جحيم لسبوس.. اللاجئون في خوف وجوع

آلاف اللاجئين اضطروا للفرار بعد احتراق مخيمهم (غيتي)
آلاف اللاجئين اضطروا للفرار بعد احتراق مخيمهم (غيتي)

كانت الحياة في مخيم موريا، أكبر مركز للاجئين في أوروبا رهيبة قبل أن ينبعث حريق فيه ذات ليلة ويُلقي بأسر من المهاجرين بأكملها في الشارع بلا مأوى، فتراهم على الطريق وعبر الحقول وعلى الشواطئ وحتى في المقابر، يجلسون مرهقين خائفين وجائعين وعِطاشا.

بهذه المقدمة، مهدت مجلة لوبس الفرنسية (L'OBS) لتقرير روى فيه المصور إنري كاناج، من وكالة ماغنوم هذه المأساة بالصور، فأعادت سارة حليفة لوغران تصويرها بالكلمات.

تنطلق الكاتبة من اكتشاف المصور لعائلة سامسولا، الملاكم الأفغاني البالغ من العمر 61 عاما، حيث كان هو وزوجته وأطفاله قد لجؤوا إلى خيمة مؤقتة على حافة الطريق، فوجدهم أكثر يأسا وأكثر فقرا مما كانوا عليه عندما تركهم قبل أسبوع واحد فقط، حيث ينامون في الطرقات "وقد أصبحوا بلا مأوى"، كما يقول كاناج الذي نشر صورهم.

ومع أن الحياة في مخيم موريا -كما تقول الكاتبة- كانت رهيبة، فإن الوضع أصبح أسوأ اليوم، بعد أن فقدت العائلة مظهر الحياة اليومية -الذي تمكنت بطريقة ما من إعادة اختراعه في خيمتها المرتبة- وأصبحت ملقاة وسط طوفان المهاجرين المذعورين الذين تدفقوا خارج المخيم عندما اشتعلت النيران في موريا، بجزيرة لسبوس اليونانية، ليلة 8 إلى 9 سبتمبر/أيلول.

وأشارت الكاتبة إلى أن المصور كاناج يزور جزيرة لسبوس بانتظام منذ 8 سنوات، وأنه كان من أوائل الذين غطوا وصول الزوارق المزدحمة إلى شواطئها.

وربطت ذلك بقصة حياته، حيث إن هؤلاء المهاجرين الذين انتزعوا من أرضهم يذكرونه بأنه ذلك الألباني الصغير الذي وصل إلى أثينا في سن الـ 11، بعد أن عانى من العوز الكامل ورحلة شاقة في عالم الهجرة غير الشرعية.

يقول كاناج "أعرف ما تشعر به في عالم غير مألوف حيث لا تلقى الترحيب"، لقد شاهد هذه الجزيرة اليونانية الصغيرة تتحول إلى بوابة للمهاجرين الذين ينطلقون من الشواطئ التركية القريبة، ورأى حشود السياح تفسح المجال لتدفق اللاجئين، ومخيم موريا ينمو ويمتلئ بالأسلاك الشائكة، ورأى استقبال السكان الكريم في البداية يتحول إلى عداء صريح، ورأى الفنادق تعج بالعاملين في المجال الإنساني والصحفيين الذين انجذبوا إلى هذه المأساة الإنسانية الكبرى.

وعندما أعاد كاناج فيلم السنوات الثماني التي أمضاها في التصوير، لاحظ أن "الوضع تدهور تدريجيا، لكن نقطة التحول كانت الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين تركيا والاتحاد الأوروبي في عام 2016 لوقف تدفق المهاجرين الوافدين إلى أوروبا"، فعندها أصبحت موريا نقطة ساخنة ومركز فرز، على جميع طالبي اللجوء البقاء فيه ربما لسنوات، حتى يتم فحص ملفاتهم، ثم تحول إلى فخ للمهاجرين وسجن في الهواء الطلق.

لسبوس.. جزيرة الجنون

على هذه الجزيرة كان ما يقرب من 13 ألف لاجئ محشورين في المخيم في مساحة ضيقة، حيث الحياة لا تطاق أصلا وقد زادتها أزمة كورونا بؤسا على بؤس وحبسا على حبس.

وجد المهاجرون أنفسهم -حسب الكاتبة- محاصرين في المخيمات، غير قادرين على الخروج وعاطلين تماما، وقد غادرت معظم المنظمات غير الحكومية الجزيرة، مما جعل الوضع يصبح على مر الأيام متوترا بل وعنيفا أحيانا، لدرجة أن منظمة أطباء بلا حدود وجدت عددا من المصابين بمشاكل نفسية نتيجة هذا الحبس المطول.

صورة للمخيم الجديد الذي تريد السلطات اليونانية تحويل اللاجئين إليه (رويترز)

وهؤلاء المهاجرون أضرموا بأنفسهم النار في موريا -كما تقول الكاتبة- فاحترق كل شيء وتحول إلى حقل من الخراب، وهم غير نادمين على ذلك، "جميعهم يقولون إن موريا قد انتهت وإنهم لا يريدون العودة إلى هناك، على الرغم من أنهم أكثر يأسا مما كانوا عليه".

وأوضحت الكاتبة أن محنة سامسولا بشكل خاص تحرك كاناج، حيث يقول "أنا أحبه كثيرا لأنه أعطى دروسا في الملاكمة للأطفال لإبقائهم مشغولين، ولجعلهم يشعرون بأن لديهم الحق في حياة طبيعية"، وبالفعل اشترى له شيئا ليأكله، ولكن حقيبته تجذب اللاجئين الآخرين، فجميعهم متعبون للغاية والأيام حارة جدا.

والحقيقة أن كاناج يعرف أن الملاكم قد مُنح حق اللجوء وسينقل إلى البر الرئيسي، ولكن الآخرين لم تتعهد الدول الأوروبية -رغم إلحاح المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل- إلا باستضافة 400 قاصر من بينهم.

وعلقت الكاتبة بأن هذه المأساة كان من المتوقع أن تخرج الاتحاد الأوروبي من حالة الشلل، خاصة أن المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة وأثينا تطلب مزيدا من التضامن الأوروبي، إلا أن أوروبا لا تزال عاجزة عن الترحيب بمن يطلبون اللجوء بكرامة.

وختمت الكاتبة بأن ألمانيا وحدها قبلت الاستجابة لصرخات الاستغاثة القادمة من لسبوس، وفتحت أبوابها أمام 1500 مهاجر إضافي، في حين شرعت اليونان في بناء مركز مغلق جديد على الجزيرة لإبقاء اللاجئين هناك "مثل الحيوانات".

وأقامت السلطات حاليا مخيما جديدا تبلغ قدرته الاستيعابية 3 آلاف شخص في "كارا تيبي" على مسافة كيلومترات قليلة من مخيم موريا المدمر الذي لطالما تعرض لانتقادات من قبل الأمم المتحدة ومجموعات حقوقية جراء اكتظاظه وظروفه الصحية المزرية.

ويرفض الكثير من هؤلاء التوجه إلى المخيم الجديد وقد دخلوا في مواجهات مع الشرطة اليونانية التي تحاول إرغامهم على ذلك.

المصدر : لونوفيل أوبسيرفيتور

حول هذه القصة

أمضى آلاف من طالبي اللجوء ليلتهم الثالثة في العراء قرب مخيم موريا الذي دمره حريقان، حيث تواجه حكومة اليونان صعوبات في مساعدتهم، بينما أعلنت برلين أن ١٠ من دول الاتحاد الأوروبي ستستقبل 400 قاصر منهم.

المزيد من حريات
الأكثر قراءة