لماذا يهدد فصل الصيف المعتقلين السياسيين بمصر؟

لماذا يهدد فصل الصيف المعتقلين السياسيين بمصر؟

صورة مسربة لغرفة حجز بأحد أقسام الشرطة المصرية (مواقع تواصل)
صورة مسربة لغرفة حجز بأحد أقسام الشرطة المصرية (مواقع تواصل)

محمد العربي-القاهرة

يتذكر المعتقل المصري السابق طارق محسن (65 عاما) قسوة فصل الصيف عليه وعلى زملائه المعتقلين معه بسجن أبو زعبل (شمال القاهرة)، حيث ترتفع درجات الحرارة داخل الزنزانة أكثر من معدلها بالخارج بخمس درجات؛ نتيجة تكدس الأعداد في الزنزانة الواحدة، التي يمكن أن تحوي بين جدرانها أكثر من خمسين شخصا، رغم أن سعتها لا تزيد على عشرين فقط.

ويحكي محسن للجزيرة نت أن مأساته الأكبر كانت في حجز قسم شرطة المطرية (شرق القاهرة) الذي قضي فيه عدة أشهر، قبل ترحيله لسجن أبو زعبل، حيث تم احتجازه بغرفة مساحتها لا تتجاوز عشرين مترا، وبها نحو خمسين مسجونا، بين سياسي وجنائي، مما أثر بالسلب على صحته وصحة أمثاله من كبار السن والمرضى.

وحسب محسن، فإن فصل الصيف غير مرغوب فيه لدى معظم المعتقلين، لارتفاع حرارة الجو داخل الزنازين التي يمكثون بها أكثر من 23 ساعة يوميا، وفي بعض الأوقات لا يخرجون منها لأيام وأسابيع، كإجراء عقابي من إدارة السجن للمعتقلين السياسيين.

ويشير محسن إلى أن غياب الرعاية الصحية، خاصة مع كبار السن، تمثل أزمة مزدوجة للمعتقلين، حيث تنتشر الأمراض نتيجة ارتفاع درجات الحرارة بشكل كبير، وفي ظل غياب وسائل التهوية الجيدة، فإن كثيرا من المعتقلين يتعرضون لمشاكل صحية تهدد حياتهم.

وخلال الفترة من منتصف مايو/أيار الماضي، وحتى الأسبوع الأول من يونيو/حزيران الجاري توفي أربعة معتقلين سياسيين لسوء الرعاية الصحية، وسخونة حرارة الجو داخل الزنازين، وكان آخرهم المعتقل عبد الرحمن ضيف، الذي أصيب بجلطة دماغية داخل محبسه بمركز شرطة ههيا بمحافظة الشرقية (شرق القاهرة).

ونقل حقوقيون معنيون بملف المعتقلين عن أسرة ضيف أنها قدمت للسلطات المصرية طلبا رسميا من أجل الإفراج الصحي عنه، أو نقله للعلاج على نفقتها الخاصة، إلا أن السلطات الأمنية رفضت ذلك، وهو ما تسبب في إصابته بغيبوبة أدت إلى وفاته.

ويؤكد الحقوقيون أن حالة ضيف ليست فريدة، حيث أصبح ملف الرعاية الصحية إحدى أخطر الأزمات التي يواجهها المعتقلون، خاصة في فصل الصيف الذي تنتشر فيه الأمراض، نتيجة الظروف المحيطة بالحبس.

منطقة سجون طرة تتكون من 11 سجنا متنوعا تضم آلاف المعتقلين (مواقع تواصل) 

شهادة مريرة
ويكشف كرم مكاوي المعتقل السابق بسجن العقرب (جنوب القاهرة) للجزيرة نت عن كيفية تحول هذا السجن لكابوس يهدد المعتقلين في فصل الصيف، خاصة كبار السن والمرضى، موضحا أن السجن عبارة عن زنازين انفرادية لا تزيد مساحتها على خمسة أمتار، وهو مبني بنظام الخرسانات الجاهزة، وسمك الحائط الواحد فيها لا يقل عن ستين سنتيمترا، مما يؤدي إلى تخزين حرارة الشمس، فيجعل معدل حرارة الزنزانة أزيد من الطبيعي بخمس أو ست درجات.

ويضيف مكاوي -الذي قضي بالسجن ثلاثة أعوام- أن زنازين السجن مخصصة للحبس الانفرادي، ورغم ذلك يتم تسكين شخصين أو ثلاثة في الزنزانة الواحدة، باستثناء المخصصة لقيادات الإخوان بعنبر 2، ومعظمها انفرادية.

وحسب مكاوي، فإن الزنزانة ليس بها سوى مروحة سقف، ومع إغلاق الزنازين لمدد تصل لأسابيع وأشهر، فإن فصل الصيف يمثل كارثة على المعتقلين، خاصة المصابين بأمراض القلب وضيق التنفس والحساسية وارتفاع الضغط والسكر، كما أن الرعاية الصحية المتوفرة في السجن تقتصر على عيادة متواضعة للغاية، لا يمكن أن تقدم الخدمة لأكثر من ألف معتقل يعيشون ظروفا سيئة في التغذية والتهوية والعلاج.

ويتذكر المعتقل السابق أنه التقى داخل عيادة السجن كثيرا من الحالات الحرجة التي تتدهور صحتها، بسبب فصل الصيف مثل الداعية السلفي خالد صقر، الذي يصاب بنوع غريب من الأمراض نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، يفقده القدرة على الحركة والتركيز الكامل.

تحذيرات دولية
وحذرت العديد من التقارير الحقوقية الدولية من خطورة الوضع الصحي للمعتقلين السياسيين بمصر، ومن بين هذه التقارير واحد لمنظمة هيومين رايتس ووتش، الذي أكدت فيه أن الفترة من أبريل/نيسان حتى أغسطس/آب 2015 شهدت وفاة ستة معتقلين من كبار قيادات العمل الإسلامي، نتيجة تردي الأوضاع الصحية والإهمال الطبي المتعمد.

وهؤلاء هم الدكتور فريد إسماعيل عضو المكتب التنفيذي لحزب الحرية والعدالة (كبد)، ونبيل المغربي أحد مؤسسي حركة الجهاد الإسلامي (سرطان في الجلد نتيجة طول فترات الحبس بالزنزانة)، ومرجان سالم أحد قيادات تنظيم القاعدة (ارتفاع في ضغط الدم لارتفاع درجات الحرارة)، وعصام دربالة أمين عام الجماعة الإسلامية (ارتفاع في ضغط الدم لارتفاع درجات الحرارة)، وعماد حسن (فشل كلوي لم تقدم له الرعاية الصحية).

وحسب تقرير آخر للمنظمة، فإن مسؤولي وزارة الداخلية يتدخلون بشكل واضح في الخدمة الطبية لنزلاء العقرب، كما يرفضون إدخال الأدوية عن طريق الأهالي، نتيجة منع الزيارة المتواصل عن نزلاء السجن، ورفض الأمن الوطني ومصلحة السجون طلبات السجناء بالنقل خارج العقرب لتلقي العلاج الطبي، رغم تصديق النيابة على بعض هذه الطلبات.

موت متعمد
ويوضح رئيس اللجنة القانونية بحزب الحرية والعدالة مختار العشري للجزيرة نت أن ظروف الحبس غير الآدمي بالسجون المصرية، والارتفاع المستمر في أعداد المعتقلين، وغياب الرقابة القضائية على أماكن الاحتجاز؛ أدت إلى تكدس أعداد المعتقلين في الزنزانة الواحدة، كما أدت إلى ضعف الرعاية الصحية، باعتبار أن المخصصات المالية المتعلقة بالرعاية الصحية لم تشهد أي زيادة، على عكس أعداد المعتقلين التي تشهد زيادات مستمرة.

ويؤكد العشري أن النظام المصري موجود ضمن القائمة السوداء لأكثر الأنظمة انتهاكا لحقوق الإنسان، وفقا لتقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، والمنظمة العربية لحقوق الإنسان، ومركز القاهرة لحقوق الإنسان، وغيرها من المنظمات التي أصدرت العديد من التقارير، وحذرت فيها من استخدام الرعاية الصحية كوسيلة للموت البطيء لمعارضي السيسي.

وحسب العشري، فإن نظام السيسي لا يعنيه حقوق الإنسان، معتمدا في ذلك على الدعم الأميركي والغربي له، مقابل الدور المشبوه الذي يقوم به في سيناء لصالح إسرائيل، تحت مبرر محاربة الإرهاب.

المصدر : الجزيرة