روح حرة وجسد أسير.. جثامين الأسرى الشهداء جرح الفلسطينيين النازف

تلعثمت الفلسطينية عبير الخطيب، شقيقة الشهيد داود، عندما نعتته بالأسير لدى سلطة الاحتلال الإسرائيلي، ونسيت للحظة أنه استشهد في سجون الاحتلال قبيل أيام معدودات من موعد الإفراج عنه، بعد أن أمضى قرابة 19 عاما في سجون الاحتلال.

قبل 5 ساعات فقط من فاجعة العائلة بخبر استشهاد داود، كان الأسير يتحدث خلسة من داخل السجن مع شقيقته عبير عبر الهاتف ويوصيها بالعناية بنفسها والعائلة، ويصبّرها بقوله إن كل ما بقي له أيام قليلة ليُفرج عنه من داخل السجون، لكن جلطة قلبية أنهت حياته قبل تحرره بـ (92) يوما.

تعزية بدلا من تهنئة

لم يتبقَ في منزل العائلة، المبني قبل 300 عام وسط البلدة القديمة في مدينة بيت لحم جنوب الضفة الغربية، سوى شقيقته الصغرى. وعندما زرنا المنزل للقاء عائلة الشهيد الأسير كان العمل يجري على إعادة ترميم المنزل؛ كون داود سيسكن فيه وسيكوّن أسرة داخله، لكنه لن يدخل أبدا بعد اليوم.

تضع العائلة على الطريق المؤدي للمنزل لافتات كبيرة لصور الشهيد المولود عام 1976 التي كانت من المفترض أن تضع لافتات لتهنئته بالإفراج عنه، ولكن ذلك لن يتحقق أبدا بعد استشهاده.

تقول عبير للجزيرة نت إنها تزوجت وأنجبت -كما شقيقها داود- في الأسر، وتوفي والداها وهو معتقل. أرادت أن تُدخل الفرحة في قلب شقيقها بتسمية نجلها الصغير داود تيمنا باسمه.

مسحت عبير الأم وجه داود الطفل بيدها بعد أن كان يبكي؛ لأننا أطلنا غيبتها عنه في لقائها معنا، تشعر بأنها أرادت لمس وجه شقيقها داود عائدا محررا.

عبير الخطيب شقيقة الشهيد الخطيب تحمل طفلها داود الذي أسمته تيمنا باسم شقيقها الأسير الشهيد (الجزيرة)

روح محررة وجسد أسير

ترافقنا عبير في أزقة المنزل القديم، تشير إلى الغرفة التي كان يسكنها داود قبل اعتقاله عام 2002، والتي تطل على طريق رئيس في البلدة القديمة لبيت لحم وإلى المطبخ الذي ما زال قيد التجهيز، ومن ثم إلى صور لأمه وأبيه، بقيت في المنزل معلقة، هي ما تبقى من الأسرة الفلسطينية.

تتذرع إسرائيل عندما يستشهد أحد الأسرى الفلسطينيين في سجونها بأن مدة حكمه لم تنته، وأنه يجب أن يقضي المدة المتبقية حتى لو كان جثمانا محجوزا، ولكن حالة داود الخطيب مختلفة هنا؛ فالرجل استشهد قبل أيام من موعد الإفراج عنه، وانتهى حكمه بتاريخ 4/12/2020، وتحررت روحه عند بارئها، ولكن جسده ما زال محتجزا لدى سجان غير مكتفٍ بما سلب من سنوات عمره وشبابه.

داود واحد من 8 أسرى استشهدوا داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي وما زالت جثامينهم محتجزة، وهم الشهداء الأسرى أنيس دولة المحتجز منذ عام 1980، وعزيز دويكات، وبسام السايح، وفارس بارود وسعدي الغرابلي، ونصار طقاطقة، وكمال أبو وعر، وهؤلاء ضمن 226 أسيرا فلسطينيا استشهدوا داخل السجون منذ عام 1967، و71 أسيرا استشهدوا بسبب الإهمال الطبي.

لافتات تحمل صورة الشهيد داود الخطيب ألصقت في محيط المنزل وكان من المفترض أن تحمل هذه اللافتات تهنئة بتحرره من الأسر (الجزيرة)

جرح نازف

يرى المستشار الإعلامي لهيئة شؤون الأسرى والمحررين حسن عبد ربه أن سلطة الاحتلال لا تحتاج لذرائع كي تحتجز الجثامين، فهي تنتهك كل المواثيق الدولية باحتجاز شهداء يجب أن يُسلموا الى أهاليهم؛ كي يدفنوا وفق الشرائع والطقوس الدينية، ومن حقهم معرفة مكان دفن أبنائهم ويجب تسليم الشهيد، سواء كان محكوما أو غير محكوم.

فالأسير نصار طقاطقة كان موقوفًا، ودون أية تهمة واستشهد دخل السجون، وما زال جثمانه محتجزا، ويبدو -حسب عبد ربه- أن حجة احتجاز الجثامين للأسرى الشهداء هي مساومة المقاومة الفلسطينية التي تحتجز جنودا إسرائيليين، وإن كانوا بقبضتهم كجثث، فيتم مساومتها بجثامين هؤلاء الشهداء.

واعتبر عبد ربه في حديثه للجزيرة نت أن احتجاز جثامين الأسرى الفلسطينيين الشهداء هو جرح نازف لذويهم ما داموا لا يعرفون أماكن دفنهم أو يزورون جثامين أبنائهم.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من حريات
الأكثر قراءة