واشنطن تستشيط غضبا.. الجنائية الدولية تصل إلى السجون السرية لوكالة الاستخبارات المركزية‎

محكمة الجنايات الدولية تمثل اليوم بارقة أمل لجميع ضحايا أطراف الصراع في أفغانستان (رويترز)
محكمة الجنايات الدولية تمثل اليوم بارقة أمل لجميع ضحايا أطراف الصراع في أفغانستان (رويترز)

لأول مرة، سيكون باستطاعة المحكمة الجنائية الدولية التحقيق في برنامج التعذيب الذي أدارته وكالة الاستخبارات المركزية بعد غزو أفغانستان في عام 2001، وبينما يشعر محامو الضحايا بالارتياح لهذا القرار، تستشيط واشنطن غضبا.

يقول الكاتب فرانسوا بوغون في تقرير نشره موقع "ميديابارت" الفرنسي، إن هذه الخطوة تمثل قرارا تاريخيا وخبرا مهما، حيث إن المسؤولين العسكريين الأميركيين وموظفي وكالة الاستخبارات المركزية، يمكن ملاحقتهم بسبب تورطهم في نظام السجون السرية الذي وُضع في بداية سنوات الألفين في دول مثل رومانيا وبولندا وليتوانيا وتايلند.

وتأتي هذه الخطوة نتيجة قرار مكتب الاستئناف في المحكمة الجنائية الدولية الصادر يوم الخميس الموافق للخامس من مارس/آذار، والذي يفتح الباب أمام التحقيق في كل الجرائم التي لها علاقة بهذا الصراع، والتي تم ارتكابها منذ 1 مايو/أيار 2003 ليس فقط في أفغانستان، بل في كل المناطق الأخرى، سواء وقعت على يد الأميركيين أو القوات الحكومية أو المجموعات المسلحة مثل طالبان.

ويوضح الكاتب أن القضاة نقضوا قرار الطور الابتدائي، وبالتالي أصبحت مدعية المحكمة فاتو بنسودا، مخولة للبدء بالعمل على هذه القضايا، وكانت بنسودا قد قالت"إن هذا اليوم مهم بالنسبة للمحكمة الجنائية والوضع في أفغانستان"، كما وعدت المدعية التي تم رفض طلبها الدخول إلى الولايات المتحدة، بأن تقوم بتحقيقات معمقة، وجادة، ومستقلة، ومحايدة وموضوعية، من أجل الوصول إلى الحقيقة.

المسؤولون العسكريون الأميركيون يمكن ملاحقتهم بسبب تورطهم في نظام السجون السرية ببعض البلدان (غيتي)

التحقيق في جرائم أفغانستان
يشير الكاتب إلى أن رئيس مكتب الاستئناف، القاضي بيتر هوفمنسكي، كان في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2017، قد قدم طلبا للتحقيق في الجرائم التي ارتكبت في أفغانستان وفي بلدان أخرى على علاقة بهذا الصراع، حيث إن جماعة طالبان متهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، كما أن كلا من قوات الأمن الحكومية الأفغانية وقوات الجيش الأميركي ووكالة الاستخبارات المركزية متهمة أيضا بارتكاب جرائم حرب.

في أبريل/نيسان 2019، أصدرت المحكمة قرارها الأَوليّ معتبرة أن هذا التحقيق الذي تعارضه الولايات المتحدة وأفغانستان لن يخدم العدالة، وعبرت إحدى محاميات الضحايا، وهي كاثرين غالاغر، عن سعادتها بعد صدور هذا القرار قائلة، "اليوم قدمت المحكمة الجنائية الدولية دفعة كبيرة لمقولة لا أحد فوق القانون، وأعادت الأمل في أن العدالة يمكن بلوغها وتطبيقها".

وأضافت المحامية، "على مدى 15 عاما، ومثل الكثيرين من ضحايا برنامج التعذيب الأميركي، فإن شرقاوي الحاج وغولاد دوران عانى كلاهما من التبعات الجسدية والنفسية في فترة سجنهما غير القانوني، في وقت يتمتع فيه مسؤولون سابقون بالحصانة".

وتابعت "من خلال السماح بإجراء هذا التحقيق في الجرائم التي وقعت في أفغانستان أو ارتبطت بها، فإن المحكمة أكدت أنه لا يمكن التسامح مع التدخل السياسي في الإجراءات القضائية".

ويشير الكاتب إلى أن شرقاوي الحاج -وهو يحمل الجنسية اليمنية- اعتُقل في قاعدة غوانتانامو الأميركية، في سبتمبر/أيلول 2004 دون أن يتم إصدار حكم في حقه أو إطلاق سراحه.

وقبل ذلك، قضى الحاج عامين في السجون السرية لوكالة الاستخبارات المركزية في الأردن وأفغانستان، وتعرض للتعذيب أثناء التحقيق.

أما غولاد حسن دوران -وهو مواطن صومالي- فقد اعتُقل في جيبوتي وتم تسليمه لوكالة الاستخبارات المركزية في مارس/آذار 2004، وأودع في غوانتانامو منذ عام 2006.

ونقل الكاتب عن سولومون ساكو، المسؤول عن العدالة الدولية في منظمة العفو الدولية، قوله إن "هذه لحظة تاريخية تعود فيها المحكمة الجنائية الدولية للنظر في خطأ فظيع تم ارتكابه، وتقرر الوقوف بجانب ضحايا جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها كل أطراف الصراع في أفغانستان".

وأضاف المسؤول نفسه، "إن المحكمة الجنائية الدولية تمثل اليوم بارقة الأمل الأولى والحقيقية لتحقيق العدالة لضحايا هذا الصراع، الذين تم تجاهلهم بشكل مخجل على مدى السنوات، وتواصل تجاهلهم حتى في اتفاقات السلام التي تم توقيعها أخيرا، والتي لم تشر لا من قريب ولا من بعيد إلى الجرائم المرتكبة".

في إشارته إلى الموقف الأميركي، يذكر الكاتب أن وزير الخارجية مايك بومبيو كان قد ندد بهذا القرار، واصفا إياه بأنه خطوة يائسة من قبل مؤسسة مسيسة لا صفة لها وتحاول تقمص دور الهيكل القضائي.

كما اعتبر بومبيو هذه الخطوة غير محسوبة وتأتي بعد أيام قليلة من توقيع الولايات المتحدة اتفاق السلام التاريخي في أفغانستان، وقال بومبيو "سوف نتخذ كل الإجراءات اللازمة لنضمن أن الأميركيين لن يتم جرهم للمثول أمام هذا الهيكل السياسي، الذي يسعى لتسوية حساباته السياسية".

وكالة الاستخبارات المركزية أجرت عمليات تحقيق استخدمت خلالها تقنيات الاستجواب القوية (مواقع التواصل الاجتماعي)

السجون السرية
يقول الكاتب إن الأميركيين كانوا قد شنوا حربا ضد أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، التي أوقعت حوالي ثلاثة آلاف قتيل، وقد تم إنشاء سجون سرية تسمى أيضا بالنقاط السوداء في أفغانستان وفي الدول الحليفة، وأحد هذه السجون موجود في تايلند وكانت تديره جينا هاسبيل، التي تشغل اليوم منصب مديرة وكالة الاستخبارات المركزية.

في هذه الأماكن السرية، كانت وكالة الاستخبارات المركزية تجري عمليات تحقيق، تستخدم خلالها ما يسمى "تقنيات الاستجواب القوية"، ضد المتهمين.

وتشمل هذه التقنيات عملية محاكاة الغرق التي يتم تنفيذها بشكل متكرر، كما يتم حرمان المعتقلين من النوم لمدة تصل إلى 180 ساعة، ويتم وضعهم في الحبس الانفرادي في الظلام دون توفير أي شيء باستثناء وعاء لقضاء حاجتهم.

كما يتم بث الموسيقى باستمرار حتى لا يتمكنوا من التحدث مع بعضهم، وأحد هذه السجون الموجود قرب كابول كان يتم تسميته "دونجون" (البرج المحصن) من قبل أحد مديري عمليات الاستجواب.

وقد حرصت الولايات المتحدة على تقديم عمليات التعذيب على أنها ضرورية للحصول على المعلومات التي تحتاجها من أجل تجنب حدوث هجمات جديدة ضد المصالح الأميركية، إلا أن تقريرا صدر عن مجلس الشيوخ في عام 2012، اعتبر أن هذا البرنامج كانت له فوائد محدودة في الحصول على معلومات دقيقة أو ضمان تعاون هؤلاء المعتقلين.

يذكر أن هؤلاء المعتقلين بعد تعرضهم للضغط كانوا يعطون معلومات مغلوطة من أجل الخلاص من التعذيب.

المصدر : ميديابارت

حول هذه القصة

المزيد من حريات
الأكثر قراءة