إيمي لوكاك.. حكاية اندماج المهاجرين في المغرب

الكونغولية إيمي لوكاك تقيم مع ولديها في حي النهضة الشعبي بالرباط (الجزيرة)
الكونغولية إيمي لوكاك تقيم مع ولديها في حي النهضة الشعبي بالرباط (الجزيرة)

سناء القويطي-الرباط

في حي النهضة الشعبي بالرباط، تقيم الكونغولية إيمي لوكاك مع ولديها جوليان ولطيفة ريتا. وخلف ابتسامتها العريضة، تخفي هذه المرأة الثلاثينية حكاية حزينة لأم مكافحة عبرت مدنا وغابات وصحاري؛ فرارا من الأوضاع المضطربة في بلادها.

فمنذ وصولها إلى المغرب عام 2008، عاشت إيمي لوكاك أوقاتا صعبة، وتقلبت بين عدة مهن لتعيل أسرتها، إلى أن تمكنت من تسوية وضعيتها القانونية عام 2014، ثم تسجيل أبنائها بمدرسة حكومية قريبة من بيتها.

وكان المغرب أطلق سياسة جديدة للهجرة نهاية 2013 تقضي بمنح الإقامة القانونية لآلاف المهاجرين غير النظاميين وطالبي اللجوء.

وشملت هذه الإستراتيجية تسهيل إدماج المهاجرين في النظام التعليمي والصحي وسوق العمل، وتقديم مساعدات قانونية وإنسانية لهم.

وتشير المعطيات الرسمية إلى قبول طلبات تسوية الوضعية لأكثر من 43 ألف مهاجر خلال مرحلتين في سنة 2014 وفي نهاية 2016، في حين بلغ عدد طلبات التسوية أكثر من 56 ألف طلب.

الطلبة المهاجرون يواجهون صعوبات في الاندماج في النظام التعليمي (الجزيرة)

من مهاجرة إلى مناضلة
"لم أختر الهجرة إلى المغرب، ولم يكن الرحيل من بلدي ضمن مخططاتي". بهذه العبارة تبدأ إيمي سرد قصة هروبها للجزيرة نت، فبعد انقلاب شهدته الكونغو الديمقراطية عام 2008، قتل زوجها الذي كان يعمل إلى جانب الرئيس السابق، ولم يعد وجودها في البلد آمنا.

حملت إيمي طفلها الرضيع جوليان وما ادخرته من مال، وسافرت بطريقة غير نظامية نحو الجزائر، وأملها معقود على إيجاد فرصة عمل وحياة مستقرة وآمنة.

غير أنها قررت -بعد شهر قضته في الجزائر- الانضمام إلى مجموعة من المهاجرين وعبور الحدود البرية بين وهران الجزائرية ووجدة المغربية مشيا على الأقدام.

في بيتها المتواضع، حيث استقبلت الجزيرة نت، تسترجع إيمي مسار هجرتها كأنها قصة شخص آخر، لكن ملامحها تشير إلى أن الكلمات لا تعبر عن حقيقة الآلام التي تجرعتها وقاستها خلال رحلتها المضنية.

بعد تسوية وضعيتها القانونية، استفادت إيمي من إعداد مهني في مجال رعاية الأطفال، وتمكنت من زيارة عائلتها في الكونغو لأول مرة بعد فراق دام أكثر من عشر سنوات، واليوم تسخر تجربتها وخبرتها كناشطة مدنية في مساعدة المهاجرين الجدد على الاندماج في المجتمع المغربي.

أبناء إيمي لوكاك يدرسون في مدارس حكومية في المغرب (الجزيرة)

غصة في القلب
ورغم ارتياحها لتحسن أوضاع المهاجرين بالمغرب، لا تخفي إيمي لوكاك امتعاضها من عدم تقبل المغاربة وجودهم.

تتوقف عن الكلام لحظات، كأنها تحاول طرد ذكريات مؤلمة من ذهنها، ثم تروي إحساس القهر الذي انتابها يوم عادت ابنتها من المدرسة باكية بعدما رفضت زميلتها في الفصل الإمساك بيدها كونها مهاجرة ببشرة سمراء.

وتأسف إيمي -التي انتخبت العام الماضي رئيسة للجالية الكونغولية بالمغرب- لأن الجهود المبذولة لتسوية الأوضاع القانونية للمهاجرين المنحدرين من أفريقيا جنوب الصحراء لا يواكبها إحساس المجتمع بقبول الآخر والتعايش معه.

تقول إن بعض المغاربة يروننا منافسين في سوق العمل، رغم أن عددنا لا يشكل سوى نقطة في بحر عدد السكان، كما أننا نعامل بطريقة تمييزية مقارنة بمهاجرين من دول أخرى، وفي رأيها أن المهاجرين لا يأخذون فرصة أحد؛ وما علينا سوى التحدث بصراحة مع الناس في موضوع الهجرة والمهاجرين.

وأصبح وجود المهاجرين مألوفا في المدن المغربية، خاصة محور الرباط -الدار البيضاء والشرق.

ويعمل معظم هؤلاء في التجارة، ويعرضون بضاعتهم في الأغلب على الأرصفة، في حين يمارس آخرون أعمالا في ورش البناء والتجهيز والنجارة وغيرها من الحرف اليدوية.

وزارة الصحة كشفت أخيرا عن مخطط وطني حول صحة المهاجرين (الجزيرة)
إجراءات للاندماج
يدرس جوليان ولطيفة ريتا -ابنا إيمي لوكاك- في مدارس حكومية إلى جانب نحو أربعة آلاف طالب من أبناء المهاجرين واللاجئين المسجلين في التعليم النظامي، ونحو 350 في التعليم غير النظامي، حسب بيانات رسمية لوزارة التعليم للموسم التربوي الماضي.

ويواجه الطلبة المهاجرون صعوبات في الاندماج في النظام التعليمي؛ لعدم درايتهم باللغة العربية (لغة التدريس)، لذلك ينظم عدد من الجمعيات حصصا في الدعم المدرسي لهذه الفئة، من أجل تمكينهم من مسايرة زملائهم.

وحسب المعطيات الرسمية لوزارة التعليم، فإنها أعدت برامج للإدماج التربوي للمهاجرين، ونفذت تغييرات في الكتاب المدرسي لتضمينه توجيهات حول قيم التسامح والتضامن والمساواة، وللأخذ بعين الاعتبار التنوع الثقافي من حيث الأسماء ولون البشرة والأصول في الأنشطة.

أما وزارة الصحة، فكشفت أخيرا عن مخطط إستراتيجي وطني حول صحة المهاجرين أعلن عنه وزير الصحة في البرلمان يمتد إلى 2025، وقبلها وقعت اتفاقية في عام 2015 مع وزارة شؤون الهجرة، وتهدف إلى استفادة المهاجرين من جميع العلاجات التي توفرها بطاقة راميد (نظام المساعدة الطبية الموجه للفقراء والفئات الهشة)، سواء الذين في وضعية نظامية أو حتى الذين لا يتوفرون على بطاقة إقامة.

وجود بعض المهاجرين أصبح مألوفا في بعض المدن المغربية (الجزيرة)

اندماج غير مكتمل
إن ما تعلنه السلطات من إجراءات لإدماج المهاجرين في المجتمع لا يقنع الحقوقيين والناشطين المدنيين في مجال الهجرة، ويتحدث هؤلاء عن استمرار الانتهاكات والعنف والتمييز ضد المهاجرين، خاصة المنحدرين من أفريقيا جنوب الصحراء.

وتقول خديجة العيناني عضو الجمعية المغربية لحقوق الإنسان والمكلفة بملف الهجرة؛ إن التسوية القانونية لوضعية المهاجرين لم تضمن لهم الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، ولم تحمهم من الترحيل إلى الحدود.

وتشير إلى رفض بعض المدارس استقبال أطفال المهاجرين بدعوى عدم إلمامهم باللغة العربية، أو بسبب عدم توفر بعض الوثائق، في حين لا يزال ولوجهم إلى الخدمات الصحية صعبا، وتكتفي الحكومة بحملات طبية موسمية لصالحهم، وبحسب خديجة، فإن نظام المساعدة الطبية الذي تقترحه السلطات على المهاجرين يعاني أصلا من اختلالات بنيوية يشتكي منها المغاربة ذاتهم.

ويواجه المهاجرون أيضا عراقيل كثيرة للحصول على عمل بسبب ما تقول العيناني إنها فوضى يعيشها القطاع الخاص، ولأن سوق العمل محدودة في المغرب.

وحسب تقرير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (هيئة رسمية) يعمل بعض هؤلاء المهاجرين في القطاع المُنظّم، خاصة في قطاع ترحيل الخدمات، في حين يزاول آخرون أنشطة معيشية في القطاع غير المُنظّم.

وتضيف العيناني أن هذا الوضع الهش دفع مهاجرين ممن حصلوا على بطاقة الإقامة إلى المغامرة بركوب أمواج البحر الأبيض المتوسط للوصول إلى أوروبا بحثا عن حياة أفضل.

أما الكونغولية إيمي لوكاك فترفض خوض تلك المغامرة، وقررت أن تكون المغرب محطتها الأخيرة للاستقرار.

وبعد 11 سنة قضتها في المملكة أنجبت خلالها ابنتها الصغرى، تبدو هذه المهاجرة راضية في حياتها الجديدة رغم الصعوبات اليومية التي تواجهها، وتأمل أن تحمل السنوات القادمة مستقبلا أفضل لولديها جوليان ولطيفة.

المصدر : الجزيرة