تسع سنوات على الثورة التونسية.. شهداء وجرحى في دائرة النسيان

جريح الثورة مسلم قصد الله يرفض الاحتفال بالذكرى التاسعة للثورة إلا بعد صدور القائمة النهائية للشهداء والجرحى (الجزيرة)
جريح الثورة مسلم قصد الله يرفض الاحتفال بالذكرى التاسعة للثورة إلا بعد صدور القائمة النهائية للشهداء والجرحى (الجزيرة)
آمال الهلالي-تونس

على قدم واحدة، يقف جريح الثورة مسلم قصد الله متكئا على عكازه بشارع الثورة في العاصمة التونسية رفقة ثلة من عائلات "شهداء الثورة"، رافعين صور أبنائهم ممن قتلوا برصاص شرطة بن علي.

تسع سنوات انقضت ونيران القهر والظلم تلتهم أجسادهم وعقولهم، فلا العدالة أخذت مجراها ولا الدولة اعتذرت عن جرمها، كما يقولون.

بانتظار القصاص
خرج الشاب مسلم رفقة أصدقائه في 15 يناير/كانون الثاني 2011 للمشاركة في مظاهرات احتجاجية بجهة الوردانيين، من محافظة المنستير الساحلية، ولمطاردة ابن شقيق المخلوع بن علي، الذي قيل حينها إن عناصر أمنية حاولت تهريبه، لتستقر رصاصتان في قدم الشاب وتبتر بعدها ساقه اليمنى.

معاناة الشاب العشريني كما يرويها للجزيرة نت لم تقف عند ذلك الحد، حيث فقد وظيفته وانقلبت حياته رأسا على عقب، وما زال ينتظر القصاص من الأمنيين الذين أفقدوه القدرة على المشي ومتعة الحياة كبقية أبناء جيله.

ويضيف متحسرا "لا طعم للاحتفال بالثورة مجددا، طالما لم تعتذر الدولة وأذرعها الأمنية ولم يحاسب الجناة، هم فقط يريدون إذلالنا بكل السبل، تسع سنوات ولم تنشر حتى اللحظة القائمة النهائية لشهداء الثورة وجرحاها، والكل يتلكأ".   

رد الاعتبار لشهداء الثورة وجرحاها ومحاسبة القتلة هو أقصى ما يتمنى مسلم وغيره من الآباء والأمهات الذين تجمعوا بشارع الثورة، مقاطعين احتفالاتها، فبعد تسع سنوات لم يتغير شيء -كما يقولون- وما زال الجميع ينتظر صدور القائمة النهائية لشهداء الثورة وجرحاها التي ظلت حبيسة رئاسة الحكومة.

وغير بعيد من مأساة الشاب مسلم، يرفع الأب المكلوم الهادي العوني صورة ابنه مهدي الذي قتل غدرا برصاص شرطة بن علي في مدينة القصرين، إبان اندلاع شرارة الاحتجاجات في هذه المدينة.

وبمرارة شديدة يروي هذا الرجل الستيني، الذي أتعبه التنقل بين العاصمة ومدينة القصرين، كيف أزهقت دماء ابنه وهو لم يتجاوز العشرين عاما ولا يزال قتلته ينعمون بالحرية حتى اللحظة، بعد أن برأهم القضاء.

ولا يخفي شعور القهر والظلم الذي يعتريه بسبب تهميش السلطات لقضية ابنه والعشرات ممن استشهدوا في هذه المدينة، وبعد أن استغلت مجموعة من المحامين والسياسيين قضية شهداء الثورة وجرحاها للوصول إلى البرلمان، بعد أن أغرقوهم بالوعود الزائفة، كما يقول.

لا يزال الهادي العوني ينتظر القصاص العادل لابنه الذي قتله بوليس بن علي (الجزيرة)

تهميش متواصل
تعاقبت الحكومات في تونس وتعاقب الرؤساء على السلطة، لكن حال هؤلاء ظل في دائرة التهميش والنسيان، كما يقر الناشط الحقوقي ورئيس الجمعية التونسية للنهوض بجرحى الثورة عادل بن غازي.

ولا يخفي عادل في حديثه للجزيرة نت شعور الخيبة، بعد مرور تسع سنوات على الثورة، حيث لا تزال عائلات الشهداء تنتظر القصاص العادل من قتلة أبنائها مع استمرار الحكومات المتعاقبة في سياسة التهميش وعدم الرغبة في رد الاعتبار لهؤلاء من خلال نشر القائمة النهائية لشهداء الثورة وجرحاها.

وسبق للجمعية أن طالبت مجلس نواب الشعب المنتخب حديثا بتشكيل لجنة برلمانية خاصة لمتابعة ملف شهداء الثورة وجرحاها، وهو ما جرى فعلا، حيث أقرت رئاسة البرلمان الشهر الماضي تشكيل "لجنة شهداء الثورة وجرحاها"، وأسندتها لكتلة الائتلاف الوطني المحسوبة على قوى الثورة.

وفي هذا السياق، اكتفى رئيس هذه اللجنة سيف الدين مخلوف للجزيرة نت بتأكيد تعيين موعد جلسة استماع مع بداية الشهر القادم بحضور جميع الأطراف المعنية بملف الشهداء وجرحى الثورة، مثل لجنة الشهداء وجمعيات حقوقية وممثلين عن رئاسة الحكومة والهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية.

عائلات شهداء الثورة وجرحاها لا يزالون بانتظار صدور القائمة النهائية لشهداء الثورة وجرحاها (الجزيرة)

القائمة المؤجلة
وسبق أن نشرت "لجنة شهداء الثورة ومصابيها" في 8 أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، عبر الموقع الرسمي للهيئة العليا لحقوق الإنسان، القائمة النهائية لشهداء الثورة ومصابيها.

وتضمنت القائمة 129 شهيدا و634 جريحا، معربة عن أملها أن تأذن رئاسة الحكومة بنشرها بالجريدة الرسمية، لإكسابها الصبغة القانونية وضمان حقوق أصحابها. 

وشدد رئيس الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية توفيق بودربالة في بيان حمل توقيعه أن الهيكل الرسمي والقانوني الوحيد المخول له نشر قائمة شهداء الثورة وجرحاها هو رئاسة الحكومة، حيث تعد الجهة التي تحيل النصوص القانونية إلى الجريدة الرسمية، لافتا إلى أن الهيئة سبق أن راسلت رئاسة الحكومة بضرورة التسريع في نشر القائمة النهائية.

وسبق أن خاضت عوائل شهداء الثورة وجرحاها منذ 2011 إلى يومنا هذا مسيرات احتجاجية واعتصامات أمام البرلمان ورئاسة الحكومة والهيئات الحقوقية، للضغط على الجهات الرسمية للإفراج عن القائمة النهائية لشهداء الثورة وجرحاها.

وقد زار رئيس الجمهورية قيس سعيد أحد جرحى الثورة في بيته بمدينة "رأس الجبل" في محافظة بنزرت، بحسب ما نشرته الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية مساء الثلاثاء.

وأوضح بيان رئاسي أن الشاب خالد بن نجمة أصيب يوم 13 يناير/كانون الثاني بثلاث رصاصات جعلته مقعدا، مؤكدا حرص رئيس الجمهورية على متابعة الأوضاع الصحية والاجتماعية لجرحى الثورة ولكل التونسيين.

كما جدد الرئيس خلال زيارته لمحافظة القصرين بالتزامن مع إحياء "يوم الشهيد" في 9 يناير/كانون الثاني الجاري، تمسكه بمبادئ الثورة وعمله على إنجاز وعود التنمية والتشغيل التي خرج لأجلها الشباب الثائر.

المصدر : الجزيرة