بعيد الصحافة العالمي.. احتفاء بمكسب الحرية ومخاوف من عودة الاستبداد بتونس

صحفيو تونس يجمعون على أن ما تحقق من مكاسب حرية التعبير والصحافة بعد الثورة يبقى مهددا (الجزيرة)
صحفيو تونس يجمعون على أن ما تحقق من مكاسب حرية التعبير والصحافة بعد الثورة يبقى مهددا (الجزيرة)

آمال الهلالي-تونس

تُجمع النخب الإعلامية والحقوقية بتونس على أن حرية التعبير هي المكسب الأكبر الذي تحقق بعد الثورة، لكن في المقابل لا تخفي تلك الأصوات خشيتها من محاولات أصحاب المال والسلطة ترويض الإعلام مجددا وجرّه لبيت الطاعة.

وتؤكد آخر الأرقام التي نشرتها منظمة "مراسلون بلا حدود"، تقدم تونس في التصنيف العالمي لحرية الصحافة بـ25 نقطة في 2019 مقارنة بترتيب 2018، لتقود دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط وتنال المركز 72 من مجموع 180 دولة.

ريادة عربية.. لكن!
ويقول نقيب الصحفيين التونسيين ناجي البغوري للجزيرة نت إن احتفال الصحفيين في تونس باليوم العالمي لحرية الصحافة، يكتسي خصوصية بالتزامن مع جرّ تونس قاطرة حرية الصحافة لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ويضيف أن "تونس تعد استثناءً في مجال الصحافة بمحيطها العربي، حيث يعمل الصحفي في بيئة آمنة وفي مناخ يشهد تعددية في المشهد السمعي والبصري والمكتوب، وإمكانية واسعة للنفاذ إلى المعلومة".

وينبه نقيب الصحفيين إلى أن نشوة الاحتفال بتقدم تونس في مجال حرية الصحافة، لا يمكن أن تحجب مخاوف أهل القطاع من التهديدات التي تتربص بمكسب حرية التعبير، والمتأتية أساسا من السلطة التنفيذية.

ويشدد على أن الطبقة السياسية الحاكمة في تونس لا تؤمن بحرية الصحافة حتى إن أظهرت عكس ذلك، مبديا مخاوفه من الصراع السياسي المحتقن وخطابات الكراهية والعنف المتصاعدة قبل أشهر من الانتخابات.

البغوري أكد أن الطبقة السياسية الحاكمة في تونس لا تؤمن بحرية الصحافة حتى إن أظهرت عكس ذلك (الجزيرة)

ولا يخفي مطالبة أهل القطاع بضمانات حقيقية لحماية مكسب حرية الإعلام من خلال بيئة تشريعية متطورة، وتنقيح المراسيم الحكومية المتعلقة بحرية الإعلام، وإرساء الهيئات التعديلية المنظمة لقطاع الإعلام.

ويحذر البغوري من خطر المال السياسي الفاسد، ولوبيات الضغط التي تتربص بحرية الصحافة، ومحاولات الحكومة الحالية بسط سيطرتها على الإعلام العمومي.

منظومة التضليل الإعلامي
ولطالما حاول الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي قبل الثورة إحكام قبضته الحديدية على قطاع الإعلام، من خلال زرع رؤساء تحرير برتبة "مخبرين ومطبلين"، لتبييض نظامه واصطياد خصومه من أصحاب الكلمة الحرة.

ويكفي ذكر اسم مستشاره السابق عبد الوهاب عبد الله الذي هندس "مشروع التضليل الإعلامي" في تونس طوال 23 عاما من حكم المخلوع، والملقب لدى أهل القطاع  بـ"قامع الصحفيين".

وسبق أن أمضى مجموعة من الإعلاميين ونشطاء المجتمع المدني في 2016 عريضة تطالب بالكشف عن ممارسات عبد الوهاب عبد الله ودوره في قمع حرية الصحافة وترهيب الصحفيين وتركيع الإعلام.

وساهمت "الوكالة التونسية للاتصال السمعي البصري" -التي تم حلها بعد الثورة- لسنوات في تجميل قبح النظام محليا ودوليا، وذلك عن طريق سياسية "الترغيب والترهيب" وشراء ذمم صحفيين تونسيين وأجانب.

وتداول نشطاء بعد الثورة عبر الشبكات الاجتماعية العديد من الوثائق السرية من هذه الوكالة التي تضمنت بالأسماء والأرقام هوية الصحفيين التونسيين والأجانب الذين تقاضوا مبالغ مالية وهدايا مقابل تلميعهم صورة النظام وتشويه من يعارضه.

كما اعتمد نظام المخلوع على سياسة حجب المواقع الإخبارية من خلال الوكالة التونسية للإنترنت، حيث كان نشطاء التواصل والمدونون يتندرون حينها بشكل ساخر من هذه الرقابة الممنهجة التي سميت حينها "عمار 404".

الزغدودي: مناضلو قطاع الإعلام نجحوا بعد الثورة في كسر دائرة التعتيم التي فرضتها منظومة الاستبداد (الجزيرة)

قوانين زجرية
ويؤكد أيمن الزغدودي المستشار القانوني لمنظمة "المادة 19" -وهي منظمة دولية تعمل في مجال الدفاع عن حرية التعبير والإعلام- أن إعلام ما قبل 2011 كان خاضعا للسلطة التنفيذية.

وشدد للجزيرة نت على أن بن علي نجح في تركيع الإعلام وجره لبيت الطاعة من خلال منظومة تشريعية زجرية، في مقدمتها مجلة الصحافة والمجلة الجزائية.

وأكد في المقابل نجاح منظمات المجتمع المدني ومناضلي قطاع الإعلام بعد الثورة في كسر دائرة التعتيم التي فرضتها منظومة الاستبداد، من خلال صياغة مراسيم تتعلق بحرية الصحافة وحرية النفاذ إلى الوثائق الإدارية.

ولفت في المقابل إلى أن السلطة اليوم تحاول أن تحكم قبضتها مجددا على الإعلام، من خلال الإصرار على الإبقاء على المجلة الجزائية كنص يمكن تطبيقه على الصحفيين بدل المراسيم المنظمة للعمل الصحفي.

وقال "صحيح أنه لم يعد في تونس وزارة إعلام، لكن هناك حاليا أشخاصا يقومون بذات الدور الرقابي من خلال مراقبة أنشطة الصحفيين، وهرسلتهم (مضايقتهم) وابتزازهم".

وفي تعليقه على الترتيب الذي حققته تونس بمجال حرية الصحافة، قال الزغدودي إن "تونس لم تتقدم على دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط لأنها الأفضل، بل لأن هاته الدول شهدت موجة أكبر من قمع وهرسلة الصحفيين".

المصدر : الجزيرة