التحقيق العسكري الإسرائيلي.. التعذيب بـ"تصريح قانوني"

الأسير الفلسطيني سامر العربيد الذي تعرض لتحقيق عسكري بتصريح قانوني ودخل في حال خطيرة (مواقع التواصل)
الأسير الفلسطيني سامر العربيد الذي تعرض لتحقيق عسكري بتصريح قانوني ودخل في حال خطيرة (مواقع التواصل)

ميرفت صادق-رام الله

مساء السبت، تلقى محامي مؤسسة الضمير اتصالا هاتفيا من أحد ضباط التحقيق في مركز المسكوبية التابع للاحتلال الإسرائيلي بالقدس المحتلة، أعلمه بنقل الأسير سامر العربيد إلى المستشفى بحالة صحية سيئة، فاقدا للوعي ويتنفس اصطناعيا، وبعد ساعات أصدر جهاز المخابرات (الشاباك) بيانا أقرّ فيه بتعذيب الأسير تحت غطاء قانوني.

قال الشاباك إنه حصل على "تصريح قانوني" يتيح استخدام أساليب تحقيق "استثنائية" مع الأسير سامر مينا العربيد (44 عاما) من رام الله، وأن الأسير تعرض للضرب والتعذيب الشديدين، ونُقل إلى مستشفى "هداسا" في القدس بحالة شديدة الخطورة.

ويتهم الاحتلال الإسرائيلي الأسير العربيد بقيادة خلية للجبهة الشعبية، زرعت عبوة ناسفة في منطقة عين بوبين غرب رام الله في أغسطس/آب الماضي، وفجّرتها عن بُعد عند وصول عدد من المستوطنين إلى المكان، مما أدى إلى مقتل مستوطنة وإصابة والدها وشقيقها.

واعتقل سامر العربيد -وهو أسير سابق عدة مرات في سجون الاحتلال- من أمام مقر عمله في مدينة البيرة قرب رام الله، الأربعاء الماضي. وقالت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان إنه منع من لقاء محاميه منذ اللحظة الأولى لاعتقاله.

وبحسب الضمير، فإن سامر صرّح الخميس أمام القاضي العسكري الإسرائيلي أنه يشعر بآلام في صدره ولا يستطيع البلع ويستمر في التقيؤ، مع وجود آثار ضرب على رقبته خاصة، "إلا أن الاحتلال تجاهل حالته بل استمر في تعذيبه".

وفجر الأحد، علِم محاميه بوصوله إلى المستشفى فاقد الوعي مكسور القفص الصدري وعليه رضوض وآثار ضرب في كافة أنحاء جسده مع فشل كلوي حاد.

الأسير السابق لؤي الأشقر بعد 14 عاما من إخضاعه للتحقيق العسكري، ما زال يعاني من الشلل (مواقع التواصل)

الموت على مراحل
وأعاد تعذيب الأسير تحت غطاء قانوني من القضاء الإسرائيلي، إلى الأذهان ما يسميه الأسرى الفلسطينيون بـ"التحقيق العسكري"، وهو أسوأ أشكال التحقيق التي يلجأ إليها الاحتلال لانتزاع معلومات عن عمليات من المتوقع حدوثها، كما روى الأسير السابق لؤي الأشقر من بلدة صيدا قرب طولكرم.

وتُذكَر تجربة الأشقر كواحدة من أسوأ قصص "التحقيق العسكري" في السنوات الأخيرة، عندما أراد الاحتلال انتزاع اعتراف منه بإرسال فدائيين لتنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية عام 2005، مما أدى إلى إصابته بالشلل.

يصف الأشقر (42 عاما) في تصريح للجزيرة نت التحقيق العسكري بأنه "الموت على مراحل وبإعلان مسبق"، حيث يبلّغ المحققون الأسير بأنه سيكون معرضا للموت قبيل بدء تعذيبه، من أجل إجباره على الاعتراف مسبقا.

اعتقل الأشقر في نيسان/أبريل 2005، وأخضع لفحص طبي قبل مقابلة طاقم من المحققين في مركز الجلمة العسكري قرب مدينة جنين شمال الضفة الغربية، وبعد ساعات أُبلغ بتحويله للتحقيق العسكري، دون إبراز أي نص قانوني يشرع ذلك، وقد عرف به لاحقا.

استمر التحقيق العسكري مع الأشقر ثلاثة أيام، وكان جزءا من التحقيق العام الذي تعرض له لمدة شهرين متواصلين.

بدأ التحقيق بإبلاغه من المحققين أنه سيكون مجبرا على الاعتراف أو الخروج بعاهة دائمة، وقد يكون عرضة للموت أيضا، "لكننا سنحاول ألا تموت قبل أن تعترف"؛ هكذا قالوا بالحرف.

يسمّي الأشقر المرحلة الأولى "باللياقة" أو "الموزة"، حيث يقيد الأسير إلى مقعد مرتفع، وتُربط يداه إلى الظهر وقدماه بقيود حديدية أسفل المقعد، ويتناوب عليه ثلاث محققين، يقوم أحدهم بدفع صدره بقوة إلى الخلف حتى تصل مؤخرة رأسه إلى قدميه من الخلف، ويصير الجسد معلقا كشكل الموز، ويكرر هذا الأسلوب عدة مرات، وفي كل مرة يفقد الأسير وعيه ويصاب بالتقيؤ المستمر.

وفي حال لم يدلِ الأسير باعتراف، ينتقل المحققون إلى المرحلة الثانية وهي "الشبح"، حيث تقيد يداه إلى الخلف وتُعلّق بقيود حديدية في سقف غرفة التحقيق، لمرات متكررة ومتلاحقة ولفترات بين عشر دقائق إلى ربع ساعة، وفيها أيضا يفقد الأسير وعيه بعد أن يلتصق القيد بيديه من قوة الشد إلى الأعلى.

في المرحلة قبل الأخيرة، يقوم المحققون بتعليق الأسير بملاقط حديدية تقبض على أنفه إلى السقف، وتقيد أقدامه ويديه إلى الأرض، وتؤدي هذه إلى حالة شد مستمرة للرقبة والظهر واليدين والقدمين. وفي هذه المرحلة يتعرض الأسير لنزيف الأنف ويسقط مرارا فاقد الوعي أيضا.

وفي آخر مراحل التحقيق العسكري، يقوم المحققون بفك قيود الأسير وتثبيته وسط غرفة التحقيق وتعريضه للضرب المبرح من عدة محققين، ثم تكرار المراحل من بدايتها مرات أخرى. 

في حديثه عن مراحل التحقيق العسكري، يقول الأشقر إنه "الموت المتكرر"، إذ يتمنى الإنسان فيه أن تلصق له أي تهمة وبأي حكم لقاء انتهاء تعذيبه، لكنه -هو شخصيا- رفض الاعتراف، وحكم بعدها بالسجن لمدة 28 شهرا نتيجة اتهامه بالنشاط سابقا في حركة الجهاد الإسلامي.

أدى تعذيب الأشقر بهذه الطريقة إلى إصابته بكسور متعددة في فقرات العمود الفقري، تسببت له بالشلل التام لمدة ستة شهور. وقال إنه فقد الإحساس بالجزء السفلي من جسده تماما، وما زال بعد 14 عاما من تعذيبه بهذه الطريقة غير قادر على تحريك رجله اليسرى.

وتمنع سلطات الاحتلال لؤي الأشقر -الذي تعرض لاعتقالات سابقة ولاحقة عديدة- من السفر للعلاج خارج فلسطين، كما يحظر عليه العلاج في المستشفيات الإسرائيلية، وقد استشهد شقيقه محمد بالرصاص الإسرائيلي خلال اعتقاله في سجن النقب عام 2007.

خلافا للقانون الدولي
وتذكر مؤسسة الضمير لدعم الأسرى وحقوق الإنسان أن الممارسات العنيفة وغير المشروعة التي تمارس ضد الأسير الفلسطيني في غرف التحقيق الإسرائيلية، تتعارض بشكل مباشر مع القانون الدولي بما فيه اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب التي وقعت عليها إسرائيل عام 1991.

وفيما يعد هذا الحظر مطلقا وغير قابل للانتقاص ولا يسمح "بظروف استثنائية مهما كانت"، تقول الضمير إن الكثير من الأسرى يلجؤون إلى تجريم أنفسهم باعترافات غير حقيقية تحت الضغط والتعذيب الشديد، بالرغم من حقهم الذي ينص عليه "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" في عدم إجبارهم على تجريم أنفسهم.

وبحسب نادي الأسير الفلسطيني، فإن 95% من الأسرى الفلسطينيين يتعرضون للتعذيب الجسدي والنفسي منذ اللحظة الأولى لاعتقالهم، ويمتد ذلك داخل التحقيق وبأشكال مختلفة، ويشمل ذلك كافة الفئات من الأطفال والفتيات والشبان وكبار السن والمرضى.

ويوثق النادي استشهاد 73 فلسطينيا تحت التعذيب، أحدثهم نصار طقاطقة من بيت لحم الذي أعلن استشهاده في تموز/يوليو الماضي، وكذلك الأسير المقدسي عزيز عويسات الذي استشهد نتيجة تعرضه للضرب المبرح بسجن بئر السبع في أيار/مايو 2018.

المصدر : الجزيرة