ثلاجات ومقابر أرقام.. جثامين فلسطينية مأسورة

ينظر الفلسطينيون إلى احتجاز جثامين الشهداء بعد إعدامهم بوصفها جريمة حرب وفق القانون الدولي (الجزيرة نت)
ينظر الفلسطينيون إلى احتجاز جثامين الشهداء بعد إعدامهم بوصفها جريمة حرب وفق القانون الدولي (الجزيرة نت)

ميرفت صادق-رام الله

لثلاثة عقود كانت سهير البرغوثي تشارك أهالي الأسرى الفلسطينيين مظاهراتهم واعتصاماتهم للمطالبة بالإفراج عن زوجها أو أبنائها المعتقلين بالسجون الإسرائيلية، لكنها وقفت الثلاثاء مع عائلات الشهداء تطالب باسترداد جثمان ابنها الشاب صالح البرغوثي المحتجز منذ تسعة شهور.

كانت الأم تحمل صورة مكبرة لابنها الشهيد ضاحكا. وإلى جانبها وسط مدينة رام الله، حملت عائلة نسيم أبو رومي "14 عاما" صورته، وشعارات "بدنا أولادنا" التي رفعتها الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء المحتجزة بثلاجات الاحتلال في اليوم الوطني المخصص للمطالبة بإعادتهم إلى عائلاتهم ودفنهم قربها.

تقول سهير، وهي من قرية كوبر شمال رام الله "لا أم ولا أب ولا عائلة يستطيعون العيش بصورة طبيعية وجثمان ابنهم محتجز ومجمد في ثلاجة". وأضافت: نطالب بتسلم جثامينهم ودفنهم كي تهدأ قلوبنا وأرواحنا ونشعر بقليل من الاطمئنان.

تبدي الأم -كما عائلتها المعروفة بنضالها التاريخي ضد الاحتلال- تماسكا كبيرا، لكنها تضعف أمام حفيدها "قيس" ذي الأعوام وهو نجل ابنها الشهيد، وتسمّيه "الجرح المفتوح". وتقول إنه لا يصمت عن ذكر والده، وبعد أن ظل لفترة طويلة ينتظر عودته ويسأل عنه، صدّق أخيرا أنه "استشهد وذهب إلى الجنة".

تقول الأم "أينما دُفنوا فكله تراب فلسطين أرضنا، لكننا نريد أن نخرجهم من الثلاجات. ولا نستجدي الاحتلال في ذلك، فالروح صعدت إلى خالقها أما الأجساد فلا يضر الشاة سلخها بعد ذبحها".

واعتقلت سهير وزوجها عمر البرغوثي وأبناؤها بعد إعدام صالح (29 عاما) في ديسمبر/كانون الثاني الماضي، كما هدم الاحتلال منزل الشهيد ومنزل شقيقه الأسير عاصم الذي اتهم بتنفيذ عملية ثأر بعد ساعات من قتل أخيه، أدت إلى مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة آخرين.

ولم يسمح للعائلة بالاطلاع على جثمان الابن أو معرفة مكان احتجازه، كحال معظم أهالي الشهداء المحتجزة جثامينهم.

وحاول الاحتلال عرض صور البرغوثي بعد إعدامه على والده غير أنه رفض مشاهدتها. لكن الأم تقول إن شهود عيان أخبروا العائلة بإصابته بعدة رصاصات في الرقبة والصدر عند محاولة اعتقاله أثناء عودته من عمله.

وتقدمت العائلة بالتماسات قضائية عديدة لمعرفة ظروف إعدامه ومصير جثمانه، ولكن دون استجابة. ورغم ذلك، تقول الأم "لن نستجدي أحدا، وبعد الله، ثقتنا في المقاومة أن تعمل على استرداد جثامين الشهداء في صفقة مشرفة".

وسبق لإسرائيل أن ربطت تسليم جثامين بعض الشهداء كالمقدسي مصباح أبو صبيح بصفقة تبادل أسرى وجثامين مقابل الجنود المأسورين لدى المقاومة الفلسطينية في غزة.

وحسب الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء، فإن النيابة الإسرائيلية أعلنت رفضها تسليم جثامين مَن أسفرت عملياتهم عن قتل إسرائيليين أو من ينتمي منهم لحركة حماس، وأن ملف هؤلاء سيستخدم للتفاوض على معرفة معلومات عن جنودها في غزة.

نسيم أبو رومي أصغر الشهداء المحتجزة جثامينهم (الجزيرة)

أصغر الجثامين
لكن الحال هذا لا ينطبق على أصغر الشهداء المأسورة جثامينهم وهو نسيم أبو رومي "14 عاما" من بلدة العيزرية شرق القدس، والذي قال والده مكافح إن وزنه لا يزيد على 37 كيلوغراما وإنه كان يستعد للالتحاق بالصف التاسع قبل إعدامه دون أن يتسبب بقتل أحد.

وأعدم أبو رومي لدى محاولته طعن جنود في أحد أبواب المسجد الأقصى منتصف الشهر الجاري، وأصيب بالحادثة صديقه محمد أبو الشيخ (14 عاما) بجروح خطيرة.

يقول الأب المريض بالربو إن كتيبة شرطة كاملة قامت بقتله وأطلقت النار عليه عدة مرات، ثم قرر الاحتلال معاقبة عائلته باحتجاز جثمانه.

ويبدي أبو رومي تخوفا من سرقة أعضاء ابنه، كما حدث مع شهداء فلسطينيين سابقا، ويقول "بدنا أولادنا كي ندفنهم بطريقة لائقة" لكنه أضاف أن هذا بحاجة لدعم شعبي يومي من أجل الضغط على الاحتلال.

يسعى الفلسطينيون لاسترداد جثامين الشهداء والكشف عن مصير المفقودين (الجزيرة)

ثلاجات ومقابر
وتشير بيانات الحملة الوطنية لاسترداد الجثامين إلى احتجاز الاحتلال 51 جثمانا لشهداء قتلوا في عمليات مختلفة منذ عام 2016.

وقرر الاحتلال دفن أربعة شهداء من هؤلاء عام 2017 بمقابر تابعة للجيش الإسرائيلي بعد قرار قضائي بذلك، في وقت تركت المحكمة الإسرائيلية العليا قضايا العشرات -مفتوحة بلا قرار- ممن قتلوا السنوات الأخيرة وتطالب عائلاتهم باسترداد جثامينهم، حسب سلوى حماد الناطقة باسم حملة استرداد الجثامين.

وتسجّل الحملة الناشطة بالبحث عن مصير عشرات الفلسطينيين المفقودين منذ السبعينيات والثمانينيات أسماء أكثر من 250 شهيدا دفنت إسرائيل رفاتهم فيما يسمى "مقابر الأرقام " ورفضت تسليمهم منذ الانتفاضة الثانية (200-2004) وما سبقها.

وتحتجز إسرائيل جثامين الشهداء ممن لم يدفنوا في ثلاجات تحت درجة حرارة تقل عن 35 تحت الصفر، وبالهيئة التي قتلوا فيها وقت إعدامهم.

وتقول الناطقة باسم الحملة إن معهد "أبو كبير" يرفض الإدلاء عن أية تفاصيل حول هوية وإصابات الشهداء المحتجزين هناك. كما لا تعرف مصير خمسة شهداء قتلوا عام 2018 بأحد أنفاق غزة وقال الاحتلال إنه سحب جثامينهم.

المصدر : الجزيرة