مضرب عن الطعام منذ 76 يوما.. أسير فلسطيني يواجه الاحتلال والسرطان

عوض الرجوب-الخليل

خلف ستار خيمة الاعتصام المقامة في ساحة منزلها، تجلس الحاجة زبيدة غنام أم محمد، والدة الأسير أحمد غنام، تسترق السمع حول ما يدور من حديث عن ابنها المضرب عن الطعام منذ 14 يوليو/تموز الماضي.

بيد تمسك بعصاها وبالأخرى تمسك منديلا تمسح به دموعها وتشكو قلة الأخبار عن ابنها، لكنها تسلم أمرها لله وتقول إن أقصى ما تملك -منذ أعلن إضرابه- الاستيقاظ في الليل والصلاة والدعاء له وانتظار بزوغ شمس اليوم التالي عله يأتي بما يسر الفؤاد.

أبناء الحاجة زبيدة يخفون عنها كل الأخبار السيئة حول ابنها الأسير ولا يطلعونها إلا على القليل خشية تدهور صحتها، وحرصا على عدم تكرار جلطة أصابتها بعد أن عاد إليها هزيل الجسد من اعتقال سابق لدى السلطة الفلسطينية.

في صدر خيمة الاعتصام يجلس الوالد الحاج عبد الكريم غنام (الجزيرة)

شعور بالخذلان
في صدر خيمة الاعتصام يجلس الوالد الحاج عبد الكريم غنام بأوجاعه مستقبلا وفود المتضامنين، وبينما يقدم أبناؤه القهوة السادة (المرة) للزوار ويتبادلون الحديث عن آخر أخبار أحمد، لا يبالي هو بالحديث عن ساعات القلق التي يعيشها ويكتفي بتفويض أمره لله، لكنه يصرح بالخذلان من المؤسسات الرسمية الفلسطينية وخاصة تلك التي تحمل عنوان رعاية الأسرى والإعلام المحلي.

ومنذ 76 يوما لم يدخل طعام إلى جوف أحمد بعد قراره خوض إضراب مصيري عن الطعام ضد الاعتقال الإداري المتجدد دون تهمة، معلنا "الشهادة أو الإفراج"، كما يرفض إجراء أي فحوص طبية، في وقت تستمر سلطات الاحتلال في منع ذويه من زيارته.

ولد أحمد قبل 42 عاما لأب فلاح ببلدة طرامة جنوب الخليل بالضفة الغربية، لكن ما أن شب حتى ذاق مرارة الاعتقال لأول مرة عام 1999، وتوالت الاعتقالات المتقطعة حتى بلغت تسعة أعوام، منها جزء كبير في الاعتقال الإداري دون تهمة أو محاكمة فكان قراره المصيري مواجهة تعسف الاحتلال.

ثمن الحرية
لم يبال أحمد بما يعانيه من نقص حاد في المناعة ولا آثار مرض السرطان الذي فتك بجسمه على مدى سنوات قبل أن تجرى له عملية زراعة نخاع في الأردن عام 2000، ولا الأدوية التي يتناولها حتى اليوم حفاظا على صحته.

كما لم تجدِ توسلات ونصائح رفاق الأسر في ثني أحمد عن قراره فأصر على خوض معركته مع أمعائه طلبا للحرية ورفضا للاعتقال الإداري، وفق شقيقه الأكبر محمد.

خلال إضرابه عوقب أحمد -وهو أب لطفلين وتسكن زوجته مدينة رام الله- بالتنقل بين عدد من السجون وسط وجنوب فلسطين، حتى استقر في عيادة سجن الرملة التي يرفض فيها إجراء أي فحوص طبية.

يقول محمد، إن الإضراب نال ثلاثين كيلو غراما من جسد أحمد مع مضاعفات في الكبد والكلى والنظر واليد اليسرى ونزيف متقطع في الأنف وهزال عام بات لا يقوى معه على الحركة، معبرا عن قلقه من عودة مرض السرطان إلى جسده مجددا.

أبناء الحاجة زبيدة يخفون عنها كل الأخبار السيئة حول ابنها الأسير (الجزيرة)

قلق حقوقي
ورفضت محكمة إسرائيلية أمس استئنافا تقدم به محامي الأسير للإفراج عنه نظرا لتدهور حالته الصحية، ويتوقع أن يتوجه محاميه إلى المحكمة العليا لطلب إخلاء سبيله.

ومع الاستمرار في منع ذوي الأسير من زيارته، يتابعون أخباره فقط من خلال الزيارات المتقطعة لمحاميه ومن خلال اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

من جهته، يبدي نادي الأسير الفلسطيني مخاوف كبيرة على مصير غنام، خاصة مع استمراره في رفض إجراء الفحوص الطبية منذ (15) يوما.

وقال في بيان أمس إن سلطات الاحتلال أصدرت أخيرا أمر اعتقال إداري جديدا بحق الأسير غنام خلال الإضراب وثبتته، رغم ما وصل له من وضع صحي صعب وخطير، وذلك بدعوى وجود "ملف سرّي".

إجراءات انتقامية
وأشار إلى مواصلة أسيرين آخرين إضرابهما المفتوح عن الطعام وهما: إسماعيل علي من بلدة أبو ديس وهو مضرب منذ (63) يوما، وطارق قعدان من محافظة جنين منذ (56) يوما.

وذكر أن الأسرى الثلاثة يقبعون في عزل معتقل "نيتسان الرملة"، في ظروف صعبة وقاهرة، في ظل جملة من الإجراءات الانتقامية التي تنفذها إدارة معتقلات الاحتلال بحقهم.

واعتبر نادي الأسير أن استمرار سلطات الاحتلال على موقفها المتمثل برفض الاستجابة لمطلب الأسرى، الهدف منه هو إيصال المضربين إلى مرحلة خطيرة تتسبب بإصابتهم بأمراض يصعب علاجها لاحقا.

وأكد أن قرارات المحاكم العسكرية التي تشكل أداة مركزية في عملية الانتقام الممنهجة بحق الأسرى المضربين تدعم هذا الرفض.

شقيق الأسير: الإضراب نال 30 كيلو غراما من جسد أحمد مع مضاعفات في الكبد والكلى والنظر واليد اليسرى ونزيف وهزال عام (الجزيرة)

وتُعرّف منظمات حقوقية تعنى بشؤون الأسرى، الاعتقال الإداري الذي تستخدمه إسرائيل بحق الأسرى الفلسطينيين، بأنه اعتقال شخص ما بأمر من القادة العسكريين وبتوصية من المخابرات بعد جمع مواد تصنف بأنها "سرية".

ووفق نادي الأسير فإن عدد المعتقلين الإداريين يقدر بنحو خمسمئة أسير من بين نحو 5700 أسير حتى نهاية شهر أغسطس/آب الماضي.

في سياق متصل، علق عشرات الأسرى يوم أمس إضرابا عن الطعام بدؤوه قبل 15 يوما ضد أجهزة تشويش الاتصالات التي وضعتها سلطات الاحتلال أخيرا.

وقالت هيئة شؤون الأسرى والمحررين في بيان، إن اتفاقا تم بين قيادات الحركة الأسيرة واستخبارات السجون الإسرائيلية مساء أمس الأربعاء، يقضي بمعالجة وتخفيض أجهزة التشويش والبدء بتركيب وتشغيل أجهزة الهواتف العمومية.

المصدر : الجزيرة