"مقبرة الأحياء وبحر الألم".. إضراب معتقلي العقرب في وجه الانتهاكات

عبد الرحمن محمد-الجزيرة نت

"ستجدون أكثر مما سنذكره، هذا غيض من فيض، قطرة من بحار الآلام والتجويع والتنكيل والحرمان والإهانة والتعذيب". ربما لم يكن يعلم الصحفي المصري محمود عبد المجيد صالح أن وفاته التي أعقبت كتابة هذه الكلمات بأيام -ضمن رسائل سربها من محبسه- ستكون أبلغ تأكيد لما حاول إيصاله للعالم من خلال تلك الرسائل.

ولعل السجان لم يكن بحاجة إلى مزيد من "التنكيل والتعذيب" كما توقع صالح في رسالته حال معرفتهم بتسريبها حين كتب "لسنا نعلم كيف سيكون رد فعل المجرمين على من فضحهم، وإن كنا نتوقع أن ندفع الثمن غاليا بمزيد من الآلام والتنكيل والتعذيب". فما كان يعانيه كان كفيلا بأن يبلغه أجله.

وكان المعتقل محمود صالح -الذي توفي داخل محبسه بزنزانة في سجن طرة 1 شديد الحراسة والمعروف باسم العقرب (جنوبي القاهرة)، السبت قبل الماضي جراء الإهمال الطبي المتعمد والبرد والجوع- سرب رسائل تكشف عما يتعرض له وباقي معتقلي السجن سيئ السمعة من انتهاكات وتجاوزات.

هذه الرسائل المسربة التي وصلت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا، أوردتها في تقرير نشرته قبل وفاة صالح بأيام، وقالت إنه "يحمل شهادة حية تفصيلية لمعتقلي العقرب، كتبها معتقلون على مدار سبعة أشهر سابقة لتاريخ نشره بوسائل بدائية في محاولة لنقل معاناتهم وصرخاتهم حول ما يتعرضون له".

عمل صالح في مجال النشر والصحافة ساعده على أن يصيغ تلك المعاناة بشكل أدى إلى تقريب الصورة بشكل كبير لمن في الخارج، فهو مثلا يرى "التميز" في العقرب "مقابر لمن تعاظم الحنق عليه والغضب منه لحد اتخاذ القرار بالدفن أحياء في مدافن شديدة الوطأة يشتد فيها الأذى إلى أقسى مداه".

هذه المعاناة التي تبدت ملامحها لأسر المعتقلين الممنوعين من الزيارة ولحقوقيين، دفعتهم إلى تدشين حملة "البرد قرصة عقرب"، للتضامن مع معتقلي العقرب، وذلك يوم الجمعة الذي سبق وفاة صالح بيوم، على أن تستمر عشرة أيام، إلا أن التداعيات ربما تحملهم على الاستمرار فيها إلى أجل غير مسمى.

فوفاة صالح واستمرار المعاناة دفعا نحو ثلاثمئة معتقل إلى الدخول في إضراب عن الطعام يستمر لليوم التاسع على التوالي، في ظل ضغوط من قبل إدارة السجن لإجبارهم على فك الإضراب، وتعرض عشرات المضربين للإغماء بسبب استمرارهم في الإضراب، حسب رابطة أسر معتقلي العقرب.

شهادات ذوي معتقلي العقرب -التي حصل مراسل الجزيرة نت عليها من بعضهم- تكشف قدرا كبيرا من المعاناة التي تتشارك فيها الأسر مع ذويهم المعتقلين؛ فالمنع من الزيارة الممتد عبر سنوات، ومنع إدخال الضروريات، فضلا عن باقي الاحتياجات، وما يفهمونه من إشارات ذويهم أثناء جلسات المحاكمة؛ كلها تحكي جوانب من تلك المعاناة.

وفي ظل إنكار إدارة السجن وتجاهلها الإضراب، ونفي مسؤولين في وسائل الإعلام وجود الإضراب، وضغوط يمارسها السجان على المعتقلين لفك الإضراب، حسب بيان صادر عن حملة "أغلقوا عقرب مصر" الحقوقية؛ يزداد رعب أم كريم محمد (اسم مستعار) على ابنها الذي لم تره منذ اعتقاله قبل أربع سنوات.

الحملة أشارت في بيانها إلى أن الضغوط التي يتعرض لها المضربون تتضمن نقلهم إلى زنازين التأديب والعزل، الأمر الذي أدى إلى إصابة العشرات منهم بحالات إغماء متكررة، لانخفاض معدلات السكر والضغط في الدم، دون أي تحرك من قبل إدارة السجن.

وبينما تحدثت مصادر حقوقية عن "فض إضراب معتقلي العقرب بالقوة وتعليق معتقلين إضرابهم لحين إتمام مفاوضات تتم مع إدارة السجن"، تؤكد مصادر أخرى أن الإضراب مستمر، وأن المضربين يتعرضون لضغوط شديدة لفك إضرابهم.

وكشفت منظمات حقوقية وعدد من ذوي معتقلي العقرب عن تعرض أهالي عدد من المضربين عن الطعام في السجن لاعتداءات من قبل قوات الأمن، في سياق ما يمارس من ضغوط على ذويهم لإجبارهم على فك الإضراب.

وفي هذا السياق، يشير الباحث الحقوقي أحمد العطار إلى أن الأمن يمارس ضغوطا كبيرة لإجبار المعتقلين على فك إضرابهم، ويشارك في ذلك قيادات كبيرة في مصلحة السجون، حسب ما وقف عليه حقوقيون.

وأفاد في حديثه للجزيرة نت بأنه يتم في هذا الإطار "التعدي على المضربين عن الطعام بالسب والضرب، وعزل عدد منهم في غرف التأديب القاسية، وتهديد وتنكيل لإجبارهم على فك الاضراب"، لافتا إلى أنه تم إجبار بعضهم على فك الإضراب بالقوة.

وأشار إلى أنه بسبب ذلك "حدثت إغماءات وتدهور للحالة الصحية للعديد منهم، خاصة أصحاب الأمراض وكبار السن"، مضيفا "رغم علم النيابة العامة ونيابة أمن الدولة العليا بدخول الإضراب الأسبوع الثاني فإنهم لم يقوموا بفتح تحقيق شفاف لمعرفة مطالب المضربين".

بدوره، يرى وكيل لجنة حقوق الإنسان في مجلس الشورى السابق عز الدين الكومي، أن النظام المصري، لا يتوانى عن ارتكاب الانتهاكات بحق المعتقلين في مختلف الأحوال، ويحاول ألا يتأثر بأي ضغوط، سواء ما يقوم به المعتقلون من إضراب أو ما يحاول نشطاء وحقوقيون القيام به من توعية وكشف تلك الانتهاكات.

لكنه يرى في حديثه للجزيرة نت أن تتابع آثار تلك الانتهاكات المتمثلة في وفاة ثلاثة معتقلين ومعتقلة خلال أقل من أسبوعين، وإضراب معتقلي العقرب، والحملات التي دشنها حقوقيون، ربما تجبر النظام على تخفيف حدة ما يمارسه ضد المعتقلين، إلا أنها لن تثنيه عن سياسته المتبعة منذ الانقلاب العسكري.

وبدأ معتقلو العقرب إضرابهم الكامل عن الطعام منذ الأحد قبل الماضي، بسبب تعمد إدارة السجن سحب وسائل التدفئة في برد الشتاء، ومعاناتهم من نقص الأغطية، ومصادرة الملابس الشتوية، وتقليل نسبة الطعام المقدم؛ مما يعرض المعتقلين للموت البطيء.

وكانت أسر معتقلي العقرب أصدرت بيانا على خلفية وفاة عبد المجيد، تضمن 11 مطلبا؛ أبرزها المطالبة بفتح تحقيق عاجل في ما اعتبرته "جريمة قتل مروعة"، ومحاكمة عاجلة لرئيس مباحث السجن الضابط محمد شاهين، وفتح الزيارات المتوقفة منذ أكثر من عام وثلاثة أشهر.

وحسب جهات حقوقية دولية ومحلية، فإن سجن العقرب يعد أحد أسوأ السجون المصرية، ويشهد انتهاكات وتجاوزات مستمرة ومزمنة، تتمثل في منع الزيارة وعدم السماح بدخول أدوية أو مقتنيات النظافة الشخصية، فضلا عن إجراءات تعسفية تُتخذ بين الحين والآخر.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

رصدت نشرة الثامنة "نشرتكم" بتاريخ (2019/10/16) تفاعل أهالي المعتقلين المصريين في سجن العقرب مع وسم "أنقذوا معتقلي العقرب"، كما عرضت تعليقات الأهالي بخصوص الانتهاكات التي يتعرض لها ذووهم داخل السجن.

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة