حراك الجزائر يحيي أمل ذوي ضحايا العشرية السوداء

صور آلاف المختفين في مقر جمعية المختفين (الجزيرة)
صور آلاف المختفين في مقر جمعية المختفين (الجزيرة)
سلمى حراز-الجزائر

25 سنة أو أكثر مضت بمراراتها وبؤسها وقهرها، ولم تنس السيدة فاطمة الزهراء بوشرف يوما تفاصيل اللحظات الأخيرة لاقتياد ابنها المخفي قسريا نحو المجهول، مثلما لم تُشفَ من جرح أدماه قبل عقدين الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة وهو يجيب أمهات جريحات، قائلا "أبناؤكم ليسوا في جيوبي".

هكذا كان ردّ بوتفليقة على سؤال عائلات المخفيين قسريا حول مصير أبنائهن غداة استلامه مقاليد الحكم سنة 1999، وبقدر ما كان وقع كلماته قاسيا وأشعل نارا في قلوب آلاف المكلومين، كان الفرح كبيرا بإعلان استقالته وتوهج شعلة الحراك.

السيدة فاطمة الزهراء واحدة من بين آلاف الذين اختفى أحد أفراد عائلاتهم في ظروف غامضة أثناء العشرية السوداء في الجزائر ويعتقد أنهم اختطفوا على يد أجهزة تابعة للدولة غالبا، تقول في حديثها للجزيرة نت "رحيل بوتفليقة وهبوب رياح التغيير كانت أول فرحة أعيشها منذ أن فقدت أخبار ابني منذ 25 سنة ".

وكانت كثير من العائلات قد رفضت شراء صمتها عبر قبول "صك النسيان" في شكل تعويضات مالية عرضتها الدولة، ضمن قانون ميثاق السلم والمصالحة الوطنية في سبتمبر/أيلول 1999.

السيدة فاطمة لكحل تشير لصورة قديمة منذ سنوات في وقفة احتجاجية للمطالبة بالحقيقة (الجزيرة)

لسنا وحدنا
مكسورة وجريحة، هكذا بدت السيدة فاطمة الزهراء وهي تتحدث للجزيرة نت معانقة صورة ابنها رياض المختفي منذ سنة 1996، وسنه حينها 21 عاما، وتقول "عندما أخرج اليوم في المسيرات المليونية ويقترب مني الشباب والعائلات للسؤال عن صورة ابني وظروف اختفائه ويذرفون الدموع معي، أشعر أني وأمثالي لسنا وحدنا من نطالب بالحقيقة والعدالة.. منذ أشهر فقط لا أحد كان يقف إلى جانبا إلا مصالح الأمن التي تجتهد لمنعنا من التجمهر".

لم تعد الحياة ذاتها بالنسبة للسيدة فاطمة الزهراء منذ أن اختطف ابنها الذي لم يكن له أي نشاط سياسي، خرج ليقتني أغراضا لأمه التي ترملت في سن صغيرة، وشقيت في تربيته هو وأخوته من دون أب منذ أن كان ابن عامين، ليختطف في سيارة للشرطة اقتادته إلى "دهاليز النسيان"، وفشلت كل محاولاتها لاقتفاء أثره فكانت كمن يبحث عن إبرة في كومة قش".

واصلت أم رياض متحدثة للجزيرة نت: "العدالة فتحت الكثير من ملفات الفساد، وملفات أبنائنا من أهم الملفات التي ينبغي فتحها ومحاسبة من يقف وراء قهرنا وحرق أكبادنا. الكثير من الأمهات والآباء خطفتهم المنية قبل أن يعرفوا لأبنائهم قبرا يبكون عليه فقيدهم.. نحن فقدنا بشرا بقلب وروح وليس كلبا أو قطا حتى ننسى أو نفتعل النسيان".

مقابر مجهولة

تصل أرقام المخفيين حاليا إلى نحو ثمانية آلاف، بحسب السيد فرحاتي حسان المتحدث باسم جمعية "أس أو أس مفقودين"، بينما تشير أرقام المرصد الوطني لحقوق الإنسان إلى 6146 مخفيا، فيما يحصي جهاز الدرك 7200 حالة إخفاء قسري.

فرحاتي الذي اختفى شقيقه مصطفى سنة 1998، يجتهد رفقة العائلات في مقر الجمعية -غير بعيد عن ساحة البريد المركزي في العاصمة القلب النابض للحراك- في كتابة الشعارات التي تكيفت مع الحراك، ولعل أشهرها "تتنحاو قاع باش يرجعوا قاع" (ترحلون جميعا حتى يعودوا جميعا)، و"كليتو لبلاد وزدتو لعباد" (أكلتم البلاد والعباد)، و"رجعونا أولادنا ندخلوا ديارنا" (أعيدوا أبناءنا لنعود إلى بيوتنا).

وبالنسبة إلى السيد فرحاتي، فإن تحديد مصير المفقودين يعني بالضرورة الكشف عن أسماء من يرقدون في قبور مجهولة، حتى ترتاح آلاف العائلات وتقيم عزاءها، مثل عائلة بن جاعل في الجزائر العاصمة التي اختطف ابنها وهو في طريقه لصلاة المغرب سنة 1994 في العاصمة، وتوصلت عائلته إلى أربعة تواريخ لوفاته.

السيدة فاطمة زهراء بوشرف وشقيقة مراد بن جاعل تحملان صور مفقوديهما (الجزيرة)

تضارب
شقيقة مراد التي أخذت مكان أمها في البحث عن شقيقها، تواصل البحث عن أثره وترفع صورته في ميدان الحراك، وتهتف "أين الحقيقة وكيف ومتى توفي شقيقي؟".. بعد أن ظهرت له أربع تواريخ وفاة.

في سردها لتفاصيل الحكاية التي تبحث لها عن نهاية قريبة تريح قلب أمها، تقول للجزيرة نت إن العدالة أعلمت العائلة أن ابنها توفي في مايو/أيار 1994، وسجل الوفيات في مقبرة العالية بالعاصمة كتب فيه أنه توفي في 12 أغسطس/آب 1994، بينما تصريح الدفن جاء فيه أنه توفي في 7 يونيو/حزيران 1994، فيما يقول جهاز الدرك الوطني إنه توفي في اشتباك مع الشرطة أثناء محاولة هروبه في حي القصبة بالعاصمة سنة 2006.

ووسط كل هذا التضارب، ترفض السلطات التصريح للعائلة باستخراج الجثة وإجراء فحص الحمض النووي.

الوجع نفسه تعيشه السيدة فاطمة لكحل من الجزائر العاصمة، التي ترى في الحراك الأمل في تمكن ابنتها أخيرا من زيارة قبر أبيها، وهو الذي تركها طفلة في السادسة من عمرها إلى أن كبرت وصارت أما لطفلة في شهرها الرابع.

عيسى زوج السيدة فاطمة كان في الأربعين من عمره عندما اعتقلته الشرطة وهو برفقة صديقه، لكن لا أثر لاسمه في سجلات الشرطة، وكأن هذا الإنسان لم يكن موجودا يوما.

وتقول السيدة فاطمة للجزيرة نت "جُبت مقرات الأمن والمحاكم والثكنات والسجون وحتى المقابر، لكن لا جواب أشفى غليلي. لو قيل لي إنه اعتقل ومات ودفن، على الأقل كنت سأبكيه وأقيم عزائي.. لكن ما دامت الحيرة مستمرة فلن تنطفئ نيران قلبي.. ومن يدري، فقد يجرف الحراك من أخفته دهاليز الزنزانات المظلمة".

ممثل جمعية المفقودين يرفع صورة شقيقه (الجزيرة)

 

المصدر : الجزيرة