فزع حقوقي من عنف الشرطة في فرنسا.. تعددت الانتهاكات والقمع واحد

لافتة مكتوب عليها حينما تصبح الشرطة السبب الأول في انعدام الأمن (الجزيرة)
لافتة مكتوب عليها حينما تصبح الشرطة السبب الأول في انعدام الأمن (الجزيرة)

في تطور وصفه مراقبون بالخطير، تزايد عنف الشرطة الفرنسية المسلط على المهاجرين والصحفيين والمتظاهرين والناشطين، بشكل لافت وكبير في الفترة الأخيرة، الأمر الذي جعل صيحات الفزع تتعالى من قبل الجمعيات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني في فرنسا لوقف هذا النزيف.

وإذا كانت الانتهاكات والضربات والغازات والاعتداءات والهراوات تسقط على رؤوس الصحفيين والناشطين والمتظاهرين رغم القوانين الكثيرة التي تحميهم، فإن فئات هشة أخرى مثل المهاجرين الذين لا يتمتعون بأوراق الإقامة، وطالبي اللجوء والحماية، يتعرضون إلى مضايقات واعتداءات وانتهاكات مضاعفة من الشرطة الفرنسية في غياب قوانين تحميهم.

ويشير باحثون في منظمات المجتمع المدني إلى أن هذه الاعتداءات ممتدة بجذورها إلى سنوات خلت عبر حوادث كثيرة صادمة، كقضية أداما تراوري الشاب ذي البشرة السوداء الذي توفي في يوليو/تموز سنة 2016 في الحجز وتحت تعذيب الشرطة بعد القبض عليه في عملية تحقق من الهويات، وإلى اليوم لم يحاسب الجناة.

وقد تكررت في الفترة الأخيرة مثل هذه الحوادث مثلما لاحظت أغلب منظمات المجتمع المدني، وكان آخرها الاعتداءات التي تعرض لها مجموعة من المهاجرين وطالبي اللجوء، والطريقة الوحشية التي تم بها طردهم من ساحة الجمهورية بباريس وتمزيق خيامهم بطريقة مهينة قال عنها الرئيس إيمانويل ماكرون نفسه إنها مخجلة وعار على فرنسا، في حين علق وزير داخليته جيرالد دارمانان على صور طريقة الإجلاء الوحشية بأنها صادمة.

قوات الشرطة تجبر مجموعة من المهاجرين على حمل خيامهم والمغادرة في منطقة كالي شمال فرنسا (الجزيرة)

شهادات حية

ولأن ضحايا قمع الشرطة من المهاجرين تتزايد يوميا، ولنقترب من الضحايا أكثر، استمعت الجزيرة نت لشهادات أناس تعرضوا للاعتداءات على غرار الشاب الفرنسي من أصول أفريقية دافيد أفيليسيان الذي يقطن في ضواحي باريس الفقيرة.

يقول أفيليسيان للجزيرة نت "كنت ضحية لعنف الشرطة كثير من المرات. وكانت المرة الأولى وأنا في سن المراهقة وتعرضت خلالها للتنمر والألفاظ العنصرية بحكم بشرتي السوداء، وتم اقتيادي إلى قسم الشرطة والتحقيق معي بطريقة فظة، رغم صغر سني ورغم أنني لم أرتكب أي ذنب، ولكن لأنني أقطن في منطقة شعبية فأنا في نظر الشرطة دائما مذنب ومجرم وأخفي مخدرات أو شيئا ممنوعا في ثيابي، هكذا تفكر كل قوات الشرطة في فرنسا للأسف".

مروجو مخدرات وإرهابيون

ويضيف أفيليسيان "في المرة الثانية كنت أسير لوحدي في الشارع ثم جاءت سيارة شرطة تتوقف جانبي بطريقة استفزازية، ثم ودون أن يسألوني أو يطلبوا بطاقة هويتي صعقوني بالصاعق الكهربائي على رجلي وبطحوني أرضا ثم اقتادوني إلى مركز الشرطة حيث تعرضت كالعادة للتنمر والاستفزاز، وحين فتشوني ولم يجدوا عندي أي ممنوعات أطلقوا سراحي دون اعتذار".

وتابع "أما المرة الأخيرة فكانت قبل أسبوع حين اعترضني 3 من قوات الشرطة وهم ينظرون إلي بنظرات عنصرية استفزازية، ولما لم أسقط في فخ استفزازهم بادرني أحدهم بألفاظ عنصرية متوعدا، وحين قلت لهم إن طريقة المعاملة السيئة هذه لا تليق برجال الأمن في فرنسا زاد بطشهم وأحاطوا بي وبدؤوا بتعنيفي وما أنقدني منهم إلا تجمع بعض المارة حولنا"، كما يقول أفيليسيان.

ويؤكد أنه وأبناء جيله من الأحياء الفقيرة يتعرضون كل يوم للاستفزاز والتنمر والعنصرية والتعنيف والمعاملة السيئة من قبل رجال الشرطة. ويختم بقوله للأسف الشديد كون هذه التجاوزات لقوات الأمن لا تمارس إلا مع المهاجرين من أصول أفريقية وعرب شمال أفريقيا والمسلمين بصفة عامة، "إننا دائما نصنف عندهم مجرمين ومروجي مخدرات وارهابيين".

من احتجاجات الفرنسيين في ساحة الجمهورية وسط باريس (الجزيرة)

 

عنف الشوارع الخلفية

وفي السياق نفسه، يؤكد أليون تراوري ممثل جمعية تجمع مهاجرين من دون أوراق، للجزيرة نت أن المهاجرين من دون أوراق وطالبي اللجوء هم دائما عرضة للتنمر والتعنيف من قبل قوات الشرطة، لأن هذه القوات تستضعف هؤلاء المهاجرين وتعتبرهم مواطنين من الدرجة الثانية.

ويضيف قائلا لقد عشت هذا الرعب والخوف والمعاملة القاسية قبل أسبوعين في ضاحية سان دوني مع مجموعة من المهاجرين وطالبي اللجوء، حين أحاطت بنا الكثير من القوات الأمنية وسيارات الشرطة وتم ضربنا بالهراوات وتفريقنا بالغاز المدمّع بطريقة وحشية ومعاملة أقل ما يقال عنها إنها مهينة رغم أنه كان معنا الكثير من النساء والأطفال.

قتل نتيجة العنف

أما كاران ليفي زوجة فيليب داريان الذي قتل سنة 2019 على أيدي قوات الشرطة نتيجة العنف المبالغ فيه، فتروي للجزيرة نت قصة زوجها مع عنف الشرطة، قائلة "تعرض زوجي للتعنيف الشديد والتعذيب وقتل على أيدي قوات الشرطة يوم 24 مايو/أيار 2019، بعد أن تعرض له 3 من قوات الشرطة وضربوه وصعقوه وكبلوا يديه وعذبوه حتى فقد الوعي ثم توفي.

ورغم أنه كان إنسانا هادئا ومواطنا متزنا وليس من أصحاب المشاكل والسوابق، فإن قوات الشرطة استفزته واختلقت له قصة واهية ليبرروا أعمالهم الوحشية. وكان ذلك في ضاحية درانسي التابعة لسان سان دوني.

وتختم شهادتها بالتأكيد على أن عنف الشرطة يضرب كل شيء ويمكن أن يصيب أي إنسان مهما كان دينه أو لون بشرته أو جنسيته، مهاجرا كان أو أجنبيا أو فرنسيا، فزوجي فرنسي أبيض البشرة وأنا أيضا مثله، ولكنه للأسف قتل تحت التعذيب ونتيجة العنف المبالغ فيه من قبل الشرطة الفرنسية.

آن صوفي فومبيير مسؤولة الحرية في منظمة العفو الدولية بباريس (الجزيرة)

موقف المنظمات الحقوقية

وعن موقف منظمة العفو الدولية بخصوص الطريقة المشينة والعنيفة التي طرد بها المهاجرون من ساحة الجمهورية، قالت آن صوفي فومبيير في تصريح خاص للجزيرة نت إن المنظمة نددت بالطريقة الوحشية والمشينة التي تعاملت بها قوات الأمن مع هؤلاء المهاجرين الذين ليس لديهم أي ذنب سوى مطالبتهم بمكان يؤويهم من برد الشتاء.

وتطالب المنظمة كما تقول، بتوفير حلول عاجلة لهم وإيجاد سكن ومأوى يحميهم ويحفظ لهم كرامتهم. مشيرة إلى أن تعامل قوات الشرطة بعنف مبالغ فيه تجاه هؤلاء المهاجرين وطالبي اللجوء والحماية، إنما يخبرنا عن الطريقة السيئة وعدم المسؤولية التي تتعامل بها الدولة مع ملف المهاجرين.

ولأنه كان من الأجدر قبل إرسال قوات الشرطة بكل عتادها وقسوتها، أن يتم التنسيق مع منظمات المجتمع المدني والحوار مع المهاجرين من أجل حل هذه المشكلة سلميا وترحيلهم بكل هدوء من ساحة الجمهورية إلى أماكن توفر لهم أبسط مستلزمات العيش.

وأضافت فومبيير أن الصور القاسية والصادمة والمشينة التي رأيناها وتناقلتها وسائل الإعلام في كل العالم هي صور مسيئة لفرنسا ولمنظماتها الحقوقية والإنسانية.

وشددت على أن ضرب المهاجرين وطالبي اللجوء بتلك الطريقة الوحشية واجتثاثهم من تحت خيامهم دون رحمة أو شفقة، وركلهم وضربهم والاستعمال المكثّف للغاز المدمّع لتفريقهم، على مرأى ومسمع من الصحفيين وممثلي منظمات المجتمع المدني، كل هذا يجلب العار لنا جميعا وينبئ بخطر أكبر لظاهرة العنف المتفاقمة.

عنف انتقائي

وعن ظاهرة عنف الشرطة الممنهج تجاه فئات اجتماعية بعينها على غرار العرب المسلمين والأفارقة وسكان المناطق الشعبية والضواحي الباريسية الفقيرة، تؤكد فومبيير وجود هذا التوجه قائلة "وثقنا هذه الظاهرة ولاحظنا أن هذا العنف كان في الغالب يوجه ضد المهاجرين والأفارقة أصحاب البشرة السوداء، وضد العرب والمسلمين ومهاجري شمال أفريقيا".

كما يوجه ضد طالبي اللجوء وفي الأحياء الشعبية التي يكثر فيها المهاجرون والمواطنون الفرنسيون من أصول أفريقية في الضواحي الباريسية، و"هذا نوثقه ونندد به في منظمة العفو الدولية منذ سنوات وسنوات، وليس وليد اللحظة"، بحسب فومبيير.

ولأن ظاهرة عنف الشرطة الممنهج لم تضرب باريس فقط، وإنما موجودة في كل أنحاء فرنسا، مثلما يؤكد المراقبون، توجهت الجزيرة نت بالسؤال عن هذه الظاهرة للناشط الحقوقي جون كلود لينوار رئيس جمعية "سلام" التي تنشط في مدينة كالي شمالي فرنسا (تبعد 295 كلم عن باريس).

يقول لينوار "في الحقيقة نحن اليوم كفرنسيين نتألم ونشعر بالخجل حين نشاهد مثل هذه المشاهد القاسية ومثل هذه المعاملة السيئة لأصدقائنا المهاجرين الذين غادروا بلدانهم للبحث عن الأمن والسلام والطمأنينة والعيش الكريم، ولم يكونوا يتوقعون أن يلاقوا مثل هذه المعاملة الوحشية من قوات الشرطة الفرنسية".

ويزيد "نحن نتألم كفرنسيين إلى ما تحولت إليه دولتنا وجمهوريتنا التي خانت مبادئ حقوق الإنسان والقيم الإنسانية، ونتألم لأن العالم يرانا عبر هذه الصور السيئة التي تنزع قيمة الأخوة والاستقبال الجيد والعدالة وحق التداوي وكل القيم النبيلة التي قامت عليها الثورة الفرنسية والجمهورية".

ويضيف لينوار أن الفرنسيين والأوروبيين حين يسافرون إلى بلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط والبلدان الأفريقية يسعدون كثيرا بالاستقبال الحسن والابتسامة والكرم الكبير الذي يجدونه من شعوب هذه الدول. ويخلص إلى أنه لابد لدول الشمال الغنية مثل فرنسا أن ترد بعض هذا الدين لهؤلاء المهاجرين وتستقبلهم استقبالا حسنا ولا تهينهم مثلما وقع في حادثة ساحة الجمهورية في باريس.

ظروف عيش قاسية للمهاجرين وسط محاصرة قوات الشرطة (الجزيرة)

تشكل الدولة الأمنية

وعن توثيق جمعية "سلام" لشهادات مهاجرين تعرضوا للتعنيف من قبل قوات الأمن، يشدد لينوار على أن هذا أصبح من تقاليد عمل الجمعية التي توثق كل يوم هذه التجاوزات والقمع والتعنيف من قبل قوات الشرطة، وتندد به وتحاول التحذير من خطورته.

وأشار إلى أنهم يتلقون يوميا شكاوى وشهادات من مهاجرين تعرضوا لحالات اعتداء لفظي وجسدي ومعاملة قاسية وتنمر وعنصرية مورست عليهم من قبل قوات الشرطة الفرنسية، التي تعتبر التعدي على الغريب الأجنبي حق مشروع لا يعاقب عليه القانون، على حد قوله.

ويختم الناشط جون كلود لينوار تصريحه للجزيرة نت متسائلا "هل حقا نعيش نحن وممارسو هذا العنف الوحشي على المهاجرين في العالم نفسه؟ وهل حقا نعيش مع هؤلاء الحكام في الكون نفسه؟".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

داهمت الشرطة الفرنسية مقر جمعية “بركة سيتي” الخيرية، وأوقفت مؤسسها إدريس سي حمدي عقب مداهمة منزله، وذلك بعد نحو أسبوعين من خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي قال فيه “إن الإسلام يعيش في أزمة”.

ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن الشرطة الفرنسية داهمت فجرا منازل 4 أطفال مسلمين، وعاملتهم كإرهابيين، بسبب إعرابهم لمعلمين بالمدرسة عن رفضهم الرسوم المسيئة للنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- خلال هذا الشهر.

المزيد من حريات
الأكثر قراءة