بفعل الحرب.. أطفال اليمن رجال قبل الأوان

طفل يمني يعمل بائعا متجولا ويكافح ظروف الحياة (الجزيرة نت)
طفل يمني يعمل بائعا متجولا ويكافح ظروف الحياة (الجزيرة نت)

محمد عبد الملك-الجزيرة نت

"لم تترك لنا الحرب خيارا ثالثا، فإما أن نعمل جميعا في الأسرة من أجل توفير تكاليف العيش وجمع إيجار المنزل نهاية كل شهر، أو التشرد والعيش دون مأوى أو حتى من غير أكل وشرب وملبس، مع الأسف لقد أجبرتني الظروف على السماح لولديّ بالانخراط في سوق العمل ولو بأجور زهيدة منذ عامين".

بهذا بادرنا علي الفاطمي عند سؤالنا له حول الدوافع التي جعلته يقبل بترك أولاده المدرسة والانشغال بالعمل.

كان الفاطمي موظفا حكوميا بوزارة المياه والبيئة، ولكن مع انقطاع الرواتب وجد نفسه عاجزا على تلبية متطلبات أسرته المكونة من ستة أفراد، ومن بينهم ولداه أحمد (14 عاما) الذي أصبح يعمل بائعا متجولا للمثلجات شوارع صنعاء، ووسام (16 عاما) الذي يعمل في أحد المتاجر براتب لا يتجاوز مئة دولار أميركي شهريا.

يقف بعض الأطفال في الطرقات العامة والخطوط الطويلة لبيع الفواكه (الجزيرة نت)

مهن متعددة
حال الطفلين أحمد ووسام لا يختلف كثيرا عن آلاف الأطفال اليمنيين، ممن كبروا قبل أوانهم خلال سنوات الحرب ووجدوا أنفسهم في شوارع المدن يعملون في مهن متفرقة وبعضها خطرة، وذلك من أجل توفير بعض الأموال البسيطة لإعالة أسرهم المعدمة.

صباح كل يوم يحمل الطفل نواف هشام (12 ربيعا) صندوق المياه المعدنية ويقف على ناصية شارع الزبيري بصنعاء، ورغم حرارة شمس الظهيرة يمضي وقته بالحديث مع سائقي السيارات طالبا منهم أن يشتروا منه الماء.

وفي الجهة المقابلة يشاركه الطفل مهند (15 ربيعا) مشقة الحياة، بعد أن اختار هو الآخر بيع البطاطا والبيض، ويحرصان كغيرهما من الباعة المتجولين من الأطفال على استمالة الناس للشراء منهم والتفاخر ببيع كل بضاعتهم نهاية اليوم.

وخلال الفترات الأخيرة برزت مهن كثيرة بعضها شاقة ومرهقة للأطفال دون الثامنة عشرة، كالعمل في غسل السيارات أو مشاغل النجارة والحدادة وحتى الأعمال القاسية كحمل مواد البناء.

ولا يقتصر العمل على الأطفال الذكور، ولكن هناك فتيات صغيرات في عمر الزهور يعملن في مهن الشارع، ومن بينهن الطفلة مرام عبد الله التي تختار كل يوم المكوث أمام أحد المطاعم في شوارع مدينة تعز ومعها جهاز"لقياس الوزن" مقابل نقود قليلة.

وهناك أيضا مهن أخرى كثيرة يعمل فيها أطفال اليمن خلال الحرب، فمنهم من يجمع قوارير البلاستيك ويبيعها لمصانع إعادة تدوير المخلفات، وأطفال يبيعون العسل في الشوارع، وآخرون يبيعون أدوات التنظيف.

وهناك من يبيع الفواكه والخضروات وأشياء أخرى في الطرقات العامة، وبعظهم يعملون حتى في بيع القات (نبتة يتناولها اليمنيون في جلسات خاصة كل يوم)، وأيضا هناك أطفال يعملون في الزراعة وحتى الرعي.

من أطفال اليمن من يعمل في جمع القوارير المعدنية وبيعها لمصانع البلاستيك (الجزيرة نت)

أرقام مفزعة
وحول تبعات ظاهرة عمالة الأطفال خلال الحرب، يقول مدير مؤسسة سياج للطفولة باليمن "أحمد القرشي" للجزيرة نت إن انخراط الأطفال في سوق العمل نتيجة النزاع وارتفاع معدلات الفقر ارتفع إلى أكثر من 300% خلال الفترات الأخيرة مقارنة بسنوات ما قبل الحرب، وذلك بسبب تمدد حالة الفقر والنزوح وتوقف المرتبات وفقد الكثير من الأسر لعائلها.

ولكن يبقى أسوأ اشكال عمالة الأطفال -بحسب القرشي- إضافة إلى العمل في المهن السابقة، هو قضية تجنيد الأطفال في النزاع، لما يشكله من مخاطر كبيرة على حقوق الأطفال ومستقبل البلاد، خصوصا إذا ما تم النظر بعين الاعتبار إلى أن هذه الظاهرة ترتفع بشكل كبير يوما بعد آخر دون أي معالجات حقيقة لها، رغم التقارير الدولية التي تؤكد ذلك. 

وتقر وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل ابتهاج الكمال بأن ظاهرة عمل الأطفال باليمن شهدت نموا متصاعدا، ووصل عددهم إلى 1.6 مليون طفل، وأنهم يشكلون 21% من إجمالي عدد الأطفال في نفس الفئة العمرية، وأغلبهم يعملون في ظروف وأوضاع صعبة، تعرضهم لمخاطر صحية واجتماعية وتعيقهم من مواصلة التعليم.

وبحسب الكمال فإن الحكومة تعد خطة وطنية للحد من عمالة الأطفال، من خلال وضع بعض التدابير كتعديل تشريعات العمل والتوسع في التعليم وبرامج سحب الأطفال من سوق العمل وتوفير الرعاية والحماية لهم.

ووفقا لتقارير منظمة يونيسيف، فإن هناك أكثر من 2700 طفل يمني تجندوا للقتال خلال الحرب، وقتل وأصيب أكثر من 6700 طفل، بينما أجبر نحو 1.5 مليون طفل على التشرد والنزوح.

وتفيد منظمة "أنقذوا الأطفال" أن ما مجموعه 5.2 ملايين طفل في اليمن يواجهون خطر المجاعة، وتؤكد في تقاريرها أن جيلا كاملا من الأطفال يواجه خطر القتل، وتشير تقارير دولية أيضا إلى أن أكثر من مليوني طفل يمني لا يذهبون إلى المدرسة، وحتى الذين يذهبون إليها تؤكد التقارير أنهم يتلقون تعليما ذا متدني الجودة داخل فصول دراسية مكتظة.

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية: