ترحيل السوريين بلبنان يثير انتقادات حقوقية محلية وعالمية

وصف ناشطون الحملات ضد اللاجئين السوريين في لبنان بانها خطاب كراهية
العديد من الناشطين يصفون الحملات ضد اللاجئين السوريين في لبنان بأنها خطاب كراهية (الجزيرة)

بيروت – يعكس السجال حول قضية ترحيل السوريين -الذين يدخلون لبنان خلسة والمحكومين- تباينا في مقاربة ملف اللجوء سياسيا وقانونيا، وذلك منذ تدفق مئات آلاف السوريين إلى لبنان بعد اندلاع الحرب في سوريا.

وبينما تستند إجراءات السلطات اللبنانية إلى قرار مجلس الدفاع الأعلى الصادر في 15 أبريل/نيسان 2019، والقاضي بترحيل السوريين الذين دخلوا لبنان خلسة بعد 24 أبريل/نيسان 2019، تعتبر منظمات حقوقية القرار بمثابة خرق للقوانين الدولية ولا يراعي شروط العودة الآمنة للسوريين.

شهادات حية

عاش السوريان ميسر (29 عاما) ومحمد (21 عاما) العزاوي قلقا كبيرا قبل تراجع الأمن العام اللبناني عن ترحيلهما إلى سوريا، نتيجة الضغط الحقوقي، فأبقى الأول موقوفا وأفرج عن الثاني، وفق إفادة وكيل الدفاع عنهما، المحامي محمد صبلوح للجزيرة نت.

دخل الشقيقان لبنان خلسة، محمد في يناير/كانون الثاني 2017 وميسر في يونيو/حزيران 2018 هربا من الخدمة العسكرية بدرعا، ومن أجل العمل في الضاحية الجنوبية لبيروت.

وفي يونيو/حزيران 2019، قبضت عليهما مخابرات الجيش بتهمة الإرهاب، وحكمت عليهما المحكمة العسكرية بالسجن 3 سنوات.

ويفيد المحامي محمد صبلوح أن اتهامهما بالإرهاب ليس داخل الأراضي اللبنانية، بل استند "لمعلومات عن ارتباطهما بتنظيمات إرهابية، ومشاركتهم بالقتال بسوريا، وتلقي دروس دينية مع تنظيم داعش بعد سقوط بلدتهما الباغوز 2016 وتجولهم بصورة غير قانونية بلبنان".

ويُجابه اللاجئون السوريون الداخلون خلسة للبنان -ومن صدرت بحقهم أحكام قضائية- خطر الترحيل، وفق صبلوح، وثمة مئات رُحلوا قسرا لم تُكشف خبايا قصصهم.

ويشير صبلوح إلى أن الأمن العام يتراجع أحيانا عن قرارات الترحيل بعد إثارة قضيتهم أمام الرأي العام المحلي والدولي.

وفي الرابع من أكتوبر/تشرين الأول 2021، علل بيان مديرية الأمن العام قانونية الترحيل بقرار مجلس الدفاع ونص قانون دخول لبنان والإقامة والخروج منه، الصادر عام 1962، الذي يجيز للمديرية العامة للأمن العام أن توجب على الأجانب في الحالات المتعلقة بأمن الدولة الحصول على سمة دخول.

كما أشارت المديرية إلى أنها تجري حوارا دائما مع المنظمات الدولية، لمساعدة لبنان لتأمين بلد لجوء ثالث لـ"إرهابيين"، لا يمكن للبنان تحمل تبعات وجودهم على أراضيه.

وقال مصدر من الأمن العام للجزيرة نت "نراعي الجانب الإنساني للنازحين، ولا نرحل المهددين بالخطر في سوريا".

تضارب قوانين

وبينما يعتبر الحقوقيون المدافعون عن قرار الترحيل أن "القوانين الدولية تجيز ترحيل شخص يدخل بلدا أجنبيا خلسة، ومن يرتكب جرما يرحل فورا، والعقوبة القضائية تُنفذ ببلده الأم"، تعتبر جمعيات حقوقية أن قوانين الترحيل المستحدثة تخترق توقيع لبنان اتفاقية مناهضة التعذيب، والمادة الثالثة تنص منه على أنه لا يجوز لدولة طرد شخص أو تسليمه لدولة أخرى، إذا توافرت أسباب تدعو للاعتقاد أنه سيتعرض للتعذيب.

وحول هذا الموضوع حاورت الجزيرة نت محامين وباحثات من منظمات دولية، هم ليزا أبو خالد المتحدثة باسم مفوضية اللاجئين بلبنان، وماري فورستي الباحثة الفرنسية المعنية بحقوق اللاجئين والمهاجرين بمنظمة العفو الدولية، والمحامي وديع عقل عضو المكتب السياسي بالتيار الوطني الحر (برئاسة جبران باسيل)، والمحامية من المفكرة القانونية غيدة فرنجية، والمحامية والباحثة شادن الضعيف.

وتلفت ليزا أبو خالد إلى أن المفوضية تتابع تنفيذ قرارات الحكومة المتعلقة بترحيل السوريين الداخلين بشكل غير نظامي بعد 24 أبريل/نيسان 2019، ولا تعلق علنا على أوضاع الحالات نظرا للسرية والحماية الشخصية للاجئين.

وتذكر أن القانون اللبناني يوجب مراجعة الحالات قبل الترحيل؛ و"النقاش دائر مع السلطات حول أهمية المراجعة القضائية (أو الإدارية) المستقلة، لضمان عدم ترحيل لاجئ بحاجة للحماية الدولية".

وأضافت المتحدثة أن وجود آلية للاستماع للمطالبات الفردية وتقييمها، يضمن عدم الإعادة القسرية وضمانات، مثل لمّ شمل الأسرة.

نازحون أم لاجئون؟

بداية الإشكالية بمقاربة الملف تبدأ من عدم توقيع لبنان اتفاقية اللجوء الدولية، وتاليا يمنح لبنان السوريين صفة "نازحين" لا "لاجئين"، وطلبت الدولة من مفوضية شؤون اللاجئين وقف تسجيلهم بعد 2015، والأمن العام لا يعترف بأي سوري غير مسجل لدى المفوضية.

ويعتبر وديع عقل أن "القوانين الدولية تجيز ترحيل شخص يدخل بلدا أجنبيا خلسة، ومن يرتكب جرما يرحل فورا، والعقوبة القضائية تُنفذ ببلده الأم"، مضيفا أن مصلحة لبنان تقتضي ترحيل السوريين "لأن الوضع الاقتصادي للبنانيين أشد سوءا، والسوريون يحصلون على مساعدات نقدية بالدولار توازي راتب موظف بعد تآكل نحو 90% من قيمة الليرة".

وتوضح المحامية غيدة فرنجية عدم الصحة القانونية لمصطلح "النازحين"، مشيرة إلى أن السلطات تتذرع بالتسمية لمنع التوطين، بينما الاعتراف بصفة اللجوء لا يعني توطينهم لاحقا. وترى أن وصف السوريين بـ"النازحين" يحرمهم من حقوقهم كالحماية من الترحيل، ويخفف مسؤولية رعايتهم من قبل الدولة اللبنانية.

صلاحيات مجلس الدفاع

ويشدد المحامي وديع عقل على أهمية دور مجلس الدفاع، كأعلى سلطة بالشأن الأمني والقومي، وأن قراراته موجبة وتنفذ عبر أعضائه، ويتألف من رئيس الجمهورية (رئيس المجلس)، ونائبه رئيس الحكومة، وعضوية وزراء الدفاع والداخلية والخارجية والمالية والاقتصاد، وضابط بأركان الجيش.

وقال إن الأمن العام ينفذ قرارات مجلس الدفاع والقانون اللبناني، وإجراءات الترحيل سلوك قانوني صحيح يصب بمصلحة اللبنانيين.

لكن غيدة فرنجية، تلفت إلى أن القانون لم يعط صلاحية الترحيل لمجلس الدفاع ولا للأمن العام، "لأن الإخراج بسبب الدخول خلسة هو عقوبة، وصلاحية القرار للمحاكم، وعند ارتكاب اللاجئ جرما، وجب التحقيق معه ومحاكمته ثم يُتخذ قرار إدانته بالجرم وترحيله كعقوبة".

وتذكر أن استناد الأمن العام لصلاحية مديرها بترحيل أجنبي يشكل خطرا على السلامة العامة.

والأمن العام -وفق فرنجية- لا يراعي الشروط غالبا، والإشكالية "أن سياسات الأجانب واللجوء، تُصاغ وتُنفذ من قبله، بلا رقابة سياسية أو قضائية كافية".

العائدون إلى الموت

شاركت ماري فورستي بتقرير منظمة العفو الدولية "أمنستي" (Amnesty) الصادر في سبتمبر/أيلول 2021 الذي عنوانه "أنت ذاهب إلى الموت.. الانتهاكات ضد اللاجئين السوريين العائدين إلى سوريا".

واستعرض التقرير شهادات لنساء وأطفال ورجال، تعرضوا للتعذيب والانتهاك على يد جنود النظام، واعتبر أن المسؤولين السوريين يتعاطون مع العائدين كخونة يستحقون الإذلال.

وتفيد فورستي أن السلطات اللبنانية رحلت نحو 6 آلاف مواطن سوري بين منتصف 2019 ونهاية 2020؛ وتستغرب انتهاك القانون الدولي بعدم الإعادة القسرية.

وتشير إلى أن عدم الإعادة القسرية ينطبق أيضا على الداخلين خلسة والمدانين بارتكاب جريمة.

ومن الحالات التي وثقتها أمنستي "اعتقال السلطات السورية رجلا بعد ترحيله من لبنان"، وتعتبر أن لبنان لا يفي بالتزاماته الدولية تجاه حقوق اللاجئين، تحديدا الموقوفين بتهم الإرهاب، و"لا يوفر المحاكمات العادلة لهم"، وتطالب بمنحهم حق الاستعانة بمستشار قانوني، والرعاية الطبية والتواصل مع عائلاتهم.

وأضافت الباحثة الفرنسية "وثقنا معاناة رجال ونساء وأطفال سوريين من الاعتقال التعسفي والتعذيب والمحاكمة الجائرة على يد قوات الأمن اللبنانية".

من أين ينحدر السوريون في لبنان؟

تعود الباحثة شادن الضعيف إلى دراسة شاركت بإنجازها بمبادرة "المساحة المشتركة"، قيّمت ظروف عودة السوريين عامي 2018 و2019. وتبين -وفقها- أن أغلب السوريين بلبنان ينحدرون من حمص وحلب وإدلب وريف دمشق الجنوبي والشرقي وحماه ودرعا، وظروفها بين المتوسطة والسيئة جدا، وغير مشجعة للعودة؛ خلافا لمناطق تراوحت ظروفها بين المتوسطة والجيدة، كاللاذقية وطرطوس والحسكة والسويداء. وترى أن الدولة لم تتبنَّ سياسة واضحة للجوء، فلعبت المنظمات الدولية دورا بحماية أغلب اللاجئين من الإعادة القسرية. وتكمن -وفق الباحثة- مشكلة استجابة لبنان على مستويين:

· تتعاون بعض وزارات ومؤسسات الدولة مع هيئات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية تحت مظلة الاستجابة لحاجات اللاجئين.

· تقارب مؤسسات لبنانية أخرى وتحديدا الأمنية وعدد من البلديات؛ ملفَ اللاجئين بشكل أمني صرف، وتتعامل معهم كتهديد للسلم الأهلي.

مصير السوريين

تجد الضعيف أن غياب سياسة موحدة تضم المستجيبين لأزمة اللجوء، إنسانيا وأمنيا، يولّد تناقضات بتدابير المؤسسات المختلفة، ويصعب المساءلة والمناصرة لتحسين الاستجابة.

وللتخفيف من الاعتقالات والترحيل، تدعو المتحدثة ليزا أبو خالد "لتعزيز حصول اللاجئين السوريين على الإقامة القانونية"، وتحث اللاجئين على حمل وثائقهم دائما، كما تحاول المفوضية الإسراع بتجديد الإقامات، لتزويدهم بالمستندات التي تحميهم من التوقيف أو الترحيل.

في حين يعتبر وديع عقل، أن المنظمات الدولية تقارب عودة النازحين بعيدا عن الواقع اللبناني، والمفارقة برأيه، أن دول الاتحاد الأوروبي ترسل تحذيرات دائمة بعدم السماح لدخولهم خلسة، وتتخذ كل الإجراءات لضبط معابرها منعا لتسلل النازحين.

وقال إن لبنان يتعاون أمنيا مع أوروبا، ويمنع عبور القوارب الهاربة بحرا، ويُتخذ قرار ترحيل السوريين الهاربين بعد تسليمهم للأجهزة المختصة. ويتساءل؛ لماذا تتم مطالبة لبنان المنهك بتحمل ما ترفض أوروبا تحمله؟

وتشدد غيدة فرنجية على أن نتائج العودة تقيّم فرديا وليس جماعيا، مقابل إعطاء الفرد حق الدفاع عن نفسه؛ "لأن العودة لسوريا ربما آمنة لأشخاص وغير آمنة لآخرين، والقضاء يحدد مستوى تعرض شخص لخطر جراء ترحيله".

أما ماري فورستي، فقالت إن "الظروف غير آمنة للعودة وعلى لبنان وقف عمليات الترحيل القسرية".

 

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أعلن الجيش اللبناني توقيف مواطنيْن لبنانييْن، و6 سوريين؛ على خلفية إحراق مخيم للاجئين السوريين في بلدة بحنين (شمالي البلاد). وأدت الحادثة إلى تشريد نحو 400 لاجئ، واحتراق نحو 50 خيمة.

تقف ظريفة محمد أمام خيمة متهالكة تكاد تقتلعها رياح العاصفة الباردة التي تضرب لبنان، تعيش فيها مع زوجها وأطفالهما الثلاثة ضمن تجمع لمخيمات اللاجئين السوريين في قرية “قبة بشمرا”، بسهل عكار شمالي لبنان.

Published On 19/2/2021

أظهرت أرقام الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي أن الأزمة الاقتصادية التي يواجهها لبنان ستنعكس سلبا على اللبنانيين واللاجئين السوريين هناك على حد سواء، حيث قدرت الإسكوا بأن نسبة الفقر في لبنان سترتفع.

المزيد من حريات
الأكثر قراءة