صحفيون فرنسيون بارزون: فرنسا أصبحت بلدا دكتاتوريا متخلفا وتتحول إلى القمع

حشد من المتظاهرين ضد مشروع القانون في ساحة حقوق الإنسان بباريس (الجزيرة)
حشد من المتظاهرين ضد مشروع القانون في ساحة حقوق الإنسان بباريس (الجزيرة)

وسط تنامي ظاهرة مشاريع القوانين العنصرية وصعود اليمين المتطرف وخطاب الكراهية والإسلاموفوبيا، التي تتبناها وسائل الإعلام الفرنسية المحسوبة على اليمين واليمين المتطرف، وبتشجيع من الخطاب الرسمي للدولة، برز إلى السطح مشروع قانون الأمن الشامل الذي تقدمت به كتلة الحزب الحاكم "الجمهورية إلى الأمام" إلى البرلمان الفرنسي، كمؤشر على تراجع حرية التعبير في فرنسا وعدم القبول بالآخر، وفق ما يقول ناشطون.

وفجّر مشروع قانون الأمن الشامل، خاصة الفقرة 24 منه التي تقيد حرية التصوير والنشر حيث تفرض عقوبة السجن عاما وغرامة مالية قدرها 45 ألف يورو على كل من ينشر صور "وجه أو أي علامة تعريفية" لشرطي أو دركي أثناء أداء وظيفته من أجل "إلحاق الأذى الجسدي أو النفسي به"، احتجاجات واسعة منذ الـ17 من الشهر الحالي، قادتها الهياكل والنقابات المنظمة للمهنة الصحفية ومنظمات المجتمع المدني وهيئات حقوق الإنسان.

وعلى خلفية الاعتقالات الكثيرة التي حدثت الثلاثاء الماضي لعدد من الصحفيين ونشطاء المجتمع المدني، فضلا عن المواجهات العنيفة بين المحتجين وقوات الأمن، جاءت احتجاجات عشية السبت 21 نوفمبر/تشرين الثاني في العاصمة الفرنسية باريس وفي كثير من المدن الفرنسية، أكثر عددا وزخما وحدّة.

فقد تجمع آلاف المتظاهرين في ساحة حقوق الإنسان والتروكاديرو قرب التوريفال، وعبروا عن غضبهم ورفضهم المتجدد مشروع القانون هذا "المهين لقيم الحرية وحقوق الإنسان التي قامت عليها الجمهورية والثورة الفرنسية" مثلما أكد ذلك بعض ممثلي المجتمع المدني الذين التقتهم الجزيرة نت.

وفي المظاهرات رُفعت شعارات تسخر من ماكرون وسياسته وتندد بقانون الأمن الشامل، على غرار "أمن شامل يساوي دكتاتورية شاملة"، و"لا للدولة البوليسية"، و"الديمقراطية في خطر"، و"لا لدولة البوليس.. نعم لدولة القانون".

ووصف إيمانويل بوبارد السكرتير العام الأول للاتحاد الوطني للصحفيين الفرنسيين قانون الأمن الشامل بأنه "نكسة غير مسبوقة لحرياتنا العامة والأساسية في فرنسا"، وقال إنه لتعزيز الشعور بالإفلات من العقاب لدى الشرطة وجعل عنف الشرطة غير مرئي.

أنطوني بيلانجر: البث المباشر سيكون مستحيلا في ظل القانون المقترح، فمجرد التصوير سيؤدي إلى الاعتقال (الجزيرة)

حرب الصورة

ورأى ناقدون أن القانون جاء لإخفاء الوجه القبيح للقوات الأمنية التي كثيرا ما ترتكب تجاوزات وعنفا مبالغا فيه ضد المتظاهرين.. وتساءلوا هل هي حرب الصورة؟

وفي تصريح خاص للجزيرة نت قال الأمين العام للاتحاد الدولي للصحفيين أنطوني بيلانجر، بخصوص معركة الصورة ورمزيتها وخلفياتها "بالتأكيد، هي حرب الصورة، لأن هذا القانون يشجع الشرطة على إخفاء التجاوزات التي تقوم بها"

ويضيف أن حقيقة بث الصورة، وخاصة البث المباشر، ستكون مستحيلة في ظل القانون المقترح، فمجرد التصوير سيؤدي إلى الاعتقال والاستهداف من قبل الشرطة. ويشير إلى أن من الواضح أنه ليس الصحفيون ومراسلو الصور وصناع الأفلام الوثائقية وأعضاء مراصد المواطنين المستهدفين فقط، بل أيضًا أي شخص يستخدم هاتفه المحمول لالتقاط الصور، على وجه الخصوص أثناء المظاهرات أو الحركات الاجتماعية..

ويتابع أن الرقابة الذاتية ستكون واسعة النطاق في وسائل الإعلام وعلى المنصات، ومن ناحية أخرى سيتمكن أفراد قوات الأمن من تصوير السكان خلال حياتهم اليومية، وهذا انتهاك خطِر للحقوق الأساسية، وحق حرية التعبير وبالضرورة حرية الصحافة.

ويجيب عن سؤال عن مدى تأثير التشريع الفرنسي الجديد وسياسة فرنسا الجديدة المضيقة على حرية التعبير في الأنظمة الدكتاتورية في العالم، بأنه لا يعتقد أن هذا يشجع البلدان الدكتاتورية، لأن هذه البلدان لا تحتاج إلى مثال كفرنسا لكي تبسط نفوذها على الإعلام، وتزيد من تركيع الصحافة والسيطرة بقبضة من حديد على الناشطين والمعارضين، "لكن هذا يُظهر ببساطة أن فرنسا أصبحت جزءا من الأنظمة السياسية الدكتاتورية المتخلفة والمعارضة لحرية التعبير".

متظاهر يرفع لافتة كتب عليها "في بلاد العميان العور هم من يشرعون القانون" (الجزيرة)

وأما دومينيك برادلي كبيرة الصحفيين سابقًا بالقناة الثانية الفرنسية والأمينة العامة لنقابة الصحفيين الفرنسيين، فلم تخف حيرتها وانزعاجها وخوفها الكبير على مستقبل المهنة الصحفية في فرنسا -وهي تتحدث للجزيرة نت- مؤكدة أن مشروع هذا القانون "محطم للحريات وحق الإعلام والمعرفة، وهذان الحقان منصوص عليهما في الدستور الفرنسي وفي جميع المواثيق العالمية والمعاهدات الدولية التي وقعتها وصادقت عليها فرنسا".

وأما جيل مونسفون عضو إدارة اللجنة المركزية لرابطة حقوق الإنسان الفرنسية، فقال للجزيرة نت إن "قانون الأمن الشامل قانون خطر ويتنافى مع مبادئ الحرية ومع القيم الديمقراطية التي تأسست عليها الجمهورية أول مرة".

وفيما يخص رأيه في تصاعد موجة العنصرية تجاه المسلمين والمهاجرين خاصة بعد حادثة قتل الأستاذ صامويل باتي على خلفية الرسوم المسيئة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، قال مونسفون "في الحقيقة مع الأسف أن من مظاهر التمييز العنصري في فرنسا في السنوات الماضية والمدة الأخيرة تجاه المسلمين هو هذا الخلط بين العمليات الإرهابية التي تقع في فرنسا والتي ندينها بكل الأشكال، والمسلمين والإسلام كدين وثقافة وحضارة عريقة".

ويضيف أن "هناك من يحاول أن يستغل هذه الحوادث الشاذة لكي يصنع ويسن قوانين تدين كل المسلمين في فرنسا. وهذا هو الظلم بعينه لأن المسلمين جزء لا يتجزأ من المجتمع الفرنسي ومن الجمهورية، ومن ثم هل من المعقول أن نعزل فئة من المجتمع بقوانين جائرة وبتهم واهية وملفقة؟".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من حريات
الأكثر قراءة