دراسة حقوقية: صفقة القرن.. بين منطق القوة والقانون الدولي

"صفقة القرن" تحتوي على مخالفات جسيمة لأحكام القانون الدولي الإنساني (رويترز)
"صفقة القرن" تحتوي على مخالفات جسيمة لأحكام القانون الدولي الإنساني (رويترز)

وسيم جابر الشنطي*

 

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتاريخ 28 يناير/كانون الثاني 2020 عن خطته للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين والمعروفة إعلاميا بـاسم "صفقة القرن". وقد احتوت على مجموعة من البنود التي جاءت في 181 صفحة، وتناولت مختلف القضايا: من الحدود، مرورا بحق العودة، والقدس، ووصولا إلى شكل الاقتصاد الفلسطيني.

ووفق أحكام القانون الدولي، فإن مجمل خطة السلام الأميركية تعد وثيقة غير قانونية، كونها ترتكز على مبدأ القوة، وسياسة الأمر الواقع، وعدم الالتزام بقرارات الشرعية الدولية، وتحتوي على مخالفات جسيمة لأحكام القانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الجنائي الدولي، والقانون العرفي الدولي.

كما تحتوي على نصوص مخالفة لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن، ومحكمة العدل الدولية، وغير ذلك من قرارات المؤسسات التي حفظت للشعب الفلسطيني حقوقه بحدها الأدنى وقررت حقه في تقرير مصيره.

وقد احتوت الخطة على العديد من المخالفات القانونية أبرزها ما يلي:

أولا: انتهاك حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره
تنتهك "صفقة القرن" أحد أهم المبادئ الأساسية للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وهو حق تقرير المصير، كونها حولت الاحتلال من كونه احتلالا مؤقتا، إلى احتلال دائم، من خلال النص على إقامة كيان فلسطيني خاضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، فلم تنص الصفقة على أي دولة فلسطينية مستقلة، ولم تسمح للفلسطينيين بتقرير مصيرهم، ونيل استقلالهم من السيطرة الإسرائيلية.

فما يحتاجه الفلسطينيون هو أن يكون لهم الحق في حكم أنفسهم بأنفسهم، وأن يكونوا قادرين على اختيار نظامهم السياسي ومستقبلهم بشكل حر، ولا يكون هذا الحق قابلا للتطبيق إلا في حال استطاع الشعب الفلسطيني أن يعيش على أرضه الكاملة بصورة مستمرة غير متقطعة.

وقد اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره في عشرات القرارات، منها قرار 3089 (د-28) الصادر بتاريخ 7/12/1973، وقرار 3236 (د-29) الصادر بتاريخ 22/11/1974 وغيرهما.

الخطة نصت على ألا يكون هناك أي حق لعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم (الجزيرة)

ثانيا: مخالفة مبدأ الطبيعة المؤقتة للاحتلال
تنص بنود "صفقة القرن" على أن الدولة الفلسطينية -المقرر إنشاؤها وفق الصفقة- ستكون بدون سيادة، وستخضع للسيطرة الإسرائيلية، وهذا ما يعتبر قانون تشريع وضمان لحالة الاحتلال الحربي الدائم.

حيث نصت المادة (42) من لائحة الحرب البرية الملحقة باتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907 على أنه "تعد أرض الدولة محتلة حين تكون تحت السلطة الفعلية لجيش العدو، ولا يشمل الاحتلال سوى الأراضي التي يمكن أن تمارس فيها هذه السلطة بعد قيامها".

وقد حوّلت "صفقة القرن" حالة الاحتلال الإسرائيلي من كونه احتلالا مؤقتا، إلى احتلال دائم، فوفق أحكام القانون الدولي لا يجوز أن يكون الاحتلال دائما بأي حال من الأحوال، فهو حالة فعلية أوجدتها القوة القاهرة، وأنه واقع لا يقوم على أساس من القانون. كما أن حالة الاحتلال لا تعطي المحتل حق الملكية في الأراضي المحتلة، ولا يجوز ضم الإقليم المحتل لدولة الاحتلال.

ثالثا: مخالفة أحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949
تنطوي "صفقة القرن" على مخالفة صريحة لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي حظرت تغيير الطابع الديموغرافي والمركز القانوني للأراضي المحتلة.

ومن أهم المواد التي تخالفها بنود الصفقة نص المادة (49) من الاتفاقية الذي يحظر النقل الجبري الجماعي أو الفردي لسكان الأراضي المحتلة.

رابعا: مخالفة قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن
تُخالف "صفقة القرن" عشرات القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، المتعلقة بالقضية الفلسطينية، حيث تضمنت نصوصا قضت على قرارات دولية ومشاريع حلول تعد بالعشرات، والأخطر أنها شكلت تحديا للشرعية الدولية التي وضعت للقضية الفلسطينية وحل الدولتين مسارات واضحة.

ومن أبرز القرارات التي خالفتها الخطة قرار رقم 194 الصادر بتاريخ 11 ديسمبر/كانون الأول 1948 الذي نص على ضرورة عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم، وقرار 242 الصادر بتاريخ 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1967، والذي نص على انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها في النزاع الأخير (خلال حرب يونيو/حزيران 1967)، وقرار 2851 الصادر بتاريخ 20 ديسمبر/كانون الأول 1971، الذي طالبت الأمم المتحدة فيه إسرائيل بإلغاء جميع إجراءات ضم أي جزء من الأقاليم العربية المحتلة، وإلغاء إقامة المستوطنات بالأراضي المحتلة.

خامسا: ضم إسرائيل للأراضي الفلسطينية بالقوة
يُقصد بالضم في القانون الدولي "الاستيلاء القسري على الأراضي من جانب دولة ما على حساب دولة أخرى، ويفترض مسبقا احتلالا فعليا للأرض، ويظهر النية الواضحة للاستيلاء عليها بشكل دائم ".

وقد حظرت أحكام القانون الدولي الضم، حيث حظر ميثاق الأمم المتحدة "التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأية دولة".

وقد أدان المجتمع الدولي سابقا عمليات الضم التي قامت بها دولة الاحتلال بالقوة خاصة القرار رقم 242 لعام 1967 الصادر عن مجلس الأمن والذي أكد على "عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب" ودعا اسرائيل إلى سحب قواتها المسلحة من أراضي عام 1967.

وجاءت الخطة الأميركية لتشرع ما تقوم به اسرائيل من عمليات ضم للأراضي المحتلة، وتقرر ضم مناطق أخرى مثل غور الأردن الذي يشكل حوالي 28.5% من مساحة الضفة الغربية المحتلة، ويعتبر موطنا لغالبية الموارد الطبيعية في فلسطين المحتلة، ويشكل ثلث احتياطي المياه الجوفية في الضفة الغربية.

سادسا: مخالفة القانون الدولي فيما يتعلق بقضية القدس
تنص الصفقة على تجنب التقسيم المادي للمدينة المقدسة، والاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل، وهذا مخالف لقرارات الأمم المتحدة التي أكدت أن القدس الشرقية كاملة جزء من الضفة الغربية، كما أنه مخالف وفقا لخطة التقسيم التي وضعتها الأمم المتحدة عام 1947 التي تُضفي الشرعية على قيام دولة إسرائيل.

وتعترف الأمم المتحدة بالقدس الشرقية أرضا محتلة (تخضع لبنود معاهدة جنيف الرابعة) وبذلك ترفض الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على القدس الشرقية، وقد أكد قرار مجلس الأمن رقم 252 لعام 1968 على أن جميع الإجراءات الإسرائيلية بمدينة القدس غير قانونية وتمثل انتهاكا صارخا لمعاهدة جنيف.

إن "صفقة القرن" خالفت تقريبا جميع قرارات مجلس الأمن والجمعية العمومية للأمم المتحدة والتي في مجملها ما يعادل عشرين قرارا، وبالتالي حوت الخطة عشرين جزءا حاول فيها تشريع نحو ستين مخالفة قانونية دولية فيما يتعلق بقضية القدس.

سابعا: شرعنة المستوطنات واعتبارها جزءا من الدولة الإسرائيلية
نصت الصفقة بشكل واضح على شرعنة الاستيطان، من خلال النص على أن إسرائيل غير ملزمة باقتلاع أي مستوطنة، وستقوم بضم تلك المستوطنات في الأراضي الإسرائيلية المتجاورة.

في حين أنها تغافلت عن أنه ألا يمكن حل وتسوية القضية الفلسطينية في ظل بقاء تلك المستوطنات داخل المناطق الفلسطينية، لأن ضم تلك المستوطنات إلى إسرائيل سيحول الأراضي الفلسطينية إلى مناطق متفرقة صغيرة تنعدم معها إمكانية قيام وحدة جغرافية فلسطينية.

وتعرّف المادة (8/ب/8) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولي، الصادر عام 1988 "قيام دولة الاحتلال على نحو مباشر أو غير مباشر بنقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلها" على أنه جريمة حرب تجرِّمها المحكمة الجنائية الدولية.

كما ينص القرار (465) الصادر عن مجلس الأمن الدولي سنة 1980 على أن "سياسة إسرائيل وأعمالها لتوطين قسم من سكانها ومن المهاجرين الجدد في الأراضي الفلسطينية وغيرها من الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967 بما فيها القدس تشكل خرقا فاضحا لاتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب، كما تشكل عقبة جدية أمام تحقيق سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط". كما دعا هذا القرار إسرائيل إلى "تفكيك المستوطنات القائمة".

وتأتي الإدارة الأميركية من خلال صفقة القرن لتشرع عملية الاستيطان في الوقت الذي لم يستطع أي رجل قانون في العالم أن يُعطي الاستيطان صفة شرعية أو قانونية، وهذا لسبب بسيط جدا يكمن في أن الاحتلال نفسه حالة مؤقتة، ولا يجوز للمحتل أن يُسكن رعاياه في الدولة التي يقوم باحتلالها أيا كان السبب، وذلك ضمن اتفاقيات جنيف ومعاهدة لاهاي وميثاق الأمم المتحدة، فكيف تجرأت إدارة الرئيس ترامب على تشريع الاستيطان في هذه الخطة!

الإدارة الأميركية تجرأت ومنحت عملية الاستيطان صفة شرعية ضمن صفقتها للسلام (الأوروبية)

ثامنا: تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين
نصت الخطة على أنه لن يكون هناك أي حق في العودة، أو استيعاب أي لاجئ فلسطيني في دولة إسرائيل، وعند توقيع اتفاقية السلام الإسرائيلية الفلسطينية، فإن وضع اللاجئ الفلسطيني سوف ينتهي من الوجود، وسيتم إنهاء وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأممية "أونروا" وتحويل مسؤولياتها إلى الحكومات المعنية.

وقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة -على إثر النكبة الفلسطينية- قرارا خاصا لعودة اللاجئين الفلسطينيين، ارتكزت عليه قضية فلسطين، واعتمدت عليه مشروعية حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم التي شردوا منها عام 1948.

ويحمل القرار رقم 194 الذي ينص صراحة على ضرورة عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم وقراهم الأصلية التي هُجّروا منها، باعتبارهم شعبا طُرد من أرضه، وله الحق في العودة كشعب، وليس مجموعة أفراد متضررين من الحروب مثل حالات كثيرة. ولم يكتف بتأكيد حق العودة، بل تعدى ذلك إلى إنشاء مؤسسة دولية لإغاثتهم وهي وكالة "أونروا" حتى إيجاد حل عادل ودائم لقضيتهم.

إن الإعلان عن الصفقة في هذا التوقيت، وبهذه الطريقة الاستعراضية الأحادية من جانب الولايات المتحدة، وبعيدا عن الأطراف ذات العلاقة بالصراع في المنطقة، ودون الاعتبار للاتفاقات القائمة والقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية تمثل انقلابا ليس فقط في القانون الدولي، وإدارة الصراع الدولية، بل تمثل انقلابا في السياسة الدولية وإدارة الصراعات الدولية وجر العالم إلى منعطف الفوضى التي ستؤدي إلى الصدام الدولي في مواجهة طموحات وسياسات الدول المتنفذة والمتصارعة على المصالح في العالم.

إن ما أقدمت عليه الولايات المتحدة وسلطات الاحتلال الإسرائيلي بالإعلان عن هذه الصفقة من طرف واحد وبدون الاستناد لأي مرجعيات قانونية، وتجاهل قرارات الشرعية الدولية، يضعهما في مواجهة مع العالم وليس مع الفلسطينيين فحسب، باعتبار أن العالم كله يشترك في مبادئ القانون الدولي الناظمة لعلاقات الدول وإدارة الصراعات.

وهو ما يعطي الفلسطينيين حماسا للمضي قدما في تحريك الرفض الدولي لهذه الصفقة ومحاكمتها وإسقاطها بالقانون حماية للنظام الدولي والاستقرار في المنطقة بل والعالم بأسره، لأن المضي في هذه الصفقة على الطريقة الأميركية سيفجر المنطقة برمتها، ويعيد الصراع في المنطقة للمربع الأول.
————–
* باحث، وحدة البحوث والدراسات، مركز حماية لحقوق الإنسان، غزة

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من حريات
الأكثر قراءة