هل تمنح الجنسية الأجنبية طوق النجاة للمعتقلين بمصر؟

صورة على مواقع التواصل الاجتماعي لمجموعة من المعتقلين بأحد السجون المصرية- سجن
في ظل تردي أوضاع المعتقلين بالسجون المصرية يبجث بعضهم عن النجاة عبر الجنسية الأجنبية (مواقع التواصل)

دعاء عبد اللطيف-القاهرة

قبل نحو ستة أعوام، كان المواطن المصري الأميركي مصطفى قاسم يتجول في أحد مراكز التسوق القريبة من ميدان رابعة العدوية (شرقي القاهرة)، حيث كانت قوات من الجيش والشرطة تفض اعتصام رافضي الانقلاب العسكري، وبشكل عشوائي ألقي القبض عليه باعتباره معارضًا للسلطة آنذاك.

أبرز قاسم جواز سفره الأميركي لرجال الشرطة ظنا منه أن الجنسية الأجنبية قد تحميه من الاعتقال، غير أن النجاة كانت بعيدة؛ إذ وجد نفسه متورطا في قضية "فض اعتصام رابعة"، وحكم عليه بالسجن 15 عاما.

ومرة أخرى، ظن الرجل الخمسيني أن الجنسية الأميركية ستكفل له الحرية، فخلال محاكمته أمام محكمة جنايات القاهرة في مارس/آذار 2016، تساءل قاسم عن مصير طلبه الذي قدمه للتنازل عن جنسيته المصرية؛ إلا أن هيئة المحكمة تجاهلت الإجابة تماما كما تجاهلت طلبه.

وأمام انسداد الأمل في نيل حريته، دخل قاسم في إضراب جزئي عن الطعام على مدار الشهور الماضية، إلا أنه توقف قبل أسبوعين عن تناول السوائل؛ مما سبب تداعيات صحية خطيرة، إلى أن توفي مطلع الأسبوع الماضي.

وأدانت الإدارة الأميركية المصير المأساوي لمواطنها، فعلق ديفيد شينكر مساعد وزير الخارجية الأميركية بأن الوفاة في الاعتقال مأساوية ولا مبرر لها، مضيفا أن بلاده ستواصل إثارة المخاوف الجدية حيال أوضاع المواطنين الأميركيين المعتقلين في مصر.

الجنسية مقابل الحرية
ويحمل العشرات من المعتقلين داخل السجون المصرية جنسيات أخرى، وفي بعض الحالات أنقذت الجوازات الأجنبية أصحابها من براثن السجن، لكنها فشلت مع آخرين فواجهوا الموت أو استمرار العيش داخل الزنازين.

وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي، اعتبرت منظمة "هيومن رايتس مونيتور" -في تقرير لها- المواطن المصري الذي تزدوج جنسيته، خاصة إن كانت لدولة غربية، شخصا سعيد الحظ.

وقالت المنظمة إن الجنسية الأجنبية يمكنها أن تتيح فرصة الحرية للمعتقل المصري، مشيرة إلى أحوال المعتقلين داخل مقرات الاحتجاز المعروفة بعدم مطابقتها للمواصفات.

يعد الشاب محمد سلطان من أشهر المعتقلين الذين منحتهم الجنسية الأجنبية طوق النجاة من الاعتقال داخل السجون المصرية.

كان سلطان متهما في قضية غرفة عمليات رابعة العدوية، وصدر ضده حكم بالمؤبد 25 عاما، ودخل في إضراب عن الطعام استمر نحو 495 يوما، ولقب بصاحب أطول إضراب عن الطعام في العالم.

مع ذلك، لم تلق السلطات المصرية بالا بإضراب الشاب عن الطعام، الذي مثّل تهديدا لحياته؛ مما اضطره في نهاية المطاف إلى التنازل عن جنسيته المصرية والاحتفاظ بالجنسية الأميركية، التي كانت كفيلة بخروجه من السجن في مايو/أيار 2015.

المعاناة نفسها تعرض لها الصحفي المصري الكندي محمد فهمي، الذي حكم عليه بالسجن سبع سنوات بعد إدانته في القضية المعروفة إعلاميا "بخلية الماريوت"، حتى تنازل عن جنسيته المصرية في فبراير/شباط 2015، وتم ترحيله إلى كندا.

لكن الوضع كان مختلفا في حالة الناشطة في مجال حقوق الإنسان آية حجازي، التي رفضت عرضا من السفارة الأميركية بالقاهرة للتنازل عن جنسيتها المصرية والاحتفاظ بالأميركية مقابل الإفراج عنها.

واهتمت الإدارة الأميركية بحالة حجازي، وهو ما تُرجم في شكل تلقي واشنطن وعدا من جانب النظام المصري بالإفراج عن الشابة، وهو ما حدث بالفعل حيث حصلت على البراءة ونقلتها طائرة عسكرية أميركية إلى الولايات المتحدة، حيث التقت الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض.

ويكفل القانون رقم 140 لسنة 2014 بشأن الأحكام الخاصة بتسليم المتهمين ونقل المحكوم عليهم لرئيس الجمهورية بناء على عرض النائب العام وبعد موافقة مجلس الوزراء؛ الموافقة على تسليم المتهمين ونقل المحكوم عليهم إلى دولهم، وذلك لمحاكمتهم أو تنفيذ العقوبة المقضى بها حسب الأحوال، متى اقتضت مصلحة الدولة العليا ذلك. 

ولا يبدو التنازل عن الجنسية المصرية ملاذا آمنا لكل المعتقلين مزدوجي الجنسية، فهناك من يواجه مصيرا مجهولا بسبب التعنت غير واضح الأسباب من جانب السلطات في مصر.

فهناك حالات قدمت طلبات رسمية للتنازل عن جنسيتهم المصرية من دون رد بالموافقة أو الرفض من جانب الجهات المعنية، من بينها المعتقلة نجلاء يونس التي تحمل الجنسيتين المصرية والأميركية.

وكشف مركز "الشهاب لحقوق الإنسان" عن أن نجلاء -المحبوسة احتياطيا على ذمة قضيتين سياستين- سبق أن قدمت طلبا بالتنازل رسميا عن الجنسية المصرية وترحيلها إلى موطن جنسيتها الولايات المتحدة.

وفي بيان له، أكد مركز الشهاب أن السلطات المصرية لم ترد على طلب المعتقلة، لافتا إلى الانتهاكات التي تتعرض لها، وسط ظروف الاحتجاز غير الآدمية.

أما الشاب المصري الأميركي أحمد حسن (17 عاما)، القابع في السجون المصرية، فلم يجد أمامه سوى كتابة رسالة إلى الرئيس دونالد ترامب، يطلب فيها التدخل عند السلطات المصرية لإطلاق سراحه.

وجاء في رسالة حسن "أنا في زنزانة مع أكثر من عشرين شخصا من البالغين، ومن المخيف أن أكون هنا، سيدي الرئيس، الرجاء مساعدتي، أريد أن أكون مع عائلتي وأصدقائي، أنا فخور بأن أكون أميركيا، وأتوسل إليكم في الدفاع عني من أجل إطلاق سراحي". 

أيديولوجية مختلفة
من جهته، قال وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشورى السابق عز الدين الكومي إن أيديولوجية المعتقل تلعب دورا محوريا في تدخل سفارة البلد التي يحمل جنسيتها لإنقاذه من السجن.

وأوضح الكومي في حديثه للجزيرة نت أن الدول الغربية تهتم بالمعتقلين ذوي الأيديولوجيات اليسارية والليبرالية، وتسعى بكل جهدها مع السلطة المصرية للإفراج عنهم.

ورأى أن الاهتمام بالمعتقلين من ذوي الميول الوطنية والإسلامية يقل لدرجة الانعدام لدى الدول الأجنبية، ضاربا مثلا بالمواطنة المصرية الأميركية ريم دسوقي، التي تواجه تهمة إدارة صفحات فيسبوك تهدف إلى زعزعة أمن واستقرار الدولة، ولم تقدم واشنطن أي دعم لها.

وأمام المصير المجهول لكثير من المعتقلين مزدوجي الجنسية، ترجح بعض التفسيرات أن النظام المصري يلصق تهمة الانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية للمعتقل من أجل غلق الباب في وجه الحكومات الأجنبية التي تسعى للإفراج عنه.

وبالنسبة لهذا الطرح، رأى النائب البرلماني المصري أن الحكومات الأجنبية لا تنخدع بهذه المبررات التي يحيكها النظام المصري، وتابع "حتى لو سلمنا بأن المعتقل ينتمي لداعش فمن حقه محاكمة عادلة وظروف احتجاز آدمية".

المصدر : الجزيرة