اعتقالات عشوائية، وبدأت دوامة العنف تدور بالعراق سواء عبر القوات الأميركية أو أجهزة رسمية أو فصائل مسلحة.

ويوضح -للجزيرة نت- أن أبرز الشرائح التي مستها انتهاكات حقوق الإنسان في العراق هي المرأة والطفل وكبار السن، حيث سجل العراق انتهاكات جسيمة وعمليات تهجير وقتل وخطف لسنوات طويلة وتغييرا ديموغرافيا، بل وصل العراق إلى مرحلة جرائم الحرب والإبادة الجماعية، مثل ما حدث في سنجار وجرف الصخر والعوجة وذراع دجلة والكثير من المناطق الأخرى.

ويؤكد السنجري عدم وجود أعداد دقيقة لحجم الخسائر البشرية لكنها كبيرة جدا، وعلى سبيل المثال في محافظة نينوى هناك 96 مقبرة جماعية، حسبما أفاد به مدير صحة نينوى الدكتور فلاح الطائي، وكذلك هناك مقابر جماعية تحتوي من 7 إلى 10 آلاف شخص، مثل مقبرة الخسفة، وكذلك تم العثور على مقابر جماعية في مناطق لم يدخلها تنظيم الدولة، مثل مناطق شرق الفلوجة ومناطق الفرحاتية وغيرها.

ويكشف السنجري عن وجود 50 ألف معتقل، بينهم 25 ألف محكوم بالإعدام، ونحو 25 ألف إنسان مختف قسرا في محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار، ولو كانت هناك تحقيقات دولية ومهنية وشفافة لتم الكشف عن انتهاكات وإبادات حرب جسيمة وقعت في البلاد وما زالت تقع حتى الآن.

ويحذّر من أن العراق في دوامة حقيقية والمخاطر المستقبلية المحتملة في ظل غياب حقوق الإنسان جسيمة، والعراق بحاجة إلى وقفة دولية تتضامن فيها الدول الكبرى، وعلى مجلس الأمن والأمم المتحدة التحقيق بشأن الأشخاص المختفين قسرا في العراق، وكذلك فتح كل الملفات التي أغلقت ضد مجهول وفتح التحقيقات التي تثبت تورط جهات مسلحة من داخل العراق فيها وإدانة هذه التصرفات.

المصدر : الجزيرة