عـاجـل: وزير الخارجية التركي: لن نوقف عملية "نبع السلام" بل سنعلقها حتى نراقب انسحاب التنظيمات الإرهابية

ألف يوم من الانتهاكات.. محمود حسين بين مطرقة القهر وسندان المرض

عبد الله حامد-القاهرة

في الثالث والعشرين من مايو/أيار الماضي فرشت أسرة محمود حسين وبعض محبيه الأرض رملا، وهي عادة مصرية تعبر عن الترحاب بمقدم عزيز.

كان العزيز المنتظر قدومه هو محمود حسين المغيب في سجون مصر منذ أقل من تسعمائة يوم، ويومها كان قد حصل على قرار من المحكمة بإخلاء سبيله بتدابير احترازية، لعدم وجود أدلة ضده، تدعم مزاعم نيابة أمن الدولة بحقه. 

وتجمع عدد من أفراد أسرته عند باب قسم الشرطة، تمهيدا لإخلاء سبيله المقرر. لكن في البداية رفض القسم استقباله لساعات أثناء صيام رمضان، وبعد قبول إدخاله، ظل أهله يترددون عليه كل يوم، منتظرين إنهاء خروجه للحياة حرا. وبالخارج كانت ابنته زهراء تقف حاملة زيا جديدا ليرتديه بدلا من ملابسه البيضاء، التي كانت -على لونها- تبعث على الكآبة.

كان الأمل يرفرف فوق رؤوس الجميع، فأخيرا وبعد عامين ونصف العام من الحبس دون جريمة، سيتنفس محمود كل يوم هواء غير الهواء المحبوس بين جدران الزنازين. لكن الأسرة علمت أنه أعيد لسجن طرة في قضية جديدة.

أدرك محمود أنه عائد لدورة أخرى من القهر والحرمان من كافة الحقوق المكفولة له بنصوص القوانين كإنسان وكسجين، وعلى رأسها المنع من الزيارة، كما كان في أيامه الأولى من فترة سجنه الأولى.

هنالك في ظلمات سجن طرة، عاد محمود للزنزانة الانفرادية الضيقة، التي أودع فيها أول مرة لمئة يوم حليق الرأس. وتعتبر منظمات حقوق الإنسان الدولية أن الحبس الانفرادي بحد ذاته انتهاك لحقوق الإنسان، ما لم يمثل السجين خطرا على أقرانه.

بعدها أودع محمود زنزانة ضمت بعض السجناء الجنائيين، وهي التي شهدت سقوطه على الأرض عام 2017 ذات مرة فتكسرت أضلاعه، واحتاج لتدخل جراحي رفضت إدارة السجن إجراءه حتى الآن.

ونتيجة للإهمال تدهورت حالة ذراعه إلى رعشة أصابت يده تتطلب تناول أدوية بشكل دوري ليوقف الارتعاش.

دخل محمود الزنزانة الانفرادية الضيقة المعتمة في المرة الأولى مرة رسميا قبل دخوله لها فعليا، فحينما كان مختفيا لا يعرف هو ولا أهله مكانه، كانت وسائل الإعلام المملوكة للنظام تنشر بيانات رسمية تؤكد فيها أنه في سجن طرة، وذلك عقب القبض عليه يوم 22 ديسمبر/كانون الأول 2016.

لكن الحقيقة التي يعرفها محمود، حينما كان لا يزال مدركا لتتابع الأيام والشهور، أنه دخلها بعد هذه التاريخ بنحو أسبوع كامل.

كان محمود وقتها يبث لذويه الأمل في أنه عما قريب خارج من هذه المحنة، حاملا أمله الذي جعله يستبعد -قبل قدومه لمصر في إجازة سنوية معتادة- أن يتخذه النظام أداة لابتزاز قطر، عقابا لتغطيات الجزيرة للشأن المصري.

"لا أريد أن أشعر أني خائف من دخول مصر، فيما أتجول في العالم بحرية، إنه شعور مؤلم"، قالها محمود لصديق له نصحه بعدم المجيء لمصر أواخر عام 2016، في ظل التوتر السياسي بين البلدين، مضيفا "من ذا الذي يسجن ابنه ليغيظ شقيقه؟" هكذا تساءل محمود ساخرا، في تصور نبيل لمعنى المواطنة المصرية والأخوة العربية.

يتذكر محمود وهو قابع الآن في زنزانته الضيقة، وسط سحب الدخان الكثيفة المتشابكة المتصاعدة من شركاء السجن الجنائيين، الأيام الأولى العصيبة لسجنه، منذ وطأ أرض بلاده، فأودع في سجن طرة صُنف محمود داخله كسجين سياسي، مما يعني حرمانه من الحقوق التي يتمتع بها السجناء الجنائيون، ففترة التريض التي لا تزيد عن ساعة في أحسن الأحوال، ينتظر الموافقة عليها من الأمن في كل مرة، فربما فوجئ -كما حدث مرارا- أنه ممنوع منها، دون إبداء الأسباب.

هنالك في أحد زوايا السجن، يوجد ترف وحيد يمكن للسجين الحصول عليه، حيث الكانتين "مقصف السجن"، وهو المكان المحرم على محمود الشراء منه إلا بإذن أيضا.

دقائق العناق الدافئ القليلة بينه وبين الأبناء والأشقاء، يشاركهم فيها فرد أمن يظل مصاحبا له، ممسكا بدفتر يسجل فيه كل ما يقال بينه وبين أسرته، وهو عين ما يجري عند لقائه محاميه، في انتهاك صارخ لقاعدة تؤكد حق المحامي في الاختلاء بموكله والاستماع منه دون عائق، لكنهم فوق ذلك يتعرضون لمضايقات تستهدف دفعهم لترك القضية.

وحينما يحاول محمود وأفراد أسرته تبادل الحديث الخاص بالشأن الأسري بصوت منخفض، ينفجر صوت فرد الأمن صارخا بأن يتحدثوا بصوت عال وإلا سينهي الزيارة.

معاملة خاصة
يصل القهر الممنهج ضد محمود حد رفض كل طلباته لعرضه على الطبيب، في حين يتواصل تدهور صحته بفعل حالته النفسية المقهورة، حتى أن وزنه يمكن أن يزداد كثيرا وبشكل متواصل، ثم يفقد تباعا وبشكل مفاجئ كيلوغرامات من وزنه.

وأصيب محمود حسين بأمراض جلدية، بسبب تلوث بيئة الزنزانة، مع بقع حمراء ملتهبة جعلت لون جلده مفزعا ويتطلب متابعة دورية.

أما مبلغ قهر الرجال، فتمثل في رفض الطلب الذي تقدمت به أسرته لخروجه لمدة ساعة واحدة أو أكثر قليلا في زيارة لوالده المريض بجلطة أعجزته عن الحركة والكلام.

وتمثل الزيارات الأسرية مصدر أمل للسجين، إلا لمحمود فهي مصدر ألم له، إذ يقرأ في أعين أفراد أسرته تفاصيل الإذلال الذي تعرضوا له عند دخولهم إليه، فيطلب منهم ألا يزوروه إلا على فترات متباعدة، تخفيفا عنهم.

وفي مواعيد الزيارة المقررة، يتوجه عدد من أفراد أسرة محمود لسجن طرة في الساعات الأولى من الصباح، ليقفوا في طوابير طويلة، وبعد تفتيش متكرر، تحل المرحلة الأصعب عند البوابة الأخيرة، حينما ينادى على اسم محمود حسين، وهنا تتلعثم شفتا المنادي، ثم يغيب بهويات الزائرين لدقائق، ثم يخرج آمرا إياهم بالانتظار لحين ورود الموافقة بعد التثبت من الهويات.

تمتد مدة الانتظار لساعات طويلة تصل أحيانا لثماني ساعات، يدخلون بعدها منهكين، وأمارات الإعياء والإرهاق لا تخفى على ذي عينين.

تخطى محمود حسين في مدة حبسه الأولى مدة الحبس الاحتياطي، قبل إيداعه على ذمة قضية أخرى، محروما من كافة حقوقه حتى حق استلام الكتب.

المصدر : الجزيرة