ألف يوم.. أهي محنة محمود حسين أم الصحافة المصرية؟

دعاء عبد اللطيف-القاهرة

خلال ألف يوم يمكنك أن تحقق بعضا من أحلامك أو تسعى في سبيل ذلك لأن تحتضن أبناءك، أن ترفع رأسك إلى السماء لتتأمل الزرقة والسحب، وبإمكانك ألا تفعل كل هذا وتستمتع على أي شاكلة بحريتك، لكن خلال نفس الفترة لم يستطع الزميل محمود حسين مجرد النظر إلى السماء.

أتم الزميل محمود ألف يوم داخل السجون المصرية بعد اعتقاله في 23 ديسمبر/كانون الأول 2016 خلال قضاء إجازته السنوية بالقاهرة.

لنحو ثلاث سنوات لم يعرض حسين على القضاء لينظر في صلب قضيته، لكن النيابة العامة وجهت له تهما مطاطة، كإثارة الفتن وزعزعة الثقة بمؤسسات الدولة وبث معلومات كاذبة تسيء إلى البلاد وتلقي أموال من الخارج للإضرار بالمصالح القومية، كل ذلك دون دليل يدينه أو حتى يبرر إحالة الأمر إلى القضاء للنظر فيه.

وفي 21 مايو/أيار الماضي صدر قرار بإخلاء سبيله بتدابير احترازية، وعلى الرغم من ذلك أعادته قوات الأمن إلى سجن طرة، حيث وُجهت إليه تهم جديدة.


ملاحقة الصحفيين
ما يتعرض له حسين يواجهه عشرات الصحفيين المصريين منذ الانقلاب العسكري في 3 يوليو/تموز 2013، سواء بالسجن أو المنع من السفر أو منع النشر وحجب المواقع الإلكترونية، فقبل أسبوع اقتحمت قوات الشرطة منزل الكاتب الصحفي مجدي شندي الذي لم يكن موجودا حينئذ، فاعتقلت ابنه عمرو الطالب الجامعي وأحيل إلى النيابة العسكرية التي أمرت بحبسه 15 يوما على ذمة التحقيقات.

وحاول محامي شندي التواصل مع الجهات الأمنية بحيث يتم الإفراج عن عمرو مقابل أن يسلم شندي نفسه إلى أقرب قسم شرطة، لكن المحاولة باءت بالفشل رغم أن شندي كان طوال السنوات القليلة الماضية في صدارة المدافعين عن النظام، خصوصا على شاشة قناة الجزيرة.

واعتقلت قوات الشرطة الصحفي حسن القباني أمس أثناء حضوره جلسة تجديد التدابير الاحترازية.

وكان القباني اعتقل في يناير/كانون الثاني 2015، وأفرج عنه بعد عامين بتدابير احترازية، في حين تقبع زوجته الصحفية آية علاء حسني في السجن منذ ثلاثة أشهر، حيث وجهت لها نيابة أمن الدولة تهمة التواصل مع قنوات إعلامية معادية.


تكميم الصحافة
صنفت لجنة حماية الصحفيين الدوليين مصر واحدة من بين أربع دول وصفتها بأكبر سجون للصحفيين في العالم، وذكرت في تقرير لها في ديسمبر/كانون الأول الماضي أن هناك 25 صحفيا معتقلا داخل السجون المصرية، في حين تحدثت منظمات حقوقية أخرى عن أعداد أكبر تصل إلى تسعين صحفيا.

كما جاءت مصر في المرتبة الـ161 من أصل 180 دولة وفق الترتيب العالمي لحرية الصحافة الذي أعدته منظمة "مراسلون بلا حدود" عام 2017.

ومنذ مايو/أيار 2017 حجب النظام المصري نحو 690 موقعا على الإنترنت، يقدم أغلبها محتوى صحفيا، حسب مؤسسة حرية الفكر والتعبير المصرية.

ووثق المرصد العربي لحرية الإعلام في مصر 82 انتهاكا بحق الصحفيين والإعلاميين في شهر أبريل/نيسان الماضي، تركزت على الاعتقال التعسفي والمنع من تغطية الاستفتاء على تعديل الدستور، والاعتداءات المتكررة على الصحفيين، فضلا عن حجب المواقع والمنع من السفر.

ويبدو أن الإحصاءات الصادرة عن منظمات دولية لا تعني شيئا لرئيس المجلس الأعلى للإعلام مكرم محمد أحمد الذي نفى تماما وجود صحفيين معتقلين في مصر خلال حوار صحفي.

وقال مكرم إنه "عندما تذهب إلى نقابة الصحفيين وتسأل عن الأسماء التي يردد الإعلام الغربي أنهم صحفيون معتقلون لا تجد أي اسم منهم"، مشيرا إلى أن الصحفيين المعتقلين "يطالبون بالحرب على الغرب المسيحي".


أزمة الإعلام الحر
أمام تلك الهجمات القمعية على الصحافة المصرية يظهر سؤال منطقي عن السبب الذي يؤدي بالسلطة إلى موقفها حيال الصحفيين، وهو ما يجيب عنه منسق المرصد العربي لحرية الإعلام أبو بكر خلاف.

وقال خلاف إن الأنظمة الدكتاتورية العسكرية تدعم رؤية الفرد الواحد الزعيم الملهم، وبالتالي فإن نشاط الصحافة ودورها المعروف في عرض المزيد من وجهات النظر قد يؤديان إلى فضح هشاشة هذا الرأي الواحد.

وأوضح خلاف للجزيرة نت أن قيام الإعلام الحر بعرض وجهات النظر المختلفة تجعله أشد أعداء النظام، وبالتالي يعمل على محاصرته وتقييده.

ونجح النظام المصري إلى حد كبير في السيطرة على كافة وسائل الإعلام التقليدية بتملكه أجهزتها مباشرة أو السيطرة على مجالس إدارتها، حسب رأي خلاف.

وأضاف أن "هذه الحالة من انسداد الحريات الإعلامية أظهرت قدرة وقوة الإعلام البديل المتمثل في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك أعطت الفرصة لتجربة متواضعة لقنوات المعارضة في الخارج على كسب أكبر قدر من الجماهير رغم ضعف إمكاناتها المادية والفنية".

بدوره، اعتبر عضو لجنة حقوق الإنسان في البرلمان سابقا عز الدين الكومي أن الصحافة المصرية تشهد أسوأ عصورها منذ القرن الـ19.

وقال الكومي للجزيرة نت إن من يحاول من الصحفيين السباحة ضد تيار النظام يواجه تهما جاهزة، مثل نشر أخبار كاذبة أو تحريض الرأي العام ضد الدولة.

وأضاف أن النظام المصري لا يأبه بالمناشدات التي تطلقها المؤسسات الحقوقية والصحفية الدولية "كما هو في حالة الصحفي محمود حسين على الرغم من دور الجزيرة في أن تظل قضيته حية".

وأشار إلى أنه "حتى من أطلق سراحهم من الصحفيين فإنهم يعانون من الإفراج المشروط أو المشمول بمراقبة الشرطة".

المصدر : الجزيرة