الوزيرة أثارت ضجة.. هل توجد أسواق لبيع القاصرات في تونس؟

أطراف حقوقية تسعى لمكافحة تشغيل الفتيات القاصرات في تونس (الجزيرة نت-أرشيف)
أطراف حقوقية تسعى لمكافحة تشغيل الفتيات القاصرات في تونس (الجزيرة نت-أرشيف)

مجدي السعيدي-تونس

تتهالك "م. ح" على حشية بالية في بيت الحمام داخل أحد المنازل الفاخرة في أرقى أحياء العاصمة تونس، تلقي بجسدها النحيف في مكان ضيق وبارد ثم لا تلبث أن تستغرق في النوم من فرط تعب يوم كامل من الأعمال المنزلية.

تشعر الفتاة البالغة عشر سنوات -والتي تنحدر من قرية نائية بشمال غرب تونس إحدى أشد المناطق فقرا- بالحاجة للراحة استعدادا لأشغال منزلية مضنية بانتظارها من الغد في منزل مشغليها، ولكنها لا تكاد تذكر شيئا عندما اتفق والدها مع أحد الوسطاء بالسوق الأسبوعية لتسليمها إلى عائلة ثرية للعمل لديها معينة منزلية (خادمة) مقابل أجر زهيد ترسله ربة البيت لوالد الطفلة.

ولا تبدو "م. ح" حالة معزولة بل واحدة من بين 147 من الأطفال القصر ضحايا ظاهرة الاتجار بالأشخاص ومن بينهم فتيات قاصرات يتم عرضهن للعمل في الأشغال المنزلية الشاقة بطريقة يغلب عليها البيع والشراء، وهو ما كشفه التقرير السنوي للهيئة التونسية لمكافحة الاتجار بالأشخاص للعام 2018.

أطفال أم بضاعة؟
وتأبى هيئة مكافحة الاتجار بالأشخاص نشر صور وهويات الأطفال الضحايا تماشيا مع مجلة حقوق الطفل ومراعاة لمشاعر الطفولة وتجنبا للآثار النفسية السلبية التي قد تلحق بهم الأذى، كما تجد صعوبات كبيرة في تقصي حالات استغلال الأطفال تجاريا بحسب مالك خالدي عضو الهيئة.

يقول خالدي للجزيرة نت "تعمل هيئة مكافحة الاتجار بالأشخاص على جمع المعطيات والتعاون مع الجهات الرسمية لمكافحة الظاهرة وحماية الأطفال من الاستغلال التجاري وتحويلهم إلى بضاعة تباع وتشترى".

وبحسب تقرير لهيئة مكافحة الاتجار بالأشخاص للعام الماضي، بلغ عدد الأطفال ضحايا الظاهرة 147 طفلا يتم استغلالهم تجاريا أو ممارسات جنسية أو في أعمال شبيهة بالرق.

واعتبر خالدي أن وزارة المرأة لم تتعاون بالشكل المطلوب مع الهيئة لأن الظاهرة قديمة والسوق الذي يتم فيه عرض الفتيات للعمل لدى العائلات الثرية معروفة منذ سنوات ويقصدها بعض الوسطاء في ربط الصلة بين المشغلين وأسر القاصرات.

وتابع "يعاقب القانون في تونس مرتكب جريمة الاتجار بالأشخاص بالسجن مدة 15 عاما وخطية مالية قدرها مئة ألف دينار (نحو 36 ألف دولار) لكن الإشكال الأكبر الذي يعترض جهود مكافحة هذه الظاهرة هو رفض أسر الضحايا الإقرار بها باعتبار أنهم شركاء في الجريمة".

وكانت وزيرة المرأة والطفولة نزيهة العبيدي أقرت بوجود سوق أسبوعية بمحافظات الشمال تقع فيها عمليات المتاجرة بالقاصرات وعرضهن بالسوق من قبل سماسرة لتشغيلهن معينات منزليات بالاتفاق مع أولياء أمورهن مما أثار جدلا واسعا وردود فعل عنيفة بالأوساط الاجتماعية وعلى مواقع التواصل.

وفتحت تصريحات الوزيرة أبواب الانتقادات على مصراعيها، كما تسببت في هجمة شرسة على السلطات بسبب ما اعتبره الكثيرون تسترا منها على جرائم الاتجار بالأطفال.

وأثار عدد من المدونين قضية استغلال القاصرات بتواطؤ من عائلاتهم للحصول على الأموال نظير التفريط فيهن وتشغليهن لدى عائلات ثرية لممارسة الأشغال المنزلية الشاقة، وهو ما يندرج ضمن جرائم استغلال الأطفال اقتصاديا والمتاجرة بهم لغايات مادية.

خالدي عضو الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص (الجزيرة)

مسؤولية السلطات
وشن نشطاء عبر منصات التواصل حملة شرسة على وزارة المرأة والطفولة، لكن المندوب العام لحماية الطفولة مهيار حمادي صرح لوسائل الإعلام بأن السلطات تعلم بأن هناك سوقا للقاصرات لعرضهن للعمل المنزلي وهن لم يتجاوزن سن 12، ولكنها تعمل على مكافحة الظاهرة بشتى الطرق.

وأنشأت تونس برنامجا حكوميا يقوم على مكافحة تشغيل الأطفال القصر بمساهمة الهياكل الحكومية والمنظمات، ويستهدف في مرحلة أولى محافظتي صفاقس (جنوب) وجندوبة (شمال غرب).

ودعا مندوب حماية الطفولة إلى الإبلاغ عن حالات الاتجار بالأطفال ومساعدة الجهات الرسمية على تقصى ما اعتبره "عصابات منظمة للمتاجرة بالقاصرات".

من جهته اعتبر معز الشريف رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل أن السلطات لا تولي الأطفال العناية المطلوبة لحمايتهم من شتى أنواع الاستغلال، بل إنها تتعامل بكثير من اللامبالاة والتجاهل إزاء الجرائم المرتكبة بحق الطفولة.

وقال الشريف للجزيرة نت "تصريح الوزيرة في هذا الوقت ينضوي تحت حملة انتخابية سابقة لأوانها باعتبارها تنتمي لأحد الأحزاب التي ستخوض معترك الانتخابات".

وأضاف أن ضحايا الاتجار بالأطفال واستغلالهم اقتصاديا يعدون بالمئات، ولكن السلطات لم تدفع نحو مقاضاة مرتكبي تلك الجرائم، بل إن حقوق الطفل في تراجع واضح منذ ثورة يناير 2011 بسبب انخراط هياكل الدولة في اللهث وراء تحقيق غايات حزبية وسياسية.

المصدر : الجزيرة