أوضاع مقلقة واعتقال مُقنّع.. مراكز طالبي اللجوء في بريطانيا تجر حكومة جونسون إلى القضاء

مركز "نابير باراكس" (Napier Barracks) يعيش حالة احتقان غير مسبوقة (غيتي)
مركز "نابير باراكس" (Napier Barracks) يعيش حالة احتقان غير مسبوقة (غيتي)

وسط حالة من الصدمة وخيبة الأمل يخوض المئات من طالبي اللجوء في بريطانيا، احتجاجات اختلفت أشكالها، للتعبير عن رفضهم للظروف التي يعيشون فيها داخل مراكز استقبال هي أقرب لأماكن احتجاز أكثر من كونها فضاء لإيواء أشخاص فروا من مناطق الحروب والصراعات.

وسؤال واحد بات يتبادر إلى ذهن الكثير منهم، هل فعلا وصلنا لبر الأمان؟ وهم يعانون يوميا من مشاكل كانت السبب في مفارقتهم لأوطانهم، من انعدام سبل العيش الكريم وغياب الأمن. وبعد أسابيع من الصبر، لم يعد عشرات اللاجئين قادرين على تحمل المزيد، فقرروا إسماع صوتهم.

وحسب المعطيات التي توصلت بها الجزيرة نت، فإن مركز "نابير باراكس" (Napier Barracks) الذي كان معسكرا تابعا للجيش البريطاني، يعيش حالة احتقان غير مسبوقة، حيث قرر 7 من طالبي اللجوء المبيت في الخارج رغم برودة الطقس، احتجاجا على أوضاعهم داخل هذا المعسكر، مؤكدين أنهم لن يتراجعوا عن قرارهم حتى تغير الحكومة طريقة التعامل معهم وإن كلفهم الأمر حياتهم.

كما قرر عدد من طالبي اللجوء خوض إضراب عن الطعام، إضافة لتنظيم مظاهرة أمام هذا المعسكر، لإيصال معاناتهم للرأي العام البريطاني.

وما يزيد من قلق عدد من الناشطين الحقوقيين هو الأخبار الواردة من المعسكر عن حالات محاولة الانتحار بسبب الوضع النفسي الضاغط الذي يعيشه طالبو اللجوء.

لا شيء تغير

كثير من طالبي اللجوء فروا من أماكن الصراع المسلح ولهم ذكريات سيئة مع القواعد العسكرية وأماكن الاحتجاز، وها هم الآن يجدون أنفسهم أمام ما هربوا منه، معسكر يتم احتجازهم فيه.

وهذا ما خلق لدى كثيرين حالة من الصدمة عبر عنها حسام القادم من العراق الذي وصف مركز نابير باراكس بكونه "مكانا عسكريا تشعر وكأنك في السجن، وكل شيء مراقب ولا حرية لك لأن كل ما تفعله مراقب، ولهذا لم أعد أشعر بالأمان".

غياب الشعور بالأمان، يدفع حسام نحو الأفكار الأكثر سوداوية، فيقول "أصبحت أعاني ذهنيا لأن الوجود في هذا المكان يذكرني بأمور سيئة حصلت معي ولهذا أصبحت أشاهد الكثير من الكوابيس ولا أستطيع النوم سوى 3 ساعات فقط".

ويعرف المعسكر حالة من الاكتظاظ ذلك أن غرفة واحدة يتقاسمها 14 شخصا "ولا نقسم بين أفرشتنا إلا بالأغطية ولا نستطيع النوم بالنظر لكثرة الضجيج وكثرة الحركة".

وليس فقط قاطنو معكسر "نابير باراكس" من يعانون، بل هناك مركز ترحيل المهاجرين "يارلز وود" (Yarl’s Wood) الذي بات مثار جدل بسبب قرار الحكومة اعتماده كمركز لاستقبال طالبي اللجوء، بينما الغرض من هذه البناية كان هو الاحتجاز، مما دفع عددا من المواطنين والهيئات الحقوقية لرفع دعوى قضائية ضد وزارة الداخلية البريطانية لإيقاف هذه الخطوة التي تهدف لتوسيع المركز، وتزويده بحاويات للسكن.

وتواصلت الجزيرة نت مع محمد اللاجئ القادم من السودان، والذي مر من هذا المركز قبل أن يتم قبول طلب لجوئه، ولا يحمل أي ذكريات جميلة عنه، "المكان هو سجن تحيط به الأسلاك الشائكة مع مكان صغير لرؤية الشمس"، ويتذكر أحمد لياليه هناك "كان الليل يمر علينا طويلا، لأننا كنا نضطر للعودة إلى الغرفة على الساعة التاسعة مساء وبعد ذلك لا يمكنك فعل شيء سوى التفكير".

ويقول إن أكثر ما يعانيه الموجودون هناك هو "الاكتئاب والتدهور النفسي وأنا شخصيا عانيت من القلق ولم أجد أي معالج نفسي، فقط طبيب عام منحني أدوية للنوم"، ويعتبر أن أسوأ ما قد يحدث له هو العودة لمركز "يارلز وود"، "لأنه سجن".

قلق حقوقي

يعبر كلار موسلي مؤسس منظمة "كير فور كاليه" "CARE4CALAIS" التي تعنى بشؤون اللاجئين عن بالغ قلقه لوضع الموجودين في معسكر "نابير باراكس"، بالنظر "للظروف الصعبة والمرهقة" التي يعيشها طالبو اللجوء هناك.

وأكد الحقوقي البريطاني في حديثه مع الجزيرة نت، أن هؤلاء الأشخاص فروا من أماكن الصراع والخوف، "ولهذا فهم يحتاجون للدعم والحماية عوض أن تتعامل معهم الحكومة بهذه القسوة".

ويقترح المتحدث ذاته حلا للاكتظاظ التي تعرفه مراكز استقبال طالبي اللجوء، وهو قيام وزارة الداخلية بتسريع وتيرة التعامل مع ملفات طلبات اللجوء، "فهؤلاء الأشخاص يريدون العمل والانخراط في المجتمع، ولهذا وجب تسريع منحهم حق اللجوء لينطلقوا في بناء حياتهم عوض نسيانهم وجعلهم يعانون كل هذه القسوة دون حل".

ويخشى عدد من الناشطين المدنيين أن الحكومة تريد تحويل "يارلز وود" إلى شبه سجن لطالبي اللجوء، حيث سيكون عليهم البقاء هناك وعدم المغادرة إلى حين البتّ في طلباتهم، وهو ما دفع لجر وزارة الداخلية للقضاء للنظر في قانونية قرارها.

من جهته، يعتبر ستيفان هال المدير التنفيذي لمؤسسة "ريفاجي أكشن" (REFUGEE ACTION)، في تصريحه للجزيرة نت، "إجبار مئات الأشخاص الخائفين والمرعوبين على العيش خلف أسوار عالية وأسلاك شائكة، هو أمر غير إنساني".

ويحذر ستيفان من خطورة هذا الوضع، "لأنه سينتج لنا حالة من الانهيار في الصحة النفسية لهؤلاء الأشخاص الذين ينتظرون حق اللجوء، فإذا بهم يجدون أنفسهم في ثكنات عسكرية سابقة"، مطالبا الحكومة بالتحرك بسرعة، "للتراجع عن قراراتها والتعامل بحس إنساني مع هذه الحالات".

من جهته، دافع كريس فيليب، الوزير المكلف بالهجرة في تصريحات رسمية عن حكومة بلاده، مؤكدا أنهم يوفرون "لطالبي اللجوء أماكن سكن آمنة ودافئة وتتوفر الشروط الصحية، كما أنهم يتلقون 3 وجبات يومية".

وينفي الوزير أن يكون طالبو اللجوء تحت الاحتجاز، "حيث يحق لهم التحرك خارج أماكن سكنهم تماشيا مع قواعد الإغلاق العام في البلاد، إضافة لحقهم في تقديم الشكاوى الخاصة بهم للسلطات المعنية".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

“أسوأ ما قد يعيشه المرء هو أن يجد أمامه ما ترك بلاده من أجله”، فأمين الذي فرّ من بلاده بسبب الحرب والقتال، يجد نفسه في قاعدة عسكرية تم تحويلها من طرف السلطات البريطانية إلى مركز احتجاز لطالبي اللجوء.

المزيد من حريات
الأكثر قراءة